بعد ستين سنة من مقتل السفاح “محمود أمين سليمان” مطلع ستينات القرن الماضى، التى استلهمها نجيب محفوظ فى بناء شخصية “سعيد مهران” بطل روايته “اللص والكلاب”،
عبد الله السنّاوى
نسبت الصفة نفسها إلى رجل آخر “عبدالرحمن دبور”، الذى هزت جريمته الرأى العام ببشاعة مشاهدها المصورة، كما لم يحدث من قبل.
جرى كل شىء ــ هذه المرة ــ فى عرض الطريق العام بمدينة الإسماعيلية، أمام المارة وتحت رقابة الكاميرات، ذبح مواطناً بساطور وتجول برأسه فى المكان حتى تمكن منه المارة.
انتشرت المقاطع المصورة على شبكة التواصل الاجتماعى، خضعت الحادثة لتغطيات موسعة غير معتادة وسجلت شهادات من موقع الحادث، اختلطت المعلومات بالشائعات، وبدا المشهد كله أقرب إلى محاكمة مبتسرة أمام الرأى العام،
بعض الكلام ثابت عن تعاطيه مواد مخدرة يوم الواقعة، وبعضه الآخر غير مدقق إذا ما كانت “جريمة شرف” أم لا ؟!
بأية إطلالة عابرة على صفحات الحوادث فإننا أمام مجتمع يتحول ويتفاعل وتنشأ داخله ظواهر مستجدة فى الجريمة دون أن تخضع لدراسة حقيقية.
حادثة الإسماعيلية إشارة خطر تستدعى محاكمة المجتمع، قبل “دبور”، لندرك مواطن الخلل فى بنيته وما قد تئول إليه مستقبلا.
فى “اللص والكلاب” حاكم نجيب محفوظ المجتمع، قبل السفاح.
بأية محاكمة عادلة مصير “دبور” معروف سلفاً، فالجريمة البشعة علنية ومصورة، وهو معترف أمام النيابة بارتكابها، ولا يوجد من هو مستعد أن يبدى أدنى تعاطف معه حتى داخل أسرته نفسها.
بمضى الوقت سوف يتراجع حجم التغطيات الإعلامية للحادث المروع، غير أن مغزاه الاجتماعى سوف يبقى فى مسرح الجريمة: لماذا توحش العنف إلى هذه الدرجة المروعة ؟
وما العمل لتخفيض الكلفة الاجتماعية وحصار أسبابها وآثارها السلبية؟
فى “اللص والكلاب” أجرى نجيب محفوظ على لسان “سعيد مهران” محاكمة تخيلية دافع فيها عن نفسه قبل مقتله بوابل من رصاص الشرطة استسلم له بلا مبالاة :
ــ “إن من يقتلنى إنما يقتل الملايين، أنا الحلم والأمل وفدية الجبناء، وأنا المثل والعزاء والدمع الذى يفضح صاحبه، والقول بأننى مجنون ينبغى أن يشمل جميع العاطفين فادرسوا أسباب هذه الظاهرة الجنونية واحكموا بما شتئم”.
كانت تلك عبارة كاشفة لفلسفة العمل الروائى كله، مأساة السفاح ومأساة المجتمع نفسه.
انتابت “سعيد مهران”، وهو فى حالة دوار يكاد لا يستبين ما حوله، حالة جنون عظمة، متأثراً بحجم التغطيات الصحفية للجرائم التى ارتكبها والرصاصات الطائشة التى أطلقها ونالت من أبرياء دون أن يصل إلى الذين خانوه.. والكلاب التى تطارده.
استلفت نظر نجيب محفوظ فى قصة السفاح “محمود أمين سليمان” أن قطاعا من المواطنين تعلقوا به ونظروا إليه كما لو كان بطلاً، استلهم القصة الواقعية، وبنى عالماً مختلفاً حاول فيه بحس الروائى العظيم أن يقترب من حقائق مجتمعه وأزماته المسكوت عنها دون أن يقع فى مطبات المباشرة والوعظ والإرشاد.
حاول أن يجيب بقوة الدراما على سؤال: لماذا تعاطفت قطاعات فى الرأى العام مع السفاح “محمود أمين سليمان”؟
كانت رواية “اللص والكلاب”، التى نشرت عام (1961) بتوقيت مقارب لمقتل السفاح، وتحولت إلى شريط سينمائى بالعام التالى، نقطة تحول فى عالمه الروائى أكثر عمقاً فى النظر إلى معنى الوجود الإنسانى وفلسفة الحياة والبحث المضنى عن العدل،
مال إلى النقد السياسى والاجتماعى محذراً مما قد يحدث فى المستقبل القريب.
هكذا توالت وقفاته النقدية بلغة الأدب وقوة الدراما لما قبل هزيمة يونيو: “السمان والخريف” (1962)، “الطريق” (1964)، “الشحاذ” (1965)، “ثرثرة فوق النيل” (1966)، “ميرامار” (1967).
فى المحاكمة المتخيلة، التى أجراها “سعيد مهران” لنفسه، دعا إلى دراسة ما أسماه “الظاهرة المجنونة”، أن يُعجب قطاع واسع من الرأى العام برجل ينتهك القانون وتنال رصاصاته الطائشة من أبرياء.
قبل ستة أعوام أنشئ فى مصر عام (1955) “المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية”، الذى خفت صوته وتأثيره إلى حد افتقاده بالكامل فى جريمة الإسماعيلية المروعة، أو عندما تداهم المجتمع الجرائم المستجدة عليه، أو التى نعتقد أنها مستجدة لغياب البحث والتقصى والمعلومات الأساسية، التى كنا نطل عليها فى أوقات سابقة بدراسات وأبحاث ذلك المركز الرائد، كما تقارير الأمن العام.
فى كل العصور تحظى تقليدياً أخبار الجريمة بنسبة قراءة مرتفعة.
لم تكن المدارس الصحفية المحافظة كـ”الأهرام” تعتنى كثيراً بأخبار الجريمة، لا تنشر فى الصفحات الأولى، ولا تفرد لها أبواباً موسعة.
كادت المدارس الصحفية الشعبية كـ”أخبار اليوم” تحتكر هذا النوع من التغطيات الصحفية، غير أن انتشار الجريمة العنيفة فى تسعينات القرن الماضى، كظاهرة قتل الأزواج بـ”السواطير”، دعا “الأهرام” إلى التوسع فى التغطية وإنشاء باب خاص لمتابعة الحوادث.
هكذا فرضت ظواهر المجتمع نفسها على العمل الصحفى باختلاف مدارسه.
الجديد – هذه المرة ــ أن وسائل التواصل الاجتماعى هيمنت على التغطية بشهادات ومقاطع مصورة تلاحق التطورات دون تدقيق اعتادته الصحافة الورقية والتلفزيونية.
بدورها حاولت السينما أن تلاحق ظواهر العنف فى المجتمع، والجرائم المستجدة بدرجات مختلفة من الجودة الفنية.
كان فيلم “إحنا التلامذة” عملا رائداً أقرب إلى جرس إنذار للأسرة المصرية عند عام (1959)، استوحى مادته الدرامية من تورط أربعة شبان فى قتل صاحب بار، كيف ضاع مستقبلهم؟.. ومن يتحمل المسؤولية؟
كانت تلك وثيقة إدانة سينمائية للمجتمع.
جرت محاولات أخرى مثل “المرأة والساطور” عام (1997) لكنها بدت استثماراً تجارياً فى الظاهرة أكثر من أن تكون رؤية تدخل فى عمق المجتمع ونظرته لأزماته.
فى كل تلك التجارب الأدبية والفنية يظل “اللص والكلاب” عملا فريداً يتحدى الزمن باتساع نظرته وثراء شخصياته.
“لتكن ضربتك القوية كصبرك الطويل وراء الجدران”.
هكذا حادث “سعيد مهران” نفسه، وهو يتأهب للانتقام من زوجته “نبوية”» وصبيه “عليش” الخائنين، قبل أن يضيف إليهما الصحفى “رؤوف علوان” مثله الأعلى الذى تنكر لمبادئه وأفكاره التى لقنها له.
ــ “يسعدنى أن أعمل صحفيا فى جريدتك!.. أنا مثقف وتلميذ قديم لك، قرأت تلالا من الكتب بإرشاداتك”.
كانت تلك محاكمة ساخرة من لص أفرج عنه للتو لـ”للمثقف الخائن”، أو الصحفى الانتهازى، ولمهنة الصحافة عندما تتنكر لقيمها الأخلاقية.
مهما اختلفت العصور ودرجة بشاعة الجرائم تظل رواية “اللص والكلاب” ملهمة لجدوى البحث عن “سعيد مهران”»، أو أن نعرف بالضبط فى أى مجتمع نعيش.
وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست
يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.
صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟
تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف
…….
سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!
إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.
صاحت عندها مزهوة:
انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض
…….
للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:
– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:
اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”
لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،
ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!
…….
تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،
لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،
باستثناء قول أفريقي مأثور:
أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات
…….
اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة
عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،
فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!
وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،
لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،
وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.
…….
ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!
لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…
لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:
ستكونين يا عين ستك… ستكونين…
ستكونين… الله أعلم!
وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل
ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!
…….
كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته
قالت له أمه:
إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…
وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….
وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…
يتابع بيكاسو:
ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!
كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،
وكانت جدتي تعرف من سأكون…
كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي
…….
يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،
والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،
ويعوّضن عن تواجده!
…….
لكن الحقيقة الموجعة:
ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،
تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.
لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..
كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..
لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..
معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..
ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “
يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..
الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟
في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .
شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..
أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..
في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:
ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”
هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..
مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|
قال لي صاحبي متوسلا:
ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “
رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.
عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:
“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “
قلت له:
.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”
على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..
هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..