تابعنا على

جور نار

“الإيبيجينيتيك” في خدمة النجاح المدرسي … أو كيف نَكسِر الحتميّات الجينيّة؟

نشرت

في

علم “ما فوق الجينات” أو “علم التخلّق”  (الإيبيجينيتيك) هو حقل علمي ناشئ وهو اليوم بصدد احداث تغييرات جوهرية في عديد المجالات وخاصة في المجال الطبّي الوقائي والعلاجي.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

 وعلى فهمنا لنموّ الطفل ومنسوب ذكائه وحظوظ نجاحه في الوسط المدرسي. علم الجينات يدرُسُ آليّات نقل طِباعنا وخاصيّاتنا جيلا وراء جيل عبر  سلسلة الحمض النووي ADN بينما تتكفّل المسارات ما فوق الجينيّة بوضع علامات على “نظام الاشتغال المركزي” وهو الـ ADN أو على أطرافه لتكون قادرة تماما على إحداث تغييرات في كمية “الوسائل الحيوية” التي تُنتجها الجينات.

عندما نقرأ أن بعض الدراسات العلمية الموثوقة تُقرّ بأن ثلثيْ النتائج المدرسية أو على الأقل الأعداد المتحصّل عليها (حوالي 62 % ) يمكن تفسيرها بواسطة “الإرث الجيني للتلاميذ”  وأن هذه النتيجة مقترنة في نفس الوقت بما توصّل إليه من تأكيد حقيقة علمية أخرى وهي أن تأثير الذكاء على القدرات الدراسية لا يتجاوز 13 % في كل الحالات…فإن السؤال يظلّ مطروحا بحدّة : اذا لم تفز العوامل الوراثية بكامل حصّة التأثير في سلوك الأطفال خاصة وطِباعهم وأمزجتهم وأدائهم المدرسي الخ… تاركة الفرصة لعوامل أخرى لاحقة قادرة على تصويب ما أفسدته “التّركة الجينيّة” ، فما هي هذه الجينات المسؤولة عن “التعديل والتدارك والتصويب” وقهر الوراثي الذي لا نتحكّم فيه ؟ !

 الباحث البريطاني كونراد وادينغتون هو أول من تحدّث عن هذا الحقل العلمي الجديد وأطلق عليه علم ما فوق الجينات سنة 1942 Epigenetics والذي اشتغل ضمنه على “دراسة الآليات التي بواسطتها يتم التفاعل بين الجينات والمحيط لخلق الخاصيات الفيزيولوجية والمورفولوجية للفرد”.

إذن يمكن القول بأنه ليس كل شيء محدّد مُسْبقًا في ضرب من القدريّة المُشلّة للحركة والداعية إلى القبول بالمكتوب  “حمضيا في جيناتنا” ! وهذا في حدّ ذاته كسب تاريخي ثمين للبشرية حسب اعتقادي لأنه يؤسّس لهامش كبير من الحرية والمسؤولية في ذات الوقت تجاه صحّتنا وصحّة أبنائنا وتجاه أدائنا بصورة عامة وأداء أبنائنا في كل المجالات الحياتية.

أفضل تعريف مُقنع وطريف لعلم ما فوق الجينات عثرت عليه لدى الباحث الفرنسي من أصل موريسي جويل دي روناي Joël de Rosnay من خلال سلسلة طويلة من المحاضرات والمداخلات التلفزية حول الموضوع. يقول :

“الابيجينيتيك تعني ما فوق علم الوراثة الكلاسيكي أي ما فوق سلسلة الحمض النووي ADN التي تُشكّل كل برنامج حياتنا، وهي التي تحدد كل ما نفعل، بينما الابيجينيتيك هي إمكانية أن نُعدّل طريقة اشتغال جيناتنا وتصرفها عبر سلوكياتنا نحن البشر.  بمعنى أن الجينات هي عبارة عن أدراج مُقفلة بإحكام بواسطة مفاتيح ومُرصّفة فوق بعضها البعض وتحتوي على الرموز الجينية وكل البرامج التي تتحكم بحياتنا. ولكن من خلال سلوكاتنا وتحرّكنا في المحيط نستطيع أن نزرع أو نحقن داخل أجسادنا جُزيئات molécules des ستتصرف وكأنها مفاتيح لمعالجة هذه الأدراج والولوج إليها (أو تركها موصَدة) والتي تحتوي على وصفات لتجهيز الأطعمة (كأنها مطبخ، إذا أنت لم تتمكّن من فتح الدّرج الذي يحتوي على وصفة طهي البيتزا على سبيل المثال فلن تتعلّم أبدا إعداد طبق البيتزا ) لصنع أنزيمات أو بروتينات تتحكم باشتغال كل حياتنا.  وبالتالي فإن الإيبيجينيتيك هي نوع من تحميل المسؤولية للفرد ذاته أمام ما يحدث له بدنيّا وحيال المحيط أو المجتمع الذي يعيش داخله”.

اللافت في هذا الخطاب الجديد نسبيا هو تعبير “نحن نستطيع” ولسنا محكومين بحتميات جينيّة قاهرة.  فمن خلال سلوكنا يمكن تغيير طريقة اشتغال خلايانا وتصرّفات جيناتنا اعتمادا – حسب دي روناي- على خمس عناصر كبرى هي :

التغذية والحركة البدنية المعتدلة والقدرة على التصرف في الضغوط ومتعة ممارسة ما نفعله والعلاقة مع المحيط الاجتماعي والعائلي والمهني المتناغم مع هذه العناصر كلها… وعلى هذا النحو نحن نقوم يوميا بحقن جُزيئات تفتح الأدراج المغلقة وتُنشّطها (أو تثبّطها وتتركها في سُباتها في حالات الضغط العالي أو الخوف الماحق أو الظروف القصوى بصورة عامة).

ومن أجل تقريب الصورة إلى أذهان الناس، يعطي هذا الباحث مثال السمارتفون الذي نقتنيه بنظام استغلال OS مُدرج فيه عند الصّنع (وهو بمثابة الــ ADN) ولكن بعد شرائه نجد أنفسنا مطالبين ــ كل حسب حاجياته وميولاته وانتظاراته من السمارتفون-  بتنزيل تطبيقات رديفة تحوم في فلك نظام الاستغلال الأصلي وتطوّعه لنظام اشتغالها الخاص… هكذا تتعامل الجينات مع الـــ ADN).

يقول طبيب الأعصاب ليونيل نقّاش في هذا السياق تحديدا “ما هو طريف حقا هو أن علم الوراثة كنا نتخيّله إكراها حتميّا لا نقدر على شيء تجاهه، ولكن مع نتائج العلوم الحديثة اكتشفنا أن الجينيتيك  هي نفسها تحت رقابة إكراه موضوعي آخر وهو الايبيجينيتيك، إذن نحن أمام وصفات جديدة للحرية (اكراهان يتصارعان يعطيان بالضرورة هامشا من الحرية للبشر وشيئا إيجابيا مَا كما في الرياضيات سالب مع سالب يعطيان موجب)”.  

أما في ما يخصّ المدرسة وتعليم الأطفال، فهناك في علاقة بكل هذا فكرة خاطئة تماما تَعتبر أن القدرة أو الاستطاعة البشرية الكامنة هي عبارة عن قوّة تتحدّد طبيعتها ودرجتها جينيّا بشكل مسبق منذ الولادة أو قبلها : أي أن هنالك أطفال يولدون بمقدّرات عالية وآخرون بمقدّرات أقل أو دون مقدّرات أصلا. 

علم ما فوق الجينات يُفنّد هذه الفكرة أو يُنسّبها على الأقل ويؤكّد ـ في غير تطاول وقح على ما يحدّده رأس المال الوراثي في جزء كبير من شخصية البشر ومزاجه وذكائه الخ- أنه باستطاعتنا نحت حياتنا كما نريد إذا أردنا، وأننا مثلما “تقدر الشعوب إذا أرادت الحياة أن تجعل القدر يستجيب لإرادتها”، فإنه بإمكاننا تحييد العراقيل والتغلب على ما كنّا موعودون به لو تركنا البرنامج المركزي للــ ADN مُستبدّا بنا ومُحتكرا لسلطة التحكم في تصرّفاتنا وصيغ إقامتنا في المجتمع وفي المحيط.

يقول الباحثون في هذا المجال إنه “يكفي أن تتجه السياسات العمومية نحو خلق مناخات مؤمّنة للتعلّم تُتيح بدورها علاقات مبنيّة على الثقة والدعم المتبادل بين التلاميذ والمربين… حتى نُرفّع من منسوب الأوسيتوسين. ومن زاوية بيولوجية عصبية صرفة، فإن هذا المُعطى لوحده باستطاعته التصدي للأضرار التي يتسبب بها الكورتيزول عندما يرتفع مستواه تحت ضغط الواجبات المدرسية الخانقة على سبيل المثال أو تدنّي الأعداد المتحصّل عليها .. وبالتالي احداث تغيير إيجابي في كيمياء الدماغ لدى التلاميذ وتُتاح أمامهم الفرصة للنمو دراسيا ومشاعريا وعلائقيا. إذ لا يكفي أن نكون طيبين مع الأطفال، لا بد من بناء علاقات معهم تكون ذات دلالة في محيط تعليمي أو تربوي مستقرّ وآمن ومتخفّف من كل أصناف الضغط “. 

فما هي الاستنتاجات الكبيرة والحاسمة ؟

في مجال التّوريث : اتضح أخيرا وبشكل علمي باتّ أن الإنسان لا يُورّث جيناته فقط بل يُورّث كذلك ما هو مُكتسب لديه سلبا وإيجابا (أي الإدمان على سبيل المثال وتعاطي الرياضة ومعاقرة الفنون والثقافة والطموح الدائم نحو الارتقاء والتطور).

في مجال المدرسة : أعتقد أننا على مشارف انتهاء خرافة الذكاء الموروث (الذي لا يؤثر إلا بنسبة ضئيلة جدا كما أسلفنا على القدرات الدراسية للتلاميذ) وحلول منطق التعويل شبه الكلّي على دور التلاميذ أنفسهم والكهول والمربّين والمدرسة عموما.

في مجال الطب : يبدو أن الإيبيجينيتيك ستؤثر بشكل دالّ في مستقبل البيولوجيا والوقاية الطبية والتأثير في عمل الجينات داخل الجسم بصورة عامة، لأن خاصية هذا العلم الجديد هو كونه “يدرُسُ ما يجهله الجينيتيك إلى حدّ الآن”.   

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار