تابعنا على

جور نار

الآتي… الذي قد يواتي (9)

نشرت

في

عبد القادر المقري:

فاعلو العشرية السوداء كابروا وما زالوا يكابرون في تقييمها… أصلا لا يعتبرونها سوداء ولا فاشلة ولا أجرموا ولا أخطؤوا ولا تابوا… بل هم مثل مغنيات الدرجة الرابعة اللائي حين يسألهن سائل عن أكبر عيوبهنّ يقلن: طيبة قلبي…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

هم يرونها مرحلة انتقال ديمقراطي، ومرحلة حرية غير مسبوقة (ولا ملحوقة) ويرون أنهم إن أخطؤوا ففي التعامل الديمقراطي المفرط مع خصومهم… وينسبون تلك الأخطاء إلى قلة خبرتهم، وإلى تركة ثقيلة، وإلى مؤامرة خارجية لم ترضها “التجربة التونسية الفريدة في كامل المنطقة” … وما زالوا يتحدثون عن ثورة ويرون أنفسهم ثوريين وعن استبداد قاوموه وظلّ متربصا إلخ … ولكن وعلى طريقة ناعورة الريح والباطنية التي ينتهجونها، لا غرابة في أن يباغتوك فرديا أو جماعيا، بتغيير الدفة 180 درجة… وقد لمسنا عينات من ذلك في الزمنين القريب والأبعد… هؤلاء حادث عارض في تاريخنا الطويل، حادث مؤسف مهلك يقطر دما، ولكنه يبقى عارضا… وأهمّ منه ومنهم، سؤالنا المضني عن البلد بعد أن يلفظهم نهائيا كسائر الأوبئة التي قاومناها من رمد الستينات إلى كورونا السنين الأخيرة… بعد هؤلاء، كيف يستعيد التونسيون تونس، ويضمنون فعلا أن لا عودة إلى الوراء … إلى عشرية الظلام وكذلك إلى عشريات بائسة أخرى أوصلتنا بالحتم إليها؟…

نظامنا التونسي كان محدودا وكنا نعرف حدوده… لذلك اشتغلت جامعات وجامعيون على تحرير الفكر وصياغة إنسان جديد … كان القرمادي وبكار وبوحديبة واليعلاوي وجعيط والزغل والهرماسي والشرفي والشنوفي وبالعيد وغيرهم، يجهدون النفس لكي يصنعوا نخبة جديدة أفضل منهم… تماما كما يتعب الآباء كي يكون أبناؤهم أحسن حالا… لذلك وحتى حين كان بعضهم ينشط في الحزب الحاكم ويذلّ نفسه كي يبقى في مكانه، كان في ذات الوقت يدرّسنا معاني الحرية والكرامة والرأي المستقلّ… وكشهادة للتاريخ… عبد الوهاب عبد الله مثلا كان كسياسي، جزءا من المنظومة وقل فيه ما تشاء… ولكنه كجامعي كان يسند أضعف الأعداد لمن يتملّق أو يدبّج الكذب والزور، وكان يبتهج حين يجد طالبا شجاعا يقدّر العلم ويصدع بالحقيقة، فيكافئه بأفضل عدد … كان يدرّسنا القانون الدستوري، وكنا نخلط أحيانا بين هذه المادة وبين الحزب الدستوري فإذا أستاذنا الجليل بالمرصاد … والمعصار أيضا… وإليه تنسب تلك الجملة تجاه طالبة مغناج ذات امتحان (تريدين موعدا؟ إذن فليكن في سبتمبر)…

مستقبل تونس أن يصبح اليمين يمينا واليسار يسارا وأن يحافظ كل على لونه وخصوصياته ويعمّق ثقافته هناك إن لم يعمق مصالحه… الوسط كذبة كبيرة وادعاد أكبر وجبن أكبر وأكبر… لماذا يضطروننا إلى تعريف ما هو معروف، بل التذكير لمن غزا رؤوسهم زهايمر؟ … لماذا يخجل اليميني من أن يقول أنا مع امتلاك الأفراد للثروات، أكثر ما يمكن من الثروات؟ ومع أقل ما يمكن من الدولة وأكثر ما يمكن من حرية المبادرة بلا قيود ولا حدود ولا أوراق؟ ومع جولان رأس المال بين المدن والولايات والبلدان بأقل ما يمكن من رسوم أو ضرائب أو جمارك أو إجراءات حمائية؟ … هذا رأيهم ـ أي اليمين ـ في كل العالم، وليس رأيي …

ولِمَ يخجل اليساري من القول أنا يساري على منهج ماركس ولينين وماو والثورة الثقافية؟ لماذا خفت صوت المتكلمين باسم الاشتراكية (ولم نقل “شيوعية” أستغفر الله !) … بل وأصبح حتى طارحو البرامج الديمقراطية الاشتراكية (وهو تيار محترم في كل الدنيا، وكان لنا منه في تونس حزب عريق اختفى الآن) … استبدل هؤلاء الاشتراكية بالمجتمع وأصبحوا يتحدثون عن الديمقراطية الاجتماعية … هل كانت موضة ستينات وسبعينات ثم انهارت مع الاتحاد السوفياتي؟ هل كانت قناعات أم تبعية لسفارات؟ … الاشتراكية نظام له أيضا قدره ومزاياه ولولاه لبقيت روسيا مزرعة شاسعة للفقر وفلاحة التخلف والعبودية، ولما أصبحت الصين دولة متطورة مهابة بعد أن كانت سوقا محتلة وحقل أفيون…

قلت لماذا يخجل اليساريون ويتبرؤون من الصفة ومن مفردات فكرها؟ ليست المسألة إيديولوجيا بقدر ما هي شرائح وطبقات تبحث هي الأخرى عمن يتبناها ويبرمج للدفاع عن مصالحها… السياسة مصالح، أوكي؟ … إذن فإذا كان اليمين مجندا في أي مكان للدفاع عن طبقة البورجوازية وكبار الأثرياء ومن يلحقهم من رجال دين وثقافة وإدارة وقانون ودبلوماسية وأشغال عامة وتهيئة ترابية إلخ … فمن يتولى الدفاع عن مصالح من في غير هذا الصف؟ العمال مثلا وصغار الفلاحين وصغار الموظفين والباحثين عن شغل والأقليات وسكان الأحياء الفقيرة المكتظة ومدن الداخل المهمشة؟ ومن يدافع عن القطاعات غير المنتجة عاجلا ولكنها تستثمر على البعيد في الأجيال والقيم والبيئة السليمة ومستقبل كل هذا؟ من يدافع عن قطاعات اجتماعية كالتربية والثقافة والفنون والأسرة والمرأة والطفولة والمسنين والمشردين وذوي الاحتياجات الخاصة؟

الكل طبعا يزعم تبني هذه الملفات ويصدع رؤوسنا بذلك في كل مهرجان انتخابي… ولكن عند الممارسة يعود الجميع إلى قواعدهم ولا يصح إلا الصحيح… لذلك لم تتحرك حالنا كثيرا ولم يتحقق من المكاسب إلا القليل مما يمكن أن يسقط لأقل هبة ريح … فيما في البلدان التي يلتزم فيها كل لون سياسي بمربّعه الطبقي والمصالحي، تجد إنجازات مهمة جدا اجتماعيا حين يصعد اليسار في هذا البلد الأوروبي أو ذاك، وتجد إعفاءات ضريبية واكتساحا للأسواق ودفعا لطاقة الإنتاج حين يتبوأ اليمين سدة الحكم … حتى في البلاد التي لا تعترف أصلا بصطلح اليسار بل وتجرّمه حرفيا كالولايات المتحدة وبريطانيا، تتناول أحزاب ذات ميول اجتماعية (كالديمقراطيين في أمريكا، والعمال في بريطانيا، والاشتراكيين لزمن طويل في فرنسا وإسبانيا وغيرهما) …

لقد تلعثمنا طويلا في السبعين سنة الأخيرة وجربت نخبنا كل الإيديولوجيات والنعرات والولاءات والزعامات والنرجسيات… ولم ينتج عن ذلك سوى الخراب الذي وصلنا إليه، ولم يحدث ذلك الاستقرار الذي لطالما تشدق به إعلامنا الرسمي … لم يستقر أحد في السلطة ولا في معارضتها … نصف جماعة برسبكتيف التحقوا بحزب الدستور وجزء من الدساترة أعلنوا التمرد في 71 ولا حديث عن نقابيين عديدين باعوا الذمة ولا عن رابطيين أصبحوا خصوما لحقوق الإنسان … بعضنا يقرؤها انتهازية وبعضنا يراها تصفية في سباق وبعضنا يحكي عن خبزة الأولاد… ولكن ذلك لم يكن ممكنا بهذه السهولة لو رُسمت حدود بائنة عميقة بين فكر وفكر… حدود تمد عروقها منذ الطفولة والسلالة والمنطقة بكاملها… في أوروبا وأمريكا هناك عائلات تصوّت لليمين منذ الجد الرابع أو الخامس، كما هناك ولايات معروفة تقليديا بميولها العمّالية أو الاجتماعية ويستمر ذلك لقرن وأكثر…

لذلك لم يعش أي حزب في بلادنا أطول من عمر باعثه أو رئيسه المزمن… وتكاثرت عندنا الأحزاب والتيارات ولو أحصينا ذلك منذ حركة الشباب التونسي إلى اليوم لأرسينا ربما على آلاف … ما بين علني وسري ونظري وفعلي ومقيم ومهاجر وجامعي ومدني وذي عدد كبير وما لم يتجاوز أفراده عبوءة سيارة لواج… أمم أمم، كما قال مظفّر… غير أن الدوّامة قد يأتي يوم وينتهي دورانها ونرتطم أخيرا بشاطئ الأمان أو حجر الوادي… وقتها سيكون مطروحا علينا أن نعود إلى الأصول والاختيار بين لونين أو ثلاثة على الأكثر…

وبالنظر إلى تاريخنا المعاصر وما اعتملت فيه من اجتهادات، يبدو أن القسمة ستكون بين تيار دستوري لو يجد من يطوّره ويعطيه مصل الحياة ليحمل راية الفكر اليميني الليبرالي … وهو الأقرب لذلك منذ قيامه سنة 1920 على أساس أنه “حر” لا بمعنى التحرر بل بمعنى الليبرالية حيث كانت ترجمة اسمه بالفرنسية آنذاك (Parti Libéral Constitutionnaliste)… ومن جهة أخرى، نشأ في نفس المدة تيار اشتراكي ونقابي من رموزه محمد علي الحامي ومختار العياري وعلي جراد وبلقاسم القناوي وغيرهم ممن أسسوا لحركة تقدمية تداخلت في بعض الأحيان مع الطيف الدستوري حين كان الفرز وطنيا لا طبقيا … ونعرف كيف انتهى “شهر العسل” الوطني مع قمع الحزب الشيوعي وحظره سنة 1963، ثم مع مؤتمر بنزرت الذي جرّم التعددية رسميا بعد سنة، ثم مع انشقاق اتحاد الشغل برمّته سنة 1977… وها أن التياران ما يزالان على قيد الحياة (الدساترة واليسار) إلى اليوم رغم أعاصير الزمن … وهو ما يثبت أن تونس لم تهضم بعد كل هذه الحقب سواهما، شأنها شأن اي بلد آخر في الحقيقة…

ولكن وبما أن المحن تراكمت والجراح أثخنت بما يكفي، وبما أن العودة إلى الأصول هي البوصلة التي يعود إليها كل ملاّح تائه، فإن من هذه الأصول التي يعاد إليها وقد ذكرناها منذ قليل، الفرز الوطني… أحادية الولاء للنجمة والهلال… نعم، حدث ذلك أيام الاستعمار، وها هو يعود بقوة أكثر في زمن تهديدات أبعد من الاستعمار القديم خطرا وخطورة… وهذه هي الأرض التي سيقف عليها ورثة الحركتين الدستورية و اليسارية، ودونها لاجدوى من أي بناء … وطنيون أولا، دستوريون وماركسيون وقوميون وحتى زرادشتيون بعد ذلك، لا يهمّ… وهذا أيضا ما نجده في المشهد السياسي لأي بلد ديمقراطي ودولة عصرية تحترم ذاتها في عالمنا الحديث… وهذا ما تصاغ به الدساتير وتملى الشروط وينطق القضاء ويقع القبول أو الإقصاء… من الدولة والمجتمع أيضا…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار