قامت الدنيا ولم تقعد وأعلن ساكن قرطاج الحرب على احتكار بضعة أطنان من السميد ومادة “الفرينة ” وبعض المواد الغذائية الأخرى…لكن لسائل ان يسأل لماذا الآن واليوم وهذه الأيام؟ فهل ما وقع حجزه كاف بأن نعلن الحرب من أجله على من أتاه … فالاحتكار الحقيقي هو ذلك الذي يمسّ من حياة واستقرار المواطن والوطن…
<strong>محمد الأطرش<strong>
أظنّ أننا انتقلنا من مرحلة دغدغة المواطن سياسيا بضرب الخصوم، إلى مرحلة دغدغة مشاعر المواطن اجتماعيا من خلال تحويل وجهته إلى خطر التجويع ونفاد بعض المواد الأساسية…فالاحتكار لا يمكن مقاومته بحملات لن نكسب من ورائها شيئا… الاحتكار يُقَاوَمُ سواء بإغراق السوق بالمواد الأساسية وحينها نضرب عصفورين بحجر واحد: المحافظة على استقرار الأسعار، وتوفير الكميات اللازمة في السوق، حينها سيضطر المحتكر الحقيقي لإخراج كل ما يحتكره من مواد أساسية خوفا من أن تفسد ويكون الخاسر الأكبر مما أتاه…
وكل ذلك لن يكون بالأمر الهيّن في وضعنا الاقتصادي الأعرج لذلك وجب رفع شعار “العودة إلى الإنتاج” قبل أي إعلان لحرب خاسرة … فالإنتاج ومنذ 14 جانفي مصاب بالشلل ولا أحد فكّر يوما في معالجة أسبابه… والانتاج أهمّ بكثير من إعلان الحرب … فالمعضلة الحقيقية التي وجب الاعتراف بها اليوم هي أننا دولة ستفتقد في قادم الايام والاشهر إلى أغلب المواد الحياتية الأساسية والذنب ليس ذنب المواطن، ولا التاجر، بسبب ترهّل سياساتنا الإنتاجية وعجز وزارة الفلاحة والقائمين على شؤونها على تطوير سياساتنا الإنتاجية الفلاحية أو العودة بها إلى ما كانت عليه منذ أربعين سنة مضت …
فالتاجر اليوم يريد الربح السهل، والمواطن يسعد بالعثور على ما يريده وما ينقصه ولو كان بضعف سعره الحقيقي… الخطأ ليس خطأ التاجر أو من يسمونه المحتكر بل خطأ من يحكم البلاد… والغريب في أن ما يجري في تونس اليوم هو استغلال فوضوي لأوجاع الشعب … فالدولة أو القائمين عليها يستغلون حاجة الناس لدغدغة مشاعرهم وتحويل وجهتهم عن أمر آخر لا يريدونه أن يكون حديث الناس والساعة… فالحرب على الاحتكار جاءت لتغطّي عن فشل و”مسخرة” الاستشارة الوطنية وما قد يفعلونها بها لدرء الاسوأ…كما جاءت لتغطي فشلا أكبر في توفير الطمأنينة للمواطن، فلأول مرّة منذ استقلال البلاد لا يشعر المواطن التونسي بالأمن والاطمئنان على مستقبله ومستقبل أبنائه… كما جاءت هذه الحرب للتغطية عن النبش في رفع الإقامة الجبرية عن البحيري والبلدي، والخفايا الحقيقية وراء وضعهما رهن الإقامة الجبرية …
وجاءت أيضا لتكون جزءا من صناعة مبررات رفع الدعم والانصياع لشروط صندوق النقد الدولي… فساكن قرطاج لن يجلس مع قيادات الاتحاد دون أن يوفّر مبررات ما ستقدم عليه حكومته لإرضاء صندوق النقد الدولي حتى يضعها على طاولة الحوار و”يقمع” به قيادات الاتحاد …عفوا يقنع به الاتحاد وقياداته…ساكن قرطاج أبدع منذ استحواذه على جميع مفاصل الحكم والسلطة عبر الفصل 80 من المغفور له دستور 2014 … أقول أبدع ساكن قرطاج في تحويل وجهة هذا الشعب والرأي العام السياسي إلى أكثر من وجهة مجهولة الهوية… وأغلب ما أتاه من عمليات تحويل الوجهة كان لإيجاد مبررات مراسيمه… فكل مراسيم قرطاج لم تأت هكذا دون أن يصنع لها ساكن قرطاج مبررات يقنع بها الشعب والرافضين لما أتاه…ويضعها على طاولة المعارضين لسياساته…
فماذا يمكن أن نسمي ما أتاه ساكن قرطاج منذ 25 جولية ألا يمكن تسميته احتكارا للمشهد والفعل السياسي … ألا يمكن أن يكون الاحتكار السياسي بما يعنيه من تضييقات على بقية القوى السياسية والمدنية والذي تعيشه البلاد منذ ذكرى إعلان الجمهورية سببا ومدخلا لاضطراب الاوضاع الاقتصادية المتردية …وإلى مزيد من التردي والخراب الاقتصادي… ألا يمكن أيضا أن يفتح الباب أمام قوى خارجية للتدخل في شؤوننا الداخلية وفرض خياراتها استغلالا لأوضاعنا السياسية والاقتصادية المهترئة وارتفاع حجم مديونيتنا…ثم ألا يمكن ان يتحوّل الاحتكار السياسي الذي تعيشه البلاد إلى موجة من القمع والتضييق على الحريات، وارتكاب الكثير من التجاوزات الماسة من حقوق الانسان…
بعض الذين بايعوا ساكن قرطاج يواصلون ترويجهم لمقولة “لا يزال الوقت مبكرا لتقييم فترة حكم ساكن قرطاج وتحديد الموقف تفاؤلا أو تشاؤما”، هؤلاء نسوا أن ساكن قرطاج كان على بينة من أوضاع البلاد يوم انقلب على شركائه، فهي التي جعل منها مبررا لما أتاه، كما كان يدرك أنه وضع على عاتقه مواجهة فردية لكل تحديات ما أتاه، فهو من اختار ساكن القصبة الأول لعهدته بعد ان أوقعته النهضة في ورطة الاختيار، وهو أيضا من كان وراء اختيار الساكن الثاني للقصبة الذي اختار الانقلاب عليه منذ ليلة مسكه بقائمة أعضاء الحكومة…فساكن قرطاج اختار أن يتحمّل لوحده تبعات كل تراكمات الفشل والفساد وسوء إدارة شؤون البلاد التي ميّزت منظومة ما بعد 14 جانفي… وتبعات جائحة كورونا وما آلت إليه الأوضاع بين روسيا وأوكرانيا، وما ترتب عنها من ارتفاع تاريخي وغير مسبوق لأسعار النفط وبعض المواد الأساسية التي تستوردها البلاد من روسيا وأوكرانيا…
نسي ساكن قرطاج أن الاحتكار السياسي الذي تعيشه البلاد أخطر عليها، وعلى هذا الشعب من الاحتكار الذي أعلن عليه الحرب لتحويل وجهة الرأي العام عن بعض الأحداث التي تكشف فشل منظومة قيس سعيد في إصلاح أوضاع البلاد…فالاحتكار السياسي لساكن قرطاج أضعف تنوّع المشاركة السياسية بالبلاد، وساهم في انتشار ظاهرة اللامبالاة مما يجري بالبلاد، وعزوف بعض القوى السياسية عن المشاركة في حمل همّ المواطن والوطن، كما سيكون الاحتكار السياسي سببا رئيسيا ومباشرا في الحد من فرص صناعة إطارات وبناء كفاءات سياسية جديدة، وخلق جيل سياسي جديد قادر مستقبلا على قيادة المشهد السياسي والبلاد باقتدار…
لقد مسّ الاحتكار السياسي لساكن قرطاج كل مفاصل الحكم المحلي والجهوي، من خلال التعويل على مجموعة من أهل القرب والثقة والانتماء الانتخابي، لإدارة الحكم المحلي والجهوي، والاستحواذ على شرايين مؤسسات الدولة والإدارة التونسية، وأغلب المناصب الهامة في الدولة…وقد يصبح غدا ومع أول موعد انتخابي أكثر خطرا من خلال ترشيح “الاقربون” لعضوية مجلس النواب والمجالس المحلية والجهوية ومساندتهم للوصول إلى أروقة السلطة والحكم… وهنا يتضاعف حجم الخطورة من خلال ضمان تمرير التشريعات والقوانين التي قد تكون في صالح من يعبثون بالاقتصاد التونسي من خلال الاحتكار الاقتصادي…فالاحتكار السياسي له ارتباط وثيق بالاحتكار الاقتصادي في أغلب البلاد العربية…وعادة ما نجد أن من يمارسون الاحتكار الاقتصادي والتجاري هم ذاتهم من يحتكرون العمل السياسي من خلال قربهم من سلطة القرار… فمن سيضمن غدا أن لا يتحوّل الاحتكار السياسي الذي تعيشه اليوم تونس إلى احتكار اقتصادي شامل يأتي على الأخضر واليابس…
يحاول ساكن قرطاج ايهامنا جميعا، وإيهام الرأي العام الداخلي والخارجي بأنه قادر على المحافظة على بعض بقايا “النهج الديمقراطي” الذي سلكت بعضه البلاد منذ سفر بن علي رحمه الله إلى الأماكن المقدّسة … لكنه نسي أن الديمقراطية لا تعيش جنبا إلى جنب مع نظام يمارس حكامه الاحتكار السياسي، فالاحتكار السياسي هو ممارسة فعلية لهيمنة فكرية رافضة للآخر وللشراكة مع الآخر، وهو مدخل مباشر لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي على حساب الحوار مع الآخر وحقوق الآخر، والاعتراف بالرأي المخالف وتلاقح الثقافات والأفكار، وبذلك تكون استحالة تعايش الاحتكار السياسي مع الديمقراطية فكرا وممارسة…
فالاحتكار السياسي في مفهومه الشامل والذي تعيشه البلاد اليوم هو الانفراد بالسلطة وبالقرار، وتغييب شبه كامل للقوى السياسية والاجتماعية الأخرى، وبالتالي ينقلب الاحتكار إلى إبادة ضمنية للتنوع الطبيعي للأفكار… واختلاف الرؤى وتعدّد الآراء… وهذا ما قد يصبح خطرا على البلاد، فالاحتكار السياسي هو مرحلة متقدّمة على طريق النظام الشمولي… وهنا وجب أن أقول لساكن قرطاج إن محاربة الاحتكار السياسي أهمّ اليوم لاستقرار البلاد من محاربة الاحتكار الاقتصادي في بلاد اقتصادها يترنح دون “فودكا” من خمارات موسكو… وبعيدا عن “كأس ويسكي” من بلاد العمّ سام…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.