عدت إلى منزلي بعد زيارة صحراوية أرهقتني…وقررت أن أنام حسب التدابير الاستثنائية ولم أكن أعلم أني سأكون على موعد مع المقامة “الزقفونية” …حلما…وليس واقعا…
محمد الأطرش
“هل أتاكم حديث انقلاب صاحب “الزقفونة”…الذي انتصر على صاحب “المكرونة” ومن يدعمونه ويساندونه…في جولة انتخابية مجنونة…تحالف معه فيها جميع من يعرفونه… ولا يعرفونه…ومن يُحبُّونه ولا يحبُّونه…ومن يهضمُونه ولا يهضمُونه…حتى بعض من أكلوا مع صاحب “المكرونة” ثم انقلبوا عليه ولم “يشكُرونه”…بعد أن استمتعوا باللحم المشوي والعقُدْ والمدفُونة…فأغلبهم جاؤوا فقط يبتزونه ويخدعُونه…ولقطع الطريق أمام من بالفساد وتبييض الأموال ينعتونه ويتهمونه…
جاءني وحدثني في المنام مولانا عالي المقام…عن حربه ضدّ خصومه من الأيتام والأزلام…يقول مولانا بعد التحية والسلام، والكثير من التهديد، والوعيد والايهام …والاتهام…هل اتاكم حديث شيخهم الهمام و”الفشلام”…وما وقع للبعض من نوابه وأعضاده اللئام… وكيف أغلقنا أمامهم المجلس من خلف ومن أمام…وجمّدناهم يوم عيد الجمهورية لنستحوذ على ما لتلك الذكرى من رمزية، وأعلناها ثورة “زقفونية” تنهي كل توافق وسلطة حزبية وبرلمانية… قبلها بسنة ونصف عقدنا النيّة، وقررنا أن نستولي على الجمهورية بطريقة دستورية…ثم بدأنا خلال حكم المشيشي نعدّ العدّة ونكتب الوصيّة… ونجمع السلاح والفصول الدستورية…ونشحن البنادق التشويهية ونجمع الذخيرة الحيّة…من أتباع وأنصار وقوّادة وزبانيّة…ثم وبعد أن وضعنا خطّتنا الجهنمية…حرّكنا منصاتنا الإعلامية والفايسبوكية…ومنصات دفاعاتنا وهجوماتنا الجويّة لتطلق الأعيرة النارية من الاشاعات الكيدية… والاتهامات العنقودية…ايذانا بالإبادة السياسية الجماعية… لكل من حكموا خلال العشرية من الشيوخ والذريّة…ومن تحالف معهم من الأحزاب والكتل النيابية…من ابن الناصفي والزغلامي إلى حليمة الهمّامية…
حدثني في المنام عالي المقام مولانا صاحب النظرية “الزقفونية” المقدام …حين سألوه ماذا ستفعل بالديمقراطية…قال سنستبدلها بالتدابير الاستثنائية…لنُنْسي الشعب خراب وفشل العشرية…ونبدأ في بناء دولة أو سلطنة أو مملكة أو حتى إمارة “زقفونية”… ينعم فيها الشعب بالحرية… والتعدّدية، فحتى العصافير، والأعشاب الطفيلية، ستنعم بالديمقراطية على الطريقة القاعدية…وسيتمتّع الجميع بالفضاءات الترفيهية… والرحلات السياحية… وسيلعب الجميع مساء السبت وصباح الأحد بالكرة الحديدية…وسنعلنها عبر حملات تفسيرية شفطرية لينينية دولة ذكية فتيّة ثورية قاعدية شعبية لا غربية لا شرقية تحكم بالمراسيم والتعليمات الفوقية دستورها التدابير الاستثنائية…وعصاها المراسيم التأديبية والشبهات الكيدية… وإعلامها الروايات الخيالية التلفيقية…وتعيش ببركة سيدي بلحسن الشاذلي، والسيّدة المنوبية، وإن لزم الأمر أم الزين الجمّالية…لا أحزاب فيها ولا كتل نيابية، ولا مخلوف ولا العفّاس ولا حتى البعض من الذريّة… لا هيئات فيها ولا رئيس دون صلاحية…وسندفع كل ديون دولتنا من أموال الرعية…وإن لزم الأمر سنخفّض في حجم “الشهرية” حتى نتخلّص من ديوننا الداخلية والخارجية…وستنتشر الشركات الأهلية من راس جدير إلى الهوارية… وسنملأ سجن المرناقية…بالفاسدين و”الكناترية” ونواب الحقبة الإخوانية الدستورية، ولم لا من يناصرون بعض الحركات اليسارية…وستسعد الرعية بالحفلات والمهرجانات الصيفية…ولم لا صفيّة الشامية عبر الإذاعة الوطنية…وسيقع الترخيص في استيراد السيارات الشعبية بأسعار خيالية…وسندفع لكل عاطل منحة شهرية تكفيه سجائره، وجلساته الخمرية صحبة عشيقته فتحية أو حتى كاترين الأجنبية فنحن نؤمن بالحرية الجنّـ… سية القاعدية…حتى لا يختار طريق العصابات الاجرامية…ولا ينضمّ إلى الأحزاب الإخوانية…ولا حتى إلى الأحزاب الدستورية…فجميعهم من تلك البليّة…حسب وصفتي الطبيّة…
وماذا ستفعل بالانتخابات يا صاحب المراسيم الأميرية…قال: سنستبدلها بما هو آت…نظام قاعدي و”زقفونيات”…من نظام القذافي مستوحاة…وسنستحوذ على كل السلطات…لنعوّض ما خسرناه من أشهر دون صلاحيات…وسنستميل كل المكونات… فنحن من سيعلن مستقبلا عن تشكيلة كل الحكومات …وسنختار من الولاة من أعلن لمقامنا البيعة…والولاء…آت…وسنعيّن أتباعنا على رأس كل العمادات…والمعتمديات…والمصالح والإدارات…والدواوين والمؤسسات…والشركات والتعاضديات…حتى حافلاتنا وسيارات النقل والقطارات لن يسوقها من لا يقبلون بسياسة الأوامر والتعليمات، ومن لم يعلنوا لنا البيعة ولم يقسموا على الانصياع لأوامرنا والانضباط …
وحين سألوه عما فعله بالقضاة…قال سنفجّر كل الهيئات كما فعلنا مع من سبقهم من السلطات والهيئات والوزارات…وسنعلن نظام الولاءات…ونلزم القضاة…كل القضاة…بالانصياع لما نعلن ونقول ونأمر، والانضباط…في تطبيق الأوامر والتعليمات…ومن لا يقبل بهذه الإجراءات…سنصدر مرسوما فيه العشرات من الإعفاءات… والاقالات… والإحالات مرفوقا بأكداس من الشبهات والاتهامات بالارتشاء والوساطات…ويتكفّل بعض الاتباع ممن أعلنوا لنا البيعة والولاءات بإغراق كل الفضاءات ونشر نسخ من كل محاضر التهم الكيدية والشبهات …ليكون عبرة لبقية القضاة…وسلامات …سلامات…سلامات…
وماذا عن الاتحاد والطبوبي ومن معه من القيادات…إن رفضوا مراسيمكم والتعليمات…ولم يقبلوا بالتورّط معكم في إمضاء كل الاتفاقيات، مع صندوق النكد الدولي وبقيّة المنظمات…فهل سترضخون لما تريده النقابات…وتقبلون بسياسة “هات فلوسك هات” وتلبُون طلباتهم من الزيادات والحوافز والترضيات…أم ستتركون البلاد تغرق في وحل الإضرابات…بمجرّد ذكر اسم الطبوبي ومن معه من قيادات… ثار صاحب المقام وهاج… واضطرب له المزاج… وانتفخت له الأوداج…وصاح في وجهي كالعاتية من الأمواج…لست من النعاج…ولست كالحلاج…وسأعرف كيف أجد العلاج…وأصلح الاعوجاج…
وكيف ذلك يا من جئتني في المنام…ويا عالي المقام؟ قال إقرأ ما هو آت… سأفعل ما فعلته بالهيئات…وما قررته للقضاة …وهيهات هيهات أن يفلت الطبوبي والقيادات، مما قررت وما هو آت…سأريهم الويلات…وسيعيشون الغصرات تلو الغصرات…وسيعانون من الغثيان…وانحباس البول…وكثرة الضراط…
كيف ذلك يا صاحب المقامات…أستعلن حلّ جميع النقابات؟ أستتعامل مع بقية الاتحادات وتفرض التعددية في كل النقابات بجميع القطاعات؟ قال: لا لا…لن أرضخ لما يطلبون…ولن ادعهم يضربون…ولن أقبل بما يقترحون…وسأعرف كيف اجعلهم ينضبطون لما أريد وسيقبلون بما كانوا له يرفضون…
وماذا عن الاستفتاء يا عالي المقام…يا من جاءني دون موعد في المنام…قال…يا أتباعي…وأبناء ديني ومذهبي ويقيني…أنتم تعلمون كم جبت طولا وعرضا… البلاد…وكم التقيت من العباد…وكم عانيت من هذا الجهاد…وكم حاولت أن أهرب من أعين الأوغاد…وكم دخنت من سجائر تحرق الأكباد فأنا لست من هواة “الشيشة والجبّاد”…أتعلمون أني جئتكم فقط من أجل إعادة الأمجاد…لكم وللبلاد…فلم تخافونني وتتهمونني بالاستبداد…أنا يا أتباعي مبعوث من السماء…كأني ذلك الغيث الذي ينزل على أرض بلا ماء…ألم تكثروا قبل مجيئي الدعاء…ألم تصلوا صلاة الاستخارة فأعلنت عليكم الاستشارة…ألا يمكن أن يكون ربّي وربّكم استجاب لما طلبتم…وحقّق لكم ما رغبتم…ألا يمكن أن أكون أنا الدواء …بعد كل ما عشتموه من عناء…وشقاء…
يا أتباعي، وأنصاري…أتعلمون أن هذه البلاد لي مدينة…ولمشيئتي سجينة…وأن اصواتكم لما أريده رهينة…ألم أخلصكم من الأوغاد…دون أن ألزمكم بالجهاد…ألم أجلب لكم التلاقيح…يوم ترككم الشيخ ومن معه في عداد “التلاويح”…فكيف ترفضون تعليماتي…ولا تقبلون بقراراتي…ألم أعدكم بدستور جديد… وعهد مجيد…سعيد…وحكم لازدهاركم يعيد…فكيف تتهموني بالاستبداد…وأنا من خدم البلاد والعباد…يا اتباعي لا تستمعوا للأصوات الكاذبة…ولا تنتبهوا للمسيرات الصاخبة…ولا تأخذوا بنصائح من لا يمتلكون نظرة ثاقبة…فتندمون يوم العاقبة…يا أنصاري لا تلتفتوا إلى الأشرار ومن ينتحلون صفة الثوار…ومن يعارضونني ليلا نهار…ومن يتمنون لكم الخراب والدمار…ومن يستقوون بقوى الاستعمار…ومن ينصحونكم بالاستنفار…ومن يسيئون للأجوار…ومن يرسلون إلى أعداء البلاد مكاتيب الاستنكار…يا أتباعي أدعوكم للاستغفار…فنحن وجدنا البلاد في حالة خراب ودمار…وأنتم الشعب الذي يجب أن يختار…بين الاستقرار معي أو الاندثار مع الاشرار…
أتباعي الاعزاء، إذا حل يوم الاستفتاء، وقد عرفتم اليوم من جاءكم بالبلاء والوباء، وعرفتم من أنجدكم بالدواء وجاءكم بالشفاء، أنا أم من كنتم معهم تعساء؟ لا تنسوني من اصواتكم…وصوّتوا لي دون حساب، فأنا من أنقذكم من جور واستبداد الأحزاب…”
هكذا كما جاءني غاب…وعن أسئلتي أجاب…قمت من نومي مذعورا…أطلب النجدة من الأجوار ونطقت طويلا لفظ الاستغفار…يا ويلتي كنت مع مولانا…والناس نيام…فهل أنا في يقظة أم في منام…وهل كل ما عشته كان فقط…مجرّد أحلام…أم كانت حقيقة والسلام…
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…