تابعنا على

جلـ ... منار

السلبية والسلبيّون … احذروهم !

نشرت

في

سالي شابة في أول أربعيناتها…تطلقت من زوج ظالم، وخرجت من تلك العلاقة روحا معذبة ومضطربة.

وفاء سلطان

عندما ألتقي بها أركّز على طبيعة حديثها فلا أجد فيه كلمه واحدة تنعش الروح.ـ الطقس حار، وأنا أكره الطقس الحار…ـ

سيارتي تحتاج إلى عجلات جديدة، وليس عندي وقت لأغيرها!ـ

أختي في سوريا مريضة وحالتها ميئوس منهاـ

مدير العمل ابن كلب، يكرهني وأخاف منه

جارتي أمريكية حقيرة بتغار مني

هل سمعتِ اليوم، الحرائق التهمت شمال كالفورنيا؟

وقس على ذلك.

اتصلتْ بي مؤخرا:

ـ وفاء، تعرفت في العمل على شاب أمريكي،ودعاني اليوم إلى العشاء!

ـ رائع، اذهبي واستمتعي بوقتك…من يدري؟ قد يكون ابن حلال وينسيك الماضي…ـ ـ

مافي رجل ابن حلال، وكما تعرفين حظي زفت…

………………

تعود للاتصال بعد الغداء:

ـ انقلع…ناقصني شراشيح…ههههه…فيني اجي اشرب فنجان قهوة معك؟

ـ تعالي

تدخل بيتي وفي يدها هدية ملفوفة بأوراق جميلة وشريطة أجمل، وفي اليد الأخرى باقة ورد زاهية…ـ

واااااو، هل هذه هداياه؟

تقلب عيناها، وتكشّر: اي، رح نشوف شو ها الهدية؟

تفتح العلبة الصغيرة وتُخرج منها زجاجة عطر، تمد يدها باتجاهي لتريني نوعها، فتسقط الزجاجة على الأرض وتصبح أكبر قطعة فيها بحجم حبة العدس..

أول مرة في حياتي أرى زجاجة عطر تنكسر، فعادة تكون مصنوعة من زجاج سميك ومقاوم..لقد اسقطتُ من يدي زجاجات العطر مرات كثيرة، ولم تنكسر أية منها

تشهق سالي:

ألم أقل لك حظي زفت؟؟

بعد حوالي ساعة، خلتها دهرا، همّتْ بالخروج، فتأبطت باقة الوردوغادرت…لم يمضِ أكثر من نصف ساعة حتى عاودت الاتصال:

ـ وفاء، نسيت عندك باقة الورد!

ـ لا لقد أخذتِها معك..ـ

ـ ولكنني لم أعثر عليها في السيارة!

خرجتُ إلى الحديقة الأمامية ورحتُ أجول ببصري في أرجائها،وإذ بي أرى باقة الورد على إحدى الصخرات جنب المكان الذي كانت قد ركنت عنده السيارة.ـ

ـ سالي، الباقة هنا على إحدى الصخرات، ارجعي!

ـ لا….بالناقص منو ومن وردو، سأسوق ساعة اخرى من أجل الباقة؟؟

لمدة أكثر من اسبوع ورائحة العطر تملأ بيتي ومنظر باقة الورد يضفي على المكان رونقا آخر…ألم أقل لكم بأن الطاقة تشد مثيلتها وتنبذ مادون ذلك؟؟؟

………………

لم اشعر يوما بالارتياح للحديث مع سالي، وأشعر دائما أنها تتأجج طاقة سلبية.

حاولت مرارا أن أشد انتباهها إلى الأشياء الجميلة في الحياة، وما أكثرها!

أذكر مرّة وخلال إحدى دردشاتنا حول فنجان قهوة قلت لها: انظري إلى هذا الصقر الذي يحوم فوق بيتي،كم أعشق عنفوانه!

فردت: هل نسيتِ أنه أكل لك قطتين؟ (فالج لا تعالج !)!!!

………………

.اتصلت بي مؤخرا…تناولتُ سماعة الهاتف، واستمررت في غسل الصحون وأنا أراقب المدى البعيد والجميل الذي يمتد وراء نافذة مطبخي.

ـ هالووووـ مرحبا وفاء

ـ هلااااااااا سالي، كيفك حبيبتي؟

ـ خير يارب، صوتك يدل على أنك مريضة؟

لم تكد تنهي عبارتها حتى لمحني كلبي ماتشو من وراء زجاج النافذة، فانقض بطريقة عدوانية غريبة وعلى غير عادته، وحاول أن يخبط بيديه الأماميتين على زجاج النافذة.كانت هناك على حافة النافذة الخارجية مزهرية جميلة جدا، ومن الوزن الثقيل، تلقيتها كهدية، ومن شدة اعجابي بها وضعتها في ذلك المكان كي استمتع برؤيتها كلما مارست هواية غسل الصحون.

وقعت المزهرية وسمعت صوت ارتطامها بالأرض وتناثرها.لم يكن تحطمها هو الحدث الوحيد الذي كان من المفروض أن يثير غضبي،لكنها سقطت فوق اصيص من الزهر موجود على الأرض تحت النافذة. الاصيص يحوي شجيرة، هي من أحب نباتاتي وأقربها إلى قلبي.هي شجيرة يقال ان اصلها من البلدان الاستوائية، ولكن لسبب ما انتعشت في حديقتي.

وقعت المزهرية فوق الشجيرة، وقطعت ساقها من مستوى التربة، ثم ارتطمت بالارض.

عندما لمحت الشجيرة المقطوعة تخللني تيار من طاقة سلبية، شعرت أنه موصول بسالي بشكل أو بآخر!

كان عليّ أن أقطع هذا التيار أولا وقبل أن أنظف آثار “الجريمة”اعتذرت منها وأعدت سماعة الهاتف إلى مكانها!

………………

سالي ليست انسانة بسيطة، فهي حاملة ماجستر في Computer graphic design ولديها وظيفة جيدة جدا ودخل يفي ويكفي، وتملك بيتا، ولكن؟؟

هل يُعقل أن تتصل بصديق بعد غياب أكثر من شهر لتدردش معه، وأول عبارة تقولها: صوتك يدل على أنك مريض؟؟وخصوصا عندما يكون صوته طبيعيا، بل وفرحا في نبرته التي تشد إليه كل الطاقات الإيجابية في الكون…

من يفعل ذلك ليس إنسانا طبيعيا!

لا تقل: إنه تصرف عفوي، وقد لا يحمل أية خلفية!

بل هو تصرف مقصود ويحمل دلالاته، سواء في ساحة الوعي أو في اللاوعي عند صاحبه.الإنسان الساخط، وسالي صورة عنه،

يشعر بالارتياح عندما يساهم في استفزاز شخص آخر،

ويشعر بالارتياح عندما يقابل شخصا تعيسا

ويشعر بالارتياح عندما يلتقي بشخص سعيد، فيحاول أن يسقط عليه مشاعره، أملا في أن يلعب دورا في تغيير مزاجه نحو الأسوأ.

طبعا مشاعر الارتياح تلك هي مشاعر وهميّة وليست حقيقية، ولذلك لا تدوم طويلا،فالالتقاء بانسان ساخط، أو المساهمة في إثارة سخط انسان آخر، سيزيده سخطا، لأن الطاقة تجذب (ربّما خلسة) مثيلتها!

………………

أثبتت الدراسات والتجارب في علم النفس أن المشاعر تنتقل بالعدوى

، وإن الناس الكئيبين ـ وهم بالمطلق ساخطون ـ يُصيبون غيرهم بالكآبة.

لم ترتقِ علاقتي بسالي يوما إلى مستوى الصداقة، لأنه لا يمكن أن تصادق إنسانا مالم تملكا نفس مستوى الطاقة ونفس نوعيتها، فالبشر ـ كما الطيور ـ على أشكالها “الطاقوية” تقع!

بعد أن أوشكت سالي على استنزافي، اكتشفت أن العامل الوحيد الذي فرض عليّ تلك العلاقة كل هذا الوقت، هو شفقتي عليها.ولقد قيل: أكثر من يحتاج إلى الشفقة هم الذين لا يستحقونها!

أما أنا فأضيف: وأكثر من يستحق شفقتك هو نفسك، إذ عليك أن تحافظ على توازنك النفسي كي تبقى جاهزا دوما لتمد يد المساعدة

………………

التعامل مع هذا النوع من البشر يساهم في اختلال توازنك، ويشفط آخر ذرة طاقة منك، حتى لاحقا يسلبك سكينتك.

لهذه الأسباب مجتمعة، اسقطت سالي من حياتي، وأريدك أن تسقط كل شخص ـ على شاكلة سالي ـ من حياتك!

………………

من الجميل أن تشفق، ومن الأجمل أن تجسد شفقتك عطاء.لكن ليس من العقلانية بمكان أن يكون عطاءؤك على حساب أعصابك، وعلى حساب مزاجك، وعلى حساب سكينتك!

أول ثمرة العطاء الصحيح هو إحساسك بالراحة، ذلك الإحساس الذي يعزز رضاك عن نفسك، وبالتالي يرسخ مستوى سكينتك!

أما أن تضخ طاقتك في قربة مثقوبة، فهذا تصرف أحمق لن يملئالقربة، وسيستنزفك روحانيا وعاطفيا!

………………

لا أكره سالي رغم سلبيتها القاتلة، لا أكرهها لسبب بسيط، ألا وهو أنني أحب نفسي، ولنفس السبب اسقطتها من حسابي.

حرر نفسك من سلبياتها، وتجنب الناس الذين ـ كالضفادع ـ لا يجيدون إلا النق،

فالطاقة السلبية تقف حائلا بينك وبين المنبع الكوني، وعندما تفعل ذلك يصبح الشحّ طريقة حياة!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار