تابعنا على

جلـ ... منار

المستنقع … والملعقة الصغيرة

نشرت

في

يقول تولستوي، في رائعته “الحرب والسلام”:

How can one be well…When one suffers morally?

(كيف سيكون الإنسان بخير، عندما يعتلّ أخلاقيا؟؟)

وفاء سلطان
<strong>وفاء سلطان<strong>

وأنا أقول: عندما يكون المجتمع معتلا حتى نخاع عظمه، هل يعقل أن يكون أخلاقيّا؟!!

إذن، أصل العلة هو انعدام الأخلاق!

ومالم نعالج الجذر لن يكون هناك أمل في الشفاء….مادامت الثورة هي حرق مراحل، لا أستطيع أن أضع بيضة واحدة في سلتها!!!

فبناء جهاز أخلاقي يتم عبر مراحل طويلة وشاقة، وحرق أية مرحلة يساهم في تشويه ذلك البناء…

………..

تحضرني هنا قصة قرأتها عن رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية ولسون تشرشل…

يحكى أنه كان وزعماء “الحلفاء” مجتمعين في مقهى لمناقشة خطة الحرب …من باب الطرفة نظر أحدهم إلى حوض للسمك الصغير بجوار طاولتهم، وقال:تعالوا نحاول مسك هذه السمكة ولو نجحنا سنربح الحرب…فأخذ كل منهم يحاول بدوره أن يمسك السمكة دون جدوى.

عندما وصل الدور إلى تشرشل، وكان معروفا بدهائه وروح النكتة، أخذ ملعقة القهوة الصغيرة وراح ينقل بها الماء الذي تسبح به السمكة، ويلقيه خارج الحوض…ولمّا استهجن الجميع تصرفه، رد بهدوء: تلك هي الطريقة الأسرع لتفريغ الحوض من الماء، ومن ثمّ مسك السمكة!!

وأنا دائما أقول: في أغلب الأحيان وبعد فوات الأوان، تكتشف أنه ولكي تختصر الوقت كان عليك أن تأخذ الطريق الأطول!

لا تحاول أن تعالج جرحا كبيرا وعميقا ونازفا، نجم عن قذيفة مدفع، بلصاقة الجروح التي هي أصغر من بنصرك!

تلك الأمة هي أمة مشوهة خُلقا وخَلقا….تشوهت ببطء وبثبات على مدى 1400 سنة، ووصلت إلى مرحلة لم تعد تملك أبسط المقومات التي يجب أن تمتلكها أية أمة لتستمر….لا يمكن أن تُعالج كوارثها بلصاقة جروح، فطريق العلاج طويل جدا وشاق جدا جدا، ولذلك لم ـ ولن تنجح ثورة ـ تشتعل على أراضيها.

من يقوم بالثورة ليس مؤهلا أخلاقيّا أكثر ممن كان سبب اندلاع تلك الثورة!

لذلك، سيقتصر نجاح أية ثورة على استبدال طاغية بطاغية آخر، طالما الجميع ينهل من نفس المنبع!

هذه الأمة تحتاج إلى ثورة أخلاقية تبدأ بمائة مليون بلدوزر، كي تجرف أكوام القمامة المتراكمة عبر الزمن في تراثها، وتلقي بها في مزبلة التاريخ.

………..

لم تستطع أمة في تاريخ البشرية أن ترتفع بمستوى شعبها حضاريا وإنسانيا، إلا بعد أن رسمت حدا واضحا وصريحا بين الدين و الأخلاق!

ذلك الحدّ الذي تجسّده عبارة لمفكر أمريكي لم أعد أذكر اسمه، عندما قال:

Morality is doing what is right regardless of what you are toldReligion is doing what you are told regardless of what is right

(الأخلاق هي أن تفعل الصحيح بغض النظر عمّا قالوا لك، والدين هو أن تفعل ما قالوا لك، بغض النظر عن كونه صحيحا أم لا).

وبما أن الإنسانية تعني أن تفعل الصحيح، استطاعت تلك الأمم أن تحجّم أديانها،وتلتزم بشيفرتها الأخلاقية.حجرت الأديان في معابدها وجحور أتباعها، وبنت سلّما للأخلاق عانق رحاب السماء،فازدهر كل شيء وانتعش الإنسان عموما.بينما في الوقت نفسه، ظلت تحترم حق الإنسان في أن يتبع دينا، شرط أن يستخدمه كما يستخدم الملح في طعامه، قليله يحافظ على سلامة الجسد، وكثيره يسلب العافية!

………..

في القرن الواحد والعشرين يخرج عليك شيخ واعظا ومؤكدا أن الله يشرّع الاستمتاع بالرضيعة،ومص حلمات الموظفة، ونكاح الميتة، ونكاح أم الزوجة في حال مرض الزوجة، ونكاح البنت بالزنى، ونكاح الجهاد، وسبي النساء والغزو وسرقة الغنائم، وضرب النساء وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف.بينما يغط الجميع في سبات عميق، ولا من أحد يحتج على وصم تلك الأمة،وتلطيخ سمعتها بهذا القبح!

على العكس تماما، يقف على يسار الشيخ رفيقه الـ “ليبرالي” التقدمي، متظاهرا بأنه لا يسمع ما يقال ولا يرى ما يُعمل به، ليشتم أمريكا ويعلق كل قاذوراته وفشله على شماعة الآخرين!

الأول يعدك بالجنة في السماء فتموت كي تراها، والثاني يعدك بالجنة على الأرض فتموت قبل أن تراها.

إنها الطريقة الأسهل ليهرب اللصوص والجبناء من مواجهة مسؤولياتهم.نعم، ليس أسهل من أن تلعب دور الضحية، وتزعق أن الذئب قد داهم الحظيرة،بينما “حراس” الحظيرة قد نهشوا لحم القطيع وسرقوا جلوده وكسروا عظامه، ولم يتركوا للمخدّرين بالوعظ إلا بعره!

لو لم تكن أمريكا موجودة لخلقوا أمريكا أخرى….فأمريكا “تبرر” ضحالة إنجازاتهم، وقذارة شوارعهم، وبؤس نسائهم،وعنانة رجالهم، وقهر أطفالهم….دائما يبحث الشرير في وعيه وفي ساحة اللاوعي عنده، يبحث عن مبررلشروره!وليس من مهمة أسهل عليه من خلق هذه المبررات،وخصوصا تلك التي تأتي ممهورة بختم “الله”!……لقد جحّشوا هذه الأمة عندما أقنعوها بأن الدين هو الأخلاق، وبأن الأخلاق أن تفعل ما يقولونه لك.والأسوأ من هذا وذاك، أن غيرك مسؤول عن جحشنتك!

………..

ليس من وسيلة لفكّ الجحشنة، إلا أن نستعير ملعقة تشرشل كي نجفف المستنقع، ونخرج السمكة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.وذلك بعد أن نحطّم كل الميكرفونات، ونضرب بعرض الحائط كل الثورات والمخططين لها من أشباه الرجال…

فردم المستنقعات ودفن الخرافات فيها هو الثورة الحقيقية، وهو أقصر طريق لتعيش حياة جديرة بأن تعاش!!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار