مصائب الدنيا عديدة، و لعل من ألدّها عندنا ما يسمى بالهيئات المستقلة … من هيئة الانتخابات التي إن أفلحت في شيء فقد نجحت في تسويق التزوير و الفساد و توزيع الأدوار الأحلك في تاريخ تونس، ملفوفة كلها بلافتة “انتخابات نزيهة و شفّافة” … إلى هيئة الحقيقة و الكرامة التي لم نفهم هل هي “تولك شو” على غرار فرّغ قلبك، أم قباضة مالية، أم محكمة موازية لتلك التي في باب بنات … إلى هيئات أخرى لن نطيل فيها و لكن نقتصر منها على ذات الاسم العريض الطويل و الذي نختصره فرنسيّا في كلمة “هايكا” …
عبد القادر المقري
هيئة الإعلام السمعي البصري هذه، أوّلا منذ أن تركّبت و نحن نسمع بقضاة و محامين و أساتذة و مهندسين و عدول منفذين وعدول إشهاد و لا أدري من … كلهم يريدون تمثيلهم فيها و جميعهم و جميع غيرهم نالوا ذلك … و تدخلت كذلك محاصصات الأحزاب و النقابات المهنية و خوماضة المجتمع المدني المتراوحة من المتحرر جدّا إلى المربّط جدّا … كل القوم يريدون مقعدا في تلك الهيئة التي من كثرة ما تزاحموا على بابها انخلع الباب و تلاشى بين الأرجل … و حين أصلحوه و أعادوه إلى مكانه و أداروا العظْمة، انغلقت الفردتان على كل المهن التي بقيت بالداخل … و بقي بالخارج على الرصيف، الصحفيون !
و بعد ذلك باشرت هذه الهيئة عملها … و من يومها لم نسمع سوى عراك و تلاكم و تلاطم، عقبت ذلك استقالات أو إقالات أو تصفيات … و انتقل ذلك إلى الخارج حيث بلاتوهات الإذاعات كلّ يسبّ و كل يقشتل … الذي لم يمنحوه رخصة، و الذي حجروا عليه، و الذي منعوه من الإعادة، و الذي ضربوه بخطيّة، و الذي “زدموا” عليه بالقوة العامة و قالوا له (قشّك و على برّة) … و كان ذلك يتمّ بمباركة السلطة التي تلعب على الحبال حسب رأس الزبون كما يقول الفرنسيس … فإذا كنت من أقارب السلطة، لك أن تشتم اللجمي و السنوسي ـ شتما مقذعا ـ حتى إلى يوم غد … أما إذا كانت لك معها مشكلة، فهي تنتصر للهايكا و تسخّر لها ضدّك الرجال و العتاد و السلاح الناري لو لزم …
لا علينا … تاهت الهايكا و تهنا معها في ترتيبات إسناد الباتيندات و الذبذبات و هذا في حد ذاته موضوع طويل لا يختلف عن إسناد رخص التاكسي و باقي التراخيص التي ترعرع بها الفساد التونسي الحر الأصيل … و تاهت ثانية و تهنا معها في كلمة قالها مقدم برنامج أو صورة “زرف” بها مخرج أو غمزة طرأت على عين أحد الضيوف … و في أثناء ذلك أعيدت القسمة كم من مرة، و المحاصصة ألف كرّة، و دائما هناك قوق و نقار و ريش متطاير و فرّوج مقذوف من النافذة بين حين و آخر …
ضاع وقت كثير … كان يمكن تخصيصه لإلزام كل مؤسسة بخطّ تحرير و هيئة داخلية تفرض احترام ذلك الخطّ … و كان يمكن تخصيصه لمقاومة هذه الفوضى اللغوية التي لا نجدها في فرنسا أو أنكلترا أو إيطاليا أو مالطة العورة … لغة إذاعاتنا ـ بما فيها الوطنية الرسمية، بما فيها الإذاعة الثقافية ـ صارت “أكلوني البراغيث” أفصح منها و أنقى و أرقى … لغة شارع؟ بل أشنع من لغة الشارع، بينما المفروض أنكم تتوجهون لملايين الناس، و بخطاب من الواجب أن يكون محترما في الشكل و الموضوع … لغة شباب؟ بالعكس فشبابنا على علاّته، أثقف من كلامكم المكسّر و تربيتكم المعدومة … عناوين برامجكم استلاب و ضعف شخصية و استعمار جديد لن يعترف بكم كبشر و لو بُستم ساقه … و يبدو أنكم تفهمون في الحداثة كما تفهم جارتنا في السمفونية الخامسة …
كان يمكن تخصيص ذلك أساسا في شروط الانتماء إلى مؤسسة صحفية … معروف أن وسائل إعلامنا مغزوّة بالعوامّ و المشرّدين و ضحايا التسرّب المدرسي منذ عقود … لذلك عمّت لدينا صحافة الثقافة المتوسطة و اللغة الركيكة و الذمم السهلة الشراء و بأرخص مقابل … و لم نقدر على إيصال صوت بلادنا و لا ثقافتها و لا حتى عناوين تاريخها و لا أيّ شيء عنها خارج حدودنا … عجزنا عن ذلك حتى في زمن الفضائيات العابرة للحدود و المفتوح أمامها مجال البلاد المغاربية و العربية و المتوسطية و الإفريقية … و عندهم ألف حق عندما لا ينتبهون إلينا، فلمن تريدون لهم أن يقرؤوا أو يستمعوا و على ماذا سيتفرّجون؟
و لكن في السنين الأخيرة، غار الجرح بانتشار ظاهرة من أخطر ما يكون … و تتمثل في اجتياح أصحاب المهن الأخرى (غناء، تمثيل، مزود، محاماة، مهن رياضية …) و بعض الذين لا مهنة لهم ـ أو لهنّ ـ أصلا، مقرّات إذاعاتنا و تلفزاتنا … لا كضيوف عابرين أو كمارّة يعطون رأيهم “بالواقفة” في شارع بورقيبة، بل كمعلّقين قارّين و مقدمين منتظمين تراهم و تسمعهم كل أسبوع و حتى كل يوم … كل من يفشل في ميدانه، كل من تكسد سوق عمله، كل من يجد بعض التعب في تحصيل قوته، كل من تنسحب منه الأضواء و يبحث عن فرصة ثانية للظهور … جميع هذا الرهط يبذل المساعي و يوظّف العلاقات و يستغلّ المكان المباح، ليهجم على الغنيمة و يتحوّل في ثوان إلى “إعلامي” و زميل لك بالقوة و الذراع … أيّ زميل؟ بل هو مَن أصبح صاحب الدار و أنت الذي انضممت إلى طابور الغرباء و الدخلاء …
يستفزّك كلام أحدهم فيكون مثلا مدرّب كرة فاشلا في كل محطاته و لكن يجد خبزته المخبوزة في تلفزاتنا الخيرية … يتربّع فيها كهارون الرشيد و عندما يسألونه يوما متى يعود لعمله الأصلي في الملاعب يجيبهم: “لا، هكة أحسن لي” … طبعا يا بابا … أو تكون محامية استنجد بها أحد مديري القنوات لإخراجه من السجن … و كمكافأة لها، صيّرها صحفية بكامل الحقوق و الشروط … فاستطابت المقام و أغلقت مكتبها، و من يومها ودّعت القضايا و المحاكم و روب المحاماة … أو يكون مغنّيا دمامة وجهه و قبح سلوكه و لسانه أشهر من أغانيه، جرّب كل شيء و فشل في كل شيء و تعلّقت به قضايا تحيّل و تحرّش، فينتشله بعض أدعياء التقديم و يضعه جنبه كالتعويذة … يطول به الوقت و يأتي موسم تجديد الشبكات، فإذا به يخرج في الإذاعات مصرّحا بأنه “يدرس” العروض التي جاءته … و طبعا تلك العروض ليست للمشاركة في أيام قرطاج الموسيقية … بل صار بعضهم يتحدث عن “ميركاتو” لتوزيع الكعكة بين أفراد هذه العصابة المنتحلة، و الآكلة البرّ و البحر …
عيّنات من هؤلاء، كرّهتني أوّلا في مناظرهم بعد أن كنّا نحترم بعض ما قدّموه في فنّهم الأصلي … و عيّفتني في مهنهم التي جاؤوا منها كالمغول للسطو على مهنة غيرهم … و تزداد النذالة رسوخا، حين يستغلّ قسم من هؤلاء نجوميتهم الجديدة (كأشباه إعلاميين) في تلميع نجوميتهم القديمة الآفلة … فترى منهم مثلا، من يَبِـيضون عملا مسرحيا تافها و يروّجون له في موقعهم التلفزي، و تتم استضافتهم بتلك الصفة و الدعاية لهم (و أحيانا يكون المنشط مشتركا في ذلك العمل و مداخيله) و تحقق “المسرحية” مداخيل بتأثير من كل هذا … و يصبح السيد أمير المسرح و الصحافة في آن واحد … يا سلام …
كل هذا على حساب عشرات الشباب الصحفيين، و حتى مَن هم أقلّ شبابا و لكنهم أفنوا نصف العمر في خدمة صاحبة الجلالة بما أتيح لهم … فيهم من هجّ إلى الخليج، و فيهم من يشتغل جنديّ خفاء ينزل إلى الشارع و يشقى لإعداد مادة يتبجّح بها منشطون أصفار فيقبضون الملايين و تنوبه ملاليم لا تسدّ الرمق … و فيهم من يموت جوعا و مرضا و نسيانا … و بالمناسبة كم يوجع قلبي مصير موهوب محترف كبير كجمال الكرماوي، تمّ إقصاؤه و استبعاد أمثاله من أهل المهنة … ليحلّ محلّهم الطفيليّون و أنصاف الجهلة و المخنّثون و الداعرات و خادمات المنازل، لو كانت الشمس في مدارها …
هذه هي “الهايكا” و هذا عصرها و هذا عصير ثمارها و حصاد الذين أتوا بها … و يقيني أنها إن لم تجد الحلّ، أو لم تنحلّ، أو لم تغرب نهائيا عن الوجوه، فسيتولّى أهل مهنتنا المغتصبة الدفاع عنها بالمخلب و الناب … بل بالسكّين و البندقية و المدفع الرشّاش، و سيكونون على ألف حق …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.