عدت إلى منزلي بعد زيارة صحراوية أرهقتني…وقررت أن أنام حسب التدابير الاستثنائية ولم أكن أعلم أني سأكون على موعد مع المقامة “الزقفونية” …حلما…وليس واقعا…
<strong>محمد الأطرش<strong>
“هل أتاكم حديث انقلاب صاحب “الزقفونة”…الذي انتصر على صاحب “المكرونة” ومن يدعمونه ويساندونه…في جولة انتخابية مجنونة…تحالف معه فيها جميع من يعرفونه… ولا يعرفونه…ومن يُحبُّونه ولا يحبُّونه…ومن يهضمُونه ولا يهضمُونه…حتى بعض من أكلوا مع صاحب “المكرونة” ثم انقلبوا عليه ولم “يشكُرونه”…بعد أن استمتعوا باللحم المشوي والعقُدْ والمدفُونة…فأغلبهم جاؤوا فقط يبتزونه ويخدعُونه…ولقطع الطريق أمام من بالفساد وتبييض الأموال ينعتونه ويتهمونه…
جاءني وحدثني في المنام مولانا عالي المقام…عن حربه ضدّ خصومه من الأيتام والأزلام…يقول مولانا بعد التحية والسلام، والكثير من التهديد، والوعيد والايهام …والاتهام…هل اتاكم حديث شيخهم الهمام و”الفشلام”…وما وقع للبعض من نوابه وأعضاده اللئام… وكيف أغلقنا أمامهم المجلس من خلف ومن أمام…وجمّدناهم يوم عيد الجمهورية لنستحوذ على ما لتلك الذكرى من رمزية، وأعلناها ثورة “زقفونية” تنهي كل توافق وسلطة حزبية وبرلمانية… قبلها بسنة ونصف عقدنا النيّة، وقررنا أن نستولي على الجمهورية بطريقة دستورية…ثم بدأنا خلال حكم المشيشي نعدّ العدّة ونكتب الوصيّة… ونجمع السلاح والفصول الدستورية…ونشحن البنادق التشويهية ونجمع الذخيرة الحيّة…من أتباع وأنصار وقوّادة وزبانيّة…ثم وبعد أن وضعنا خطّتنا الجهنمية…حرّكنا منصاتنا الإعلامية والفايسبوكية…ومنصات دفاعاتنا وهجوماتنا الجويّة لتطلق الأعيرة النارية من الاشاعات الكيدية… والاتهامات العنقودية…ايذانا بالإبادة السياسية الجماعية… لكل من حكموا خلال العشرية من الشيوخ والذريّة…ومن تحالف معهم من الأحزاب والكتل النيابية…من ابن الناصفي والزغلامي إلى حليمة الهمّامية…
حدثني في المنام عالي المقام مولانا صاحب النظرية “الزقفونية” المقدام …حين سألوه ماذا ستفعل بالديمقراطية…قال سنستبدلها بالتدابير الاستثنائية…لنُنْسي الشعب خراب وفشل العشرية…ونبدأ في بناء دولة أو سلطنة أو مملكة أو حتى إمارة “زقفونية”… ينعم فيها الشعب بالحرية… والتعدّدية، فحتى العصافير، والأعشاب الطفيلية، ستنعم بالديمقراطية على الطريقة القاعدية…وسيتمتّع الجميع بالفضاءات الترفيهية… والرحلات السياحية… وسيلعب الجميع مساء السبت وصباح الأحد بالكرة الحديدية…وسنعلنها عبر حملات تفسيرية شفطرية لينينية دولة ذكية فتيّة ثورية قاعدية شعبية لا غربية لا شرقية تحكم بالمراسيم والتعليمات الفوقية دستورها التدابير الاستثنائية…وعصاها المراسيم التأديبية والشبهات الكيدية… وإعلامها الروايات الخيالية التلفيقية…وتعيش ببركة سيدي بلحسن الشاذلي، والسيّدة المنوبية، وإن لزم الأمر أم الزين الجمّالية…لا أحزاب فيها ولا كتل نيابية، ولا مخلوف ولا العفّاس ولا حتى البعض من الذريّة… لا هيئات فيها ولا رئيس دون صلاحية…وسندفع كل ديون دولتنا من أموال الرعية…وإن لزم الأمر سنخفّض في حجم “الشهرية” حتى نتخلّص من ديوننا الداخلية والخارجية…وستنتشر الشركات الأهلية من راس جدير إلى الهوارية… وسنملأ سجن المرناقية…بالفاسدين و”الكناترية” ونواب الحقبة الإخوانية الدستورية، ولم لا من يناصرون بعض الحركات اليسارية…وستسعد الرعية بالحفلات والمهرجانات الصيفية…ولم لا صفيّة الشامية عبر الإذاعة الوطنية…وسيقع الترخيص في استيراد السيارات الشعبية بأسعار خيالية…وسندفع لكل عاطل منحة شهرية تكفيه سجائره، وجلساته الخمرية صحبة عشيقته فتحية أو حتى كاترين الأجنبية فنحن نؤمن بالحرية الجنّـ… سية القاعدية…حتى لا يختار طريق العصابات الاجرامية…ولا ينضمّ إلى الأحزاب الإخوانية…ولا حتى إلى الأحزاب الدستورية…فجميعهم من تلك البليّة…حسب وصفتي الطبيّة…
وماذا ستفعل بالانتخابات يا صاحب المراسيم الأميرية…قال: سنستبدلها بما هو آت…نظام قاعدي و”زقفونيات”…من نظام القذافي مستوحاة…وسنستحوذ على كل السلطات…لنعوّض ما خسرناه من أشهر دون صلاحيات…وسنستميل كل المكونات… فنحن من سيعلن مستقبلا عن تشكيلة كل الحكومات …وسنختار من الولاة من أعلن لمقامنا البيعة…والولاء…آت…وسنعيّن أتباعنا على رأس كل العمادات…والمعتمديات…والمصالح والإدارات…والدواوين والمؤسسات…والشركات والتعاضديات…حتى حافلاتنا وسيارات النقل والقطارات لن يسوقها من لا يقبلون بسياسة الأوامر والتعليمات، ومن لم يعلنوا لنا البيعة ولم يقسموا على الانصياع لأوامرنا والانضباط …
وحين سألوه عما فعله بالقضاة…قال سنفجّر كل الهيئات كما فعلنا مع من سبقهم من السلطات والهيئات والوزارات…وسنعلن نظام الولاءات…ونلزم القضاة…كل القضاة…بالانصياع لما نعلن ونقول ونأمر، والانضباط…في تطبيق الأوامر والتعليمات…ومن لا يقبل بهذه الإجراءات…سنصدر مرسوما فيه العشرات من الإعفاءات… والاقالات… والإحالات مرفوقا بأكداس من الشبهات والاتهامات بالارتشاء والوساطات…ويتكفّل بعض الاتباع ممن أعلنوا لنا البيعة والولاءات بإغراق كل الفضاءات ونشر نسخ من كل محاضر التهم الكيدية والشبهات …ليكون عبرة لبقية القضاة…وسلامات …سلامات…سلامات…
وماذا عن الاتحاد والطبوبي ومن معه من القيادات…إن رفضوا مراسيمكم والتعليمات…ولم يقبلوا بالتورّط معكم في إمضاء كل الاتفاقيات، مع صندوق النكد الدولي وبقيّة المنظمات…فهل سترضخون لما تريده النقابات…وتقبلون بسياسة “هات فلوسك هات” وتلبُون طلباتهم من الزيادات والحوافز والترضيات…أم ستتركون البلاد تغرق في وحل الإضرابات…بمجرّد ذكر اسم الطبوبي ومن معه من قيادات… ثار صاحب المقام وهاج… واضطرب له المزاج… وانتفخت له الأوداج…وصاح في وجهي كالعاتية من الأمواج…لست من النعاج…ولست كالحلاج…وسأعرف كيف أجد العلاج…وأصلح الاعوجاج…
وكيف ذلك يا من جئتني في المنام…ويا عالي المقام؟ قال إقرأ ما هو آت… سأفعل ما فعلته بالهيئات…وما قررته للقضاة …وهيهات هيهات أن يفلت الطبوبي والقيادات، مما قررت وما هو آت…سأريهم الويلات…وسيعيشون الغصرات تلو الغصرات…وسيعانون من الغثيان…وانحباس البول…وكثرة الضراط…
كيف ذلك يا صاحب المقامات…أستعلن حلّ جميع النقابات؟ أستتعامل مع بقية الاتحادات وتفرض التعددية في كل النقابات بجميع القطاعات؟ قال: لا لا…لن أرضخ لما يطلبون…ولن ادعهم يضربون…ولن أقبل بما يقترحون…وسأعرف كيف اجعلهم ينضبطون لما أريد وسيقبلون بما كانوا له يرفضون…
وماذا عن الاستفتاء يا عالي المقام…يا من جاءني دون موعد في المنام…قال…يا أتباعي…وأبناء ديني ومذهبي ويقيني…أنتم تعلمون كم جبت طولا وعرضا… البلاد…وكم التقيت من العباد…وكم عانيت من هذا الجهاد…وكم حاولت أن أهرب من أعين الأوغاد…وكم دخنت من سجائر تحرق الأكباد فأنا لست من هواة “الشيشة والجبّاد”…أتعلمون أني جئتكم فقط من أجل إعادة الأمجاد…لكم وللبلاد…فلم تخافونني وتتهمونني بالاستبداد…أنا يا أتباعي مبعوث من السماء…كأني ذلك الغيث الذي ينزل على أرض بلا ماء…ألم تكثروا قبل مجيئي الدعاء…ألم تصلوا صلاة الاستخارة فأعلنت عليكم الاستشارة…ألا يمكن أن يكون ربّي وربّكم استجاب لما طلبتم…وحقّق لكم ما رغبتم…ألا يمكن أن أكون أنا الدواء …بعد كل ما عشتموه من عناء…وشقاء…
يا أتباعي، وأنصاري…أتعلمون أن هذه البلاد لي مدينة…ولمشيئتي سجينة…وأن اصواتكم لما أريده رهينة…ألم أخلصكم من الأوغاد…دون أن ألزمكم بالجهاد…ألم أجلب لكم التلاقيح…يوم ترككم الشيخ ومن معه في عداد “التلاويح”…فكيف ترفضون تعليماتي…ولا تقبلون بقراراتي…ألم أعدكم بدستور جديد… وعهد مجيد…سعيد…وحكم لازدهاركم يعيد…فكيف تتهموني بالاستبداد…وأنا من خدم البلاد والعباد…يا اتباعي لا تستمعوا للأصوات الكاذبة…ولا تنتبهوا للمسيرات الصاخبة…ولا تأخذوا بنصائح من لا يمتلكون نظرة ثاقبة…فتندمون يوم العاقبة…يا أنصاري لا تلتفتوا إلى الأشرار ومن ينتحلون صفة الثوار…ومن يعارضونني ليلا نهار…ومن يتمنون لكم الخراب والدمار…ومن يستقوون بقوى الاستعمار…ومن ينصحونكم بالاستنفار…ومن يسيئون للأجوار…ومن يرسلون إلى أعداء البلاد مكاتيب الاستنكار…يا أتباعي أدعوكم للاستغفار…فنحن وجدنا البلاد في حالة خراب ودمار…وأنتم الشعب الذي يجب أن يختار…بين الاستقرار معي أو الاندثار مع الاشرار…
أتباعي الاعزاء، إذا حل يوم الاستفتاء، وقد عرفتم اليوم من جاءكم بالبلاء والوباء، وعرفتم من أنجدكم بالدواء وجاءكم بالشفاء، أنا أم من كنتم معهم تعساء؟ لا تنسوني من اصواتكم…وصوّتوا لي دون حساب، فأنا من أنقذكم من جور واستبداد الأحزاب…”
هكذا كما جاءني غاب…وعن أسئلتي أجاب…قمت من نومي مذعورا…أطلب النجدة من الأجوار ونطقت طويلا لفظ الاستغفار…يا ويلتي كنت مع مولانا…والناس نيام…فهل أنا في يقظة أم في منام…وهل كل ما عشته كان فقط…مجرّد أحلام…أم كانت حقيقة والسلام…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.