تابعنا على

جور نار

البارحة زارني البوعزيزي باكيا…

نشرت

في

تونسي يضرم النار في نفسه | أخبار عربي | الجزيرة نت

شعرت البارحة بقلق شديد جعلني أكره كل ما هو حولي…خرجت لأتجول في الأنهج المجاورة، ثم خيّرتُ العودة بعد بضع مئات من الأمتار…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

وكالعادة قبل أن أصل المنزل اعترضني أحد أصدقاء الحيّ محتضنا عمود الكهرباء متمتما أغنية للهادي الجويني تقول “اللي تعدّى وفات زعمة يرجع…والاَّ نعيش بعلّتي نتوجعْ”…ارتمى صديقي أمامي قائلا “يا عشيري…خذ نفسا أو أكثر” أجبته “لا لا أدخّن” غضب…وتحرّك يمنة ويسرة وكأنه يعدّ لعدوان ثلاثي على شخصي…وصاح “خذ نفسا…وأدخل الجنة…وسترى ما تتمنى”…قلت في خاطري…أخذته قبل أيام، فدخلت جهنّم، لنجرّبْ فقد يتغيّر وضع البلاد ونخرج مما نحن فيه من سقوط هذه المرّة…”هات نفسا “…

ولثمت السيجارة التي انتحلت في تلك اللحظة، صفة شفاه امرأة فاقت عتبة الأربعين فالتصقت بفمي ودحرجتني معها إلى عالم رائع لا أعرف نهايته…لم أشعر بشيء ولم أر شيئا لكني سمعت طرقا على الباب فأسرعت…رأيت …ويا هول ما رأيت…لم أصدّق ما رأيت أغلقت الباب وعدت من حيث أتيت…عاد صوت الطرق على الباب بأكثر شدّة…رجعت بسرعة وأنا أتمتم…أظنّ أنني صعدت إلى الفردوس الأعلى…فتحت الباب وقررت أن أرحّب بالطارق حتى وإن كان والدي الذي توفي منذ قرابة العقدين…

ضحك الطارق ونظر إلي محدّقا … ألم تعرفني؟ أنا محمد البوعزيزي…أنا الذي أحرق نفسه ألا تذكر؟ أجبته…مرتعشا وأحسست في ذات الوقت بتدفّق وتسرّب مائي ينزل من بين فخذي ليملأ حذائي…أعرف… ومن أين أتيت؟ ألم تمُت؟ ألم يحترق جسدك؟ ولماذا جئت إلي منزلي؟ اخترتك أنت…قالها وهو ينظر إلى حذائي الذي تسربت منه مياه تصريفي ووصل سيلانها إلى أصابعَ قدمه اليمنى…فقد كان منتعلا “شلاكة”…

تمتمت في خاطري “حتى في الجنة هناك “الشلايك بلاستيك” يا دين الزكش”، أدخلت الشهيد إلى قاعة الجلوس وأثار “بَوْلي” تتابع خطواته فقد “ترنّخت” أصابع قدميه بمياه تصريفي التي ملأت حذائي وتسربت لتصل بين أصابعه…استأذنت منه أن أنظّف المكان وأعود إليه…صاح في وجهي “لا يهمّك” أجلس أريدك في أمر هام…جلست محدّقا في وجه الشهيد، بعد أن بدأت ألملم بعض شجاعة ورثتها عن والدي وأنا أتمتم “دبرتها يا هذا واسطة للجنّة…جوّ…انسى روحك ..” وقلت له هذا شرف أن يزورني شهيد البلاد والثورة…

ضحك ساخطا…أنا اليوم هنا لأعتذر لك وللشعب كافة عما سببته لكم من مصائب ونكبة…فلو سكتّ ولم أحرق جسدي لما جاءت معارضة بن علي رحمه الله لتحكمكم، ولما جاء هؤلاء الجهلة يخربون البلاد ويجوعون العباد…ولما جاء هؤلاء الذين لا يفقهون شيئا من مفهوم الدولة والحكم والتسيير ليغرقوكم في الهمّ والغمّ…هؤلاء هم سبب كل اللعنات التي أصابتني وأنا في القبر…

استغربت قوله…وسألته كيف ذلك يا شهيد هل ضربوك في القبر أم شيطنوك أم ماذا هل تعرّضت للهرسلة هناك ممن وكيف أيعقل ذلك يا شهيد هل منعوك من السفر هناك أم وضعوك في الإقامة الجبرية أم صادروا عربتك كما فعلوا هنا؟…لا، ليس كما تتصور وكما ذكرت لكن وأنا هناك سمعت لعناتكم جميعا ومع كل لعنة …أُحرَقُ من جديد…لذلك أزورك اليوم لتُبلغ اعتذاراتي لأهلي بسيدي بوزيد وكل البلاد ليسامحوني عمّا اقترفته من خطأ تسبّب في دخول التتار والوندال وجنكيز خان إلى تونس…

سألته مستغربا “ولماذا اخترتني أنا بالذات؟” ضحك وقال: أقرأ كل ما تكتبه في “جلنار” وعلى حسابك بالفايسبوك وأعترف أنك عقلاني ومنطقي، فجئت لأعتذر من خلالك لأنك تعرف كيف تنشر اعتذاري بالطريقة التي تريد…وقفت مرتعشا وأنا أقول: وهل لكم فايسبوك هناك وهل سرعة التدفق رديئة كما التي نعانيها أم أنتم في حال أفضل؟ هدّأ من روعي وأضاف قائلا “نعم لنا فايسبوك وتويتر ونتخاطب مع سكان الضفتين جهنم والجنة وما بينهما، وقد قرأت كل ما تكتبه وكل ما يكتب عنّي…على فكرة “يا عشيري” (عشيري من اين جاء بهذه الكلمة وانا لم ألتقه يوما في حياتي ما هذا…؟؟؟) الجميع يقرأ لك هناك وهم مغرمون بأسلوبك…

شعرت ببعض العرق في بعض مناطق الظلّ في جسدي وتمتمت…”تهردت” الجماعة عاجبهم اسلوبي…ترصيليش نخدم كرونيكار في “جهنم نيوز” أو في “رنديفو في الجنة” أو حتى ناطق رسمي لإحدى وزارات جهنم العليا أو الديمقراطية…” حرّكت جسدي يمينا ثم شمالا عساني أترك منفذا للعرق الذي تكاثر في مناطق ظلّي المهمّشة من الرعب الذي اعانيه وأنا أتحدث مع عائد من تحت الارض…تفطّن البوعزيزي لقلقي ورعبي من وجوده فأضاف: لا يهمّك سأخرج فقط أردت أن يعرف الجميع أننا هناك نشعر بالندم عمّا أتيناه وما تسبّبنا فيه للبلاد …كما عرفنا من أحد معارضي بن علي ممن التحقوا بنا في حي التضامن “الجهنمي” أن أوضاع البلاد ساءت كثيرا وأنها تسوء يوميا وقد تعاني البلاد المجاعة في قادم الاشهر…

سألته : وما الذي أتى بمعارض بن علي إلى حيّكم ألا تعيشون في الجنة أنتم؟…ضحك وحرّك قدمه اليمنى حتى اعتصر البول الذي تسرّب إليها من حذائي محدثا صوتا “إباحيا” مريبا كذلك الذي يحدث اثناء الجماع …لا يا “عشيري” نحن في جهنّم…تألمت وأنا أقول في خاطري…”رمز ثورتنا في جهنّم… ثورة الكازي هذه”…ثم أضاف لا تقلقوا فهذه الأيام كثر عدد الوافدين علينا ممن حكموا بعد بن علي رحمه الله وحتى من جماعة بن علي الذين غدروا به و”غلطوه”…وهذا يؤكد أنهم ليسوا على حقّ…لا تقلقوا …قالها باكيا…متمتما “اش لزني نجبدلها في “ضرعها” على لساني” …معتذرا عمّا فعله مع فادية عون التراتيب !

ووقف متثاقلا يريد توديعي…لمحت دمعة نزلت تتدحرج على خده الأيسر…وقلت له هل تريد شيئا هل أنت جائع هل تشرب عصيرا؟…انتظر لأملأ لك قفّة من الغلال تأخذها معك…أتريد “ستيكة دخان لوريس متاع دزاير”؟ نظر إلي ضاحكا…” لا يا “عشيري”…ظاهرة التهريب مستفحلة هناك وكل أصدقائي لا يبخلون علي بغلال الجنّة… أخيرا وصلتني قارورة ويسكي من صديق شهيد عراقي وجدها في أدباش قتيل من المارينز”…ضحكت وقلت دون أن يسمعني البوعزيزي…”ملّا عيّاق حتى في جهنّم يهرّبوا في السلع والدخان وربما حتى الزطلة”…شهداء…شهداء “الكازي”…

خرجت مودّعا الشهيد سابقا، قائلا له ” وأين أنت ذاهب الآن؟” أجابني ضاحكا “سأذهب لأزور بن علي رحمه الله في الجنة إن نجحت في الحصول على ترخيص من اللجنة العليا للزيارات بين الأموات التي يرأسها سي الباجي “الله يرحمو” فقد علمت أنه زارني وأنا في المستشفى قبل أن أرحل إلى حيث أنا الآن”…استغربت قوله وسألته “ولماذا تزوره؟”…أجاب ضاحكا” لأقول له “غلطـــــوني”…وأقبّل ليلى فهي تعجبني فنحن هناك يمنع علينا مخالطة النساء”…قلت في خاطري “ملاّ عايق لتوه ما تابش…”

فجأة شعرت بصفعة قويّة نزلت على خدّي الأيسر…وسمعت صديقي الذي ارغمني على اخذ نفس من سيجارته المحشوة “زطلة” يصرخ…”فيق يا سخطة… فيق سي السما…شبيك راقد البرّة”…نظرت من حولي فلعنت “الزطلة “ومن أدخلها البلاد…وتأكدت أن “الزطلة” هي وسيلة النقل الأسرع التي توصلك جهنّم والجنّة في لحظات…ودخلت منزلي مستغفرا الله عن الذنوب التي ارتكبتها وأنا في جهنّم…ومتسائلا ..”هل من “زطلة” تدخلني الجنة…لأبقى هناك؟”

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار