“الكآبة أو الشّجن هما أن تجد نوعا من السّعادة في أن تكون حزينا. ” فيكتور هوغو
<strong>منصف الخميري<strong>
أَجرت جامعة ميشيغان الأمريكية دراسة علمية ميدانية على نطاق عالمي بقيادة الجامعي باتريك فورنييه شارك فيها حوالي 1150 شخصا يمثلون القارات الخمس، كان موضوعها “حاجز السلبيّة المُتأصّل في سلوك الناس” أي محاولة الإجابة عن السؤال المُحيّر : هل صحيح أن الانسان أينما وُجد هو ميّال فطريّا إلى التفاعل بأكثر إيجابية مع الأنباء السلبيّة ولماذا لا يحصل العكس إلا نادرا ؟ ونُشرت نتائج هذه الدراسة في سبتمبر 2019.
تمثلت التجربة في أنه كان يُعرض على المشاركين صنفان من التحقيقات الصحفية القصيرة : صنف سلبي وصنف إيجابي وذلك على النحو التالي :
تحقيقات سلبية :
___ البيرو : المدينة البيروفية الصغيرة شمبوت تلتهمها نيران الحرائق
___ غرّة ماي : مظاهرات واسعة في ظل الانكماش الاقتصادي بأوروبا
___ النيجر : النّقص الشّامل في المواد الغذائية يُشعل فتيل الاحتجاجات الشعبية
___ سري لانكا : الأمم المتحدة تحقق في جرائم حرب
تحقيقات إيجابية :
___ قطيع من الغوريلا يقع إطلاقه في الطبيعة
___ سيارة كهربائية جديدة بحجم مرن قابل للتقليص في زحام الطرقات يتمّ تصنيعها في بولونيا
___ طفل لم يتجاوز 11 سنة يتوصّل إلى إخراج أفلام متحركة
___ طفل صغير يشفى تماما من مرض نادر أصابه في كبده.
وخلال مشاهدة التحقيقات الصحفيّة، كان المشاركون مَوْصولين بتجهيزات متطورة تسمح برصد ردود الفعل التفاعلية المزدوجة بين حساسية التوصيل عبر الغشاء الجلدي للمشارك والتغيرات المسجلة في نسق دقات القلب.
كان من النتائج الجزئية لهذه الدراسة (انطلاقا من الملاحظات المسجّلة خلال التجربة) أن الناس بصورة عامة يحتفظون بــــ :
الأنباء السلبية أكثر من الايجابية
الفشل أكثر من النجاح
الهِنات في سلوك الآخر أكثر من خِصاله
الانتقادات أكثر من الامتداح والثّناء
الكوارث أكثر من مُنجزات البشرية…
ما يُفسِّر إلى حدّ كبير كثافة الأخبار السلبية في مختلف وسائل الإعلام التي تنشُدُ الانتشار لأن هنالك لهفة كبيرة يُبديها المتلقّي إزاء الأنباء الكارثية. لكن عادة ما تكون لحاجز السلبية هذا انعكاسات على أفكار الناس في شكل أفكار مسبقة وأحكام جاهزة ومواقف تمييزيّة في حق الآخر المختلف أو في شكل مواقف يحدوها التطيّر والتوجّس.
من التفسيرات التي قدّمها فريق الباحثين بجامعة ميشيغان أن “نظرية الميْل إلى كل ما هو سلبي” مرتبطة بنظرية النشوء والتطور لأن الانسان البدائي ما كان ليستمر وجوده لولا ذلك “الحاجز البدائي” الذي يجعله يفرّ هاربا تلقائيا لمجرّد سماع أبسط صوت أو حركة مجاورة لغدير مّا كان يشرب منه، دون التساؤل إن كان مردّ تلك الأصوات حيوانات مفترسة أم كائنات أليفة”.
أمّا في سياقنا التونسي،
فيبدو أننا لا نُشكّل استثناءً لهذه القاعدة التي تأكّدت كونيّتها، بل لديّ انطباع أننا “لا نكتفي بمعرفة العلم وإنما نُضيف إليه ونُغْنيه” كما في كل شيء، فنحن لا نكتفي بالميل الطبيعي إلى تحبيذ ما هو سلبي والتلذّذ برفقته بل تأسّست لدينا ردّة الفعل السلبية كمنوال أساسي ثابت في التعامل بين الناس والتعاطي مع الأخبار الواردة من هنا وهناك. (حتى أن صانع مقهى أعرفه أضحى قِبلة العديدين من أهل الحي يأتونه خصّيصا للتزوّد الدّوري بما تيسّر من أخبار موغلة في الطعن والقتل وقطع الطرقات والسِّفاح واشراف الدولة على الإفلاس…).
وهذه بعض الأمثلة الحيّة التي تُجسّد حسب نظري هذا الاتجاه العام في سلوك التونسيين :
___ الخبر على صفحة رئيسة بلدية سيدي مرشد بسليانة الجنوبية : انطلاق التسجيل في برنامج تعليم الكبار والتعلّم مدى الحياة بكافة معتمديات ولاية سليانة… (تعليق أحد المٌتابعين : خرّف يالّي تخرّف، ولايات تجيب في المشاريع وسليانة باش اتقرّي واتعلّم الكبار، مقروش الصغار حتى باش يقرو الكبار…)
___ الخبر على صفحة إحدى الإذاعات : شاب تونسي قادم من بعيد يُعيد الأمل في صنع أمجاد الفريق الوطني لكرة القدم، إسمه حنبعل المجبري. (أحد المعلّقين : انتصارات كرة القدم لم تعد تستهوي الا السُذّج والمغفّلين من الناس، نحن بحاجة للانتصار على الفقر والتخلف والجهل…)
___ الخبر : الانطلاق في مساءلة الضّالعين في حملات تسفير آلاف الشباب التونسيين إلى بؤر الإرهاب. (أغلب المعلّقين : هذه مسرحية جديدة سيّئة الإخراج أو هذا حمّام أخضر لتبييض الحَمام الأزرق أو كذلك “في الحلقة الأخيرة سيكتشفون أن الشعب هو الذي قام بالتسفير إلى سوريا” …)
___ الخبر : بطلة التنس أنس جابر في نهائي دورة أمريكا المفتوحة. (بعض التعليقات : هنيئا للبرجوازيين ببطلتهم في رياضتهم المفضّلة أو مبروك عليها المليارات !)
___ الخبر : حصول تونس سنة 2008 على جائزة الأمم المتحدة لجودة الخدمات الإدارية (نجاح تجربة وضع كل خدمات التوجيه الجامعي في تونس على الخط آنذاك) وقد أسندت اللجان الأممية قرارها في ديسمبر 2007 بناءً على ملف مفصّل من مئات الصفحات سهرتُ شخصيا من أجله الليالي حتى أقدّم أفضل صورة حول مكسب حقيقي تحقّق بكفاءات تونسية خالصة، دون أدنى إشارة إلى السلطة السياسية ولو في جملة واحدة. (كثير من المعلقين وخاصة من الحقوقيين الثوريين : “هذه جائزة لا معنى لها، ومن المؤكّد أن بن علي صرف على نيْلها المليارات من أموال الشعب لتلميع صورته والتطبيل للتطور الزائف الحاصل في البلد.” )
___ الخبر : تنظم الجامعات خلال شهر مارس من كل سنة مناظرات بالاختبارات الكتابية لتعديل المسار الدراسي، ويُقبَل بصفة آلية في هذه المناظرات جميع المترشحين إذا كان عددهم لا يفوق عدد البقاع المفتوحة. (تعليق أغلب الكسالى و”الطايحين قبل الضّربة” : لا فائدة من المشاركة لأن نتائج المناظرات معروفة مسبّقا وقائمات الناجحين تكون جاهزة قبل اجتياز المناظرة أصلا ! )
___ الخبر : طالب بإحدى مؤسسات الجامعة التونسية (INSAT) يُدعى كريم الغرياني، 19 سنة توصّل الى ابتداع أداة جديدة في مجال البرهنة الرياضية وتمّ اعتمادها من لدن المنظمة العالمية LANL في جامعة كاليفورنيا وأطلق عليها إسم كاريماسيون Karimation (كان ذلك سنة 2009) متوصّلا إلى نفس النتيجة التي تم بلوغها سنة 1866، الشيء الذي يُعتبر علامة نبوغ كبير في حدّ ذاته. (أتذكّر جيدا أن تعليقات العديد من الجامعيين الرياضيين والفيزيائيين الذين أعرفهمآنذاككانت من قبيل : “برافو عليه كريم آما راهو ما جابش فريمون حاجة جديدة خاطر ماناش قُدّام نتائج جديدة وإنما فقط طريقة جديدة تتميز بالبساطة وعدم التعقيد “).
أقول في النهاية بأن لحظة التحوّل في صباحات تونس (وربما في صباحات كامل المنطقة العربية)، اللحظة التي تخلّى فيها التونسي (مدفوعا إلى ذلك قسرا) عن تلك المُراوحة المتوازنة والمُمتعة صباحا بين بعض المدائح والأذكار البرّاقة بأصوات تونسية شجيّة ثم جُرعة من الفرح العارم والبهجة الساطعة بصوت فيروز الحريري”التي تجعل الصحراء أصغر وتجعل القمر أكبر” كما قال عنها درويش… كانت لحظة مُنبئة بحلول مزاج جديد من أهم ركائزه تمجيد البكاء وازدراء الحياة والاحتفاء بالممات. (ولهم في هذه المعاني نصوص وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان).
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.