تابعنا على

جور نار

إعلامنا مِن حمار للركوب … إلى إسطبل بحراسة “الهايكا”

نشرت

في

مصائب الدنيا عديدة، و لعل من ألدّها عندنا ما يسمى بالهيئات المستقلة … من هيئة الانتخابات التي إن أفلحت في شيء فقد نجحت في تسويق التزوير و الفساد و توزيع الأدوار الأحلك في تاريخ تونس، ملفوفة كلها بلافتة “انتخابات نزيهة و شفّافة” … إلى هيئة الحقيقة و الكرامة التي لم نفهم هل هي “تولك شو” على غرار فرّغ قلبك، أم قباضة مالية، أم محكمة موازية لتلك التي في باب بنات … إلى هيئات أخرى لن نطيل فيها و لكن نقتصر منها على ذات الاسم العريض الطويل و الذي نختصره فرنسيّا في كلمة “هايكا” …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
<strong>عبد القادر المقري<strong>

هيئة الإعلام السمعي البصري هذه، أوّلا منذ أن تركّبت و نحن نسمع بقضاة و محامين و أساتذة و مهندسين و عدول منفذين وعدول إشهاد و لا أدري من … كلهم يريدون تمثيلهم فيها و جميعهم و جميع غيرهم نالوا ذلك … و تدخلت كذلك محاصصات الأحزاب و النقابات المهنية و خوماضة المجتمع المدني المتراوحة من المتحرر جدّا إلى المربّط جدّا … كل القوم يريدون مقعدا في تلك الهيئة التي من كثرة ما تزاحموا على بابها انخلع الباب و تلاشى بين الأرجل … و حين أصلحوه و أعادوه إلى مكانه و أداروا العظْمة، انغلقت الفردتان على كل المهن التي بقيت بالداخل … و بقي بالخارج على الرصيف، الصحفيون !

و بعد ذلك باشرت هذه الهيئة عملها … و من يومها لم نسمع سوى عراك و تلاكم و تلاطم، عقبت ذلك استقالات أو إقالات أو تصفيات … و انتقل ذلك إلى الخارج حيث بلاتوهات الإذاعات كلّ يسبّ و كل يقشتل … الذي لم يمنحوه رخصة، و الذي حجروا عليه، و الذي منعوه من الإعادة، و الذي ضربوه بخطيّة، و الذي “زدموا” عليه بالقوة العامة و قالوا له (قشّك و على برّة) … و كان ذلك يتمّ بمباركة السلطة التي تلعب على الحبال حسب رأس الزبون كما يقول الفرنسيس … فإذا كنت من أقارب السلطة، لك أن تشتم اللجمي و السنوسي ـ شتما مقذعا ـ حتى إلى يوم غد … أما إذا كانت لك معها مشكلة، فهي تنتصر للهايكا و تسخّر لها ضدّك الرجال و العتاد و السلاح الناري لو لزم …

لا علينا … تاهت الهايكا و تهنا معها في ترتيبات إسناد الباتيندات و الذبذبات و هذا في حد ذاته موضوع طويل لا يختلف عن إسناد رخص التاكسي و باقي التراخيص التي ترعرع بها الفساد التونسي الحر الأصيل … و تاهت ثانية و تهنا معها في كلمة قالها مقدم برنامج أو صورة “زرف” بها مخرج أو غمزة طرأت على عين أحد الضيوف … و في أثناء ذلك أعيدت القسمة كم من مرة، و المحاصصة ألف كرّة، و دائما هناك قوق و نقار و ريش متطاير و فرّوج مقذوف من النافذة بين حين و آخر …

ضاع وقت كثير … كان يمكن تخصيصه لإلزام كل مؤسسة بخطّ تحرير و هيئة داخلية تفرض احترام ذلك الخطّ … و كان يمكن تخصيصه لمقاومة هذه الفوضى اللغوية التي لا نجدها في فرنسا أو أنكلترا أو إيطاليا أو مالطة العورة … لغة إذاعاتنا ـ بما فيها الوطنية الرسمية، بما فيها الإذاعة الثقافية ـ صارت “أكلوني البراغيث” أفصح منها و أنقى و أرقى … لغة شارع؟ بل أشنع من لغة الشارع، بينما المفروض أنكم تتوجهون لملايين الناس، و بخطاب من الواجب أن يكون محترما في الشكل و الموضوع … لغة شباب؟ بالعكس فشبابنا على علاّته، أثقف من كلامكم المكسّر و تربيتكم المعدومة … عناوين برامجكم استلاب و ضعف شخصية و استعمار جديد لن يعترف بكم كبشر و لو بُستم ساقه … و يبدو أنكم تفهمون في الحداثة كما تفهم جارتنا في السمفونية الخامسة …

كان يمكن تخصيص ذلك أساسا في شروط الانتماء إلى مؤسسة صحفية … معروف أن وسائل إعلامنا مغزوّة بالعوامّ و المشرّدين و ضحايا التسرّب المدرسي منذ عقود … لذلك عمّت لدينا صحافة الثقافة المتوسطة و اللغة الركيكة و الذمم السهلة الشراء و بأرخص مقابل … و لم نقدر على إيصال صوت بلادنا و لا ثقافتها و لا حتى عناوين تاريخها و لا أيّ شيء عنها خارج حدودنا … عجزنا عن ذلك حتى في زمن الفضائيات العابرة للحدود و المفتوح أمامها مجال البلاد المغاربية و العربية و المتوسطية و الإفريقية … و عندهم ألف حق عندما لا ينتبهون إلينا، فلمن تريدون لهم أن يقرؤوا أو يستمعوا و على ماذا سيتفرّجون؟

و لكن في السنين الأخيرة، غار الجرح بانتشار ظاهرة من أخطر ما يكون … و تتمثل في اجتياح أصحاب المهن الأخرى (غناء، تمثيل، مزود، محاماة، مهن رياضية …) و بعض الذين لا مهنة لهم ـ أو لهنّ ـ أصلا، مقرّات إذاعاتنا و تلفزاتنا … لا كضيوف عابرين أو كمارّة يعطون رأيهم “بالواقفة” في شارع بورقيبة، بل كمعلّقين قارّين و مقدمين منتظمين تراهم و تسمعهم كل أسبوع و حتى كل يوم … كل من يفشل في ميدانه، كل من تكسد سوق عمله، كل من يجد بعض التعب في تحصيل قوته، كل من تنسحب منه الأضواء و يبحث عن فرصة ثانية للظهور … جميع هذا الرهط يبذل المساعي و يوظّف العلاقات و يستغلّ المكان المباح، ليهجم على الغنيمة و يتحوّل في ثوان إلى “إعلامي” و زميل لك بالقوة و الذراع … أيّ زميل؟ بل هو مَن أصبح صاحب الدار و أنت الذي انضممت إلى طابور الغرباء و الدخلاء …

يستفزّك كلام أحدهم فيكون مثلا مدرّب كرة فاشلا في كل محطاته و لكن يجد خبزته المخبوزة في تلفزاتنا الخيرية … يتربّع فيها كهارون الرشيد و عندما يسألونه يوما متى يعود لعمله الأصلي في الملاعب يجيبهم: “لا، هكة أحسن لي” … طبعا يا بابا … أو تكون محامية استنجد بها أحد مديري القنوات لإخراجه من السجن … و كمكافأة لها، صيّرها صحفية بكامل الحقوق و الشروط … فاستطابت المقام و أغلقت مكتبها، و من يومها ودّعت القضايا و المحاكم و روب المحاماة … أو يكون مغنّيا دمامة وجهه و قبح سلوكه و لسانه أشهر من أغانيه، جرّب كل شيء و فشل في كل شيء و تعلّقت به قضايا تحيّل و تحرّش، فينتشله بعض أدعياء التقديم و يضعه جنبه كالتعويذة … يطول به الوقت و يأتي موسم تجديد الشبكات، فإذا به يخرج في الإذاعات مصرّحا بأنه “يدرس” العروض التي جاءته … و طبعا تلك العروض ليست للمشاركة في أيام قرطاج الموسيقية … بل صار بعضهم يتحدث عن “ميركاتو” لتوزيع الكعكة بين أفراد هذه العصابة المنتحلة، و الآكلة البرّ و البحر …

عيّنات من هؤلاء، كرّهتني أوّلا في مناظرهم بعد أن كنّا نحترم بعض ما قدّموه في فنّهم الأصلي … و عيّفتني في مهنهم التي جاؤوا منها كالمغول للسطو على مهنة غيرهم … و تزداد النذالة رسوخا، حين يستغلّ قسم من هؤلاء نجوميتهم الجديدة (كأشباه إعلاميين) في تلميع نجوميتهم القديمة الآفلة … فترى منهم مثلا، من يَبِـيضون عملا مسرحيا تافها و يروّجون له في موقعهم التلفزي، و تتم استضافتهم بتلك الصفة و الدعاية لهم (و أحيانا يكون المنشط مشتركا في ذلك العمل و مداخيله) و تحقق “المسرحية” مداخيل بتأثير من كل هذا … و يصبح السيد أمير المسرح و الصحافة في آن واحد … يا سلام …

كل هذا على حساب عشرات الشباب الصحفيين، و حتى مَن هم أقلّ شبابا و لكنهم أفنوا نصف العمر في خدمة صاحبة الجلالة بما أتيح لهم … فيهم من هجّ إلى الخليج، و فيهم من يشتغل جنديّ خفاء ينزل إلى الشارع و يشقى لإعداد مادة يتبجّح بها منشطون أصفار فيقبضون الملايين و تنوبه ملاليم لا تسدّ الرمق … و فيهم من يموت جوعا و مرضا و نسيانا … و بالمناسبة كم يوجع قلبي مصير موهوب محترف كبير كجمال الكرماوي، تمّ إقصاؤه و استبعاد أمثاله من أهل المهنة … ليحلّ محلّهم الطفيليّون و أنصاف الجهلة و المخنّثون و الداعرات و خادمات المنازل، لو كانت الشمس في مدارها …

هذه هي “الهايكا” و هذا عصرها و هذا عصير ثمارها و حصاد الذين أتوا بها … و يقيني أنها إن لم تجد الحلّ، أو لم تنحلّ، أو لم تغرب نهائيا عن الوجوه، فسيتولّى أهل مهنتنا المغتصبة الدفاع عنها بالمخلب و الناب … بل بالسكّين و البندقية و المدفع الرشّاش، و سيكونون على ألف حق …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار