عدت إلى منزلي بعد زيارة صحراوية أرهقتني…وقررت أن أنام حسب التدابير الاستثنائية ولم أكن أعلم أني سأكون على موعد مع المقامة “الزقفونية” …حلما…وليس واقعا…
محمد الأطرش
“هل أتاكم حديث انقلاب صاحب “الزقفونة”…الذي انتصر على صاحب “المكرونة” ومن يدعمونه ويساندونه…في جولة انتخابية مجنونة…تحالف معه فيها جميع من يعرفونه… ولا يعرفونه…ومن يُحبُّونه ولا يحبُّونه…ومن يهضمُونه ولا يهضمُونه…حتى بعض من أكلوا مع صاحب “المكرونة” ثم انقلبوا عليه ولم “يشكُرونه”…بعد أن استمتعوا باللحم المشوي والعقُدْ والمدفُونة…فأغلبهم جاؤوا فقط يبتزونه ويخدعُونه…ولقطع الطريق أمام من بالفساد وتبييض الأموال ينعتونه ويتهمونه…
جاءني وحدثني في المنام مولانا عالي المقام…عن حربه ضدّ خصومه من الأيتام والأزلام…يقول مولانا بعد التحية والسلام، والكثير من التهديد، والوعيد والايهام …والاتهام…هل اتاكم حديث شيخهم الهمام و”الفشلام”…وما وقع للبعض من نوابه وأعضاده اللئام… وكيف أغلقنا أمامهم المجلس من خلف ومن أمام…وجمّدناهم يوم عيد الجمهورية لنستحوذ على ما لتلك الذكرى من رمزية، وأعلناها ثورة “زقفونية” تنهي كل توافق وسلطة حزبية وبرلمانية… قبلها بسنة ونصف عقدنا النيّة، وقررنا أن نستولي على الجمهورية بطريقة دستورية…ثم بدأنا خلال حكم المشيشي نعدّ العدّة ونكتب الوصيّة… ونجمع السلاح والفصول الدستورية…ونشحن البنادق التشويهية ونجمع الذخيرة الحيّة…من أتباع وأنصار وقوّادة وزبانيّة…ثم وبعد أن وضعنا خطّتنا الجهنمية…حرّكنا منصاتنا الإعلامية والفايسبوكية…ومنصات دفاعاتنا وهجوماتنا الجويّة لتطلق الأعيرة النارية من الاشاعات الكيدية… والاتهامات العنقودية…ايذانا بالإبادة السياسية الجماعية… لكل من حكموا خلال العشرية من الشيوخ والذريّة…ومن تحالف معهم من الأحزاب والكتل النيابية…من ابن الناصفي والزغلامي إلى حليمة الهمّامية…
حدثني في المنام عالي المقام مولانا صاحب النظرية “الزقفونية” المقدام …حين سألوه ماذا ستفعل بالديمقراطية…قال سنستبدلها بالتدابير الاستثنائية…لنُنْسي الشعب خراب وفشل العشرية…ونبدأ في بناء دولة أو سلطنة أو مملكة أو حتى إمارة “زقفونية”… ينعم فيها الشعب بالحرية… والتعدّدية، فحتى العصافير، والأعشاب الطفيلية، ستنعم بالديمقراطية على الطريقة القاعدية…وسيتمتّع الجميع بالفضاءات الترفيهية… والرحلات السياحية… وسيلعب الجميع مساء السبت وصباح الأحد بالكرة الحديدية…وسنعلنها عبر حملات تفسيرية شفطرية لينينية دولة ذكية فتيّة ثورية قاعدية شعبية لا غربية لا شرقية تحكم بالمراسيم والتعليمات الفوقية دستورها التدابير الاستثنائية…وعصاها المراسيم التأديبية والشبهات الكيدية… وإعلامها الروايات الخيالية التلفيقية…وتعيش ببركة سيدي بلحسن الشاذلي، والسيّدة المنوبية، وإن لزم الأمر أم الزين الجمّالية…لا أحزاب فيها ولا كتل نيابية، ولا مخلوف ولا العفّاس ولا حتى البعض من الذريّة… لا هيئات فيها ولا رئيس دون صلاحية…وسندفع كل ديون دولتنا من أموال الرعية…وإن لزم الأمر سنخفّض في حجم “الشهرية” حتى نتخلّص من ديوننا الداخلية والخارجية…وستنتشر الشركات الأهلية من راس جدير إلى الهوارية… وسنملأ سجن المرناقية…بالفاسدين و”الكناترية” ونواب الحقبة الإخوانية الدستورية، ولم لا من يناصرون بعض الحركات اليسارية…وستسعد الرعية بالحفلات والمهرجانات الصيفية…ولم لا صفيّة الشامية عبر الإذاعة الوطنية…وسيقع الترخيص في استيراد السيارات الشعبية بأسعار خيالية…وسندفع لكل عاطل منحة شهرية تكفيه سجائره، وجلساته الخمرية صحبة عشيقته فتحية أو حتى كاترين الأجنبية فنحن نؤمن بالحرية الجنّـ… سية القاعدية…حتى لا يختار طريق العصابات الاجرامية…ولا ينضمّ إلى الأحزاب الإخوانية…ولا حتى إلى الأحزاب الدستورية…فجميعهم من تلك البليّة…حسب وصفتي الطبيّة…
وماذا ستفعل بالانتخابات يا صاحب المراسيم الأميرية…قال: سنستبدلها بما هو آت…نظام قاعدي و”زقفونيات”…من نظام القذافي مستوحاة…وسنستحوذ على كل السلطات…لنعوّض ما خسرناه من أشهر دون صلاحيات…وسنستميل كل المكونات… فنحن من سيعلن مستقبلا عن تشكيلة كل الحكومات …وسنختار من الولاة من أعلن لمقامنا البيعة…والولاء…آت…وسنعيّن أتباعنا على رأس كل العمادات…والمعتمديات…والمصالح والإدارات…والدواوين والمؤسسات…والشركات والتعاضديات…حتى حافلاتنا وسيارات النقل والقطارات لن يسوقها من لا يقبلون بسياسة الأوامر والتعليمات، ومن لم يعلنوا لنا البيعة ولم يقسموا على الانصياع لأوامرنا والانضباط …
وحين سألوه عما فعله بالقضاة…قال سنفجّر كل الهيئات كما فعلنا مع من سبقهم من السلطات والهيئات والوزارات…وسنعلن نظام الولاءات…ونلزم القضاة…كل القضاة…بالانصياع لما نعلن ونقول ونأمر، والانضباط…في تطبيق الأوامر والتعليمات…ومن لا يقبل بهذه الإجراءات…سنصدر مرسوما فيه العشرات من الإعفاءات… والاقالات… والإحالات مرفوقا بأكداس من الشبهات والاتهامات بالارتشاء والوساطات…ويتكفّل بعض الاتباع ممن أعلنوا لنا البيعة والولاءات بإغراق كل الفضاءات ونشر نسخ من كل محاضر التهم الكيدية والشبهات …ليكون عبرة لبقية القضاة…وسلامات …سلامات…سلامات…
وماذا عن الاتحاد والطبوبي ومن معه من القيادات…إن رفضوا مراسيمكم والتعليمات…ولم يقبلوا بالتورّط معكم في إمضاء كل الاتفاقيات، مع صندوق النكد الدولي وبقيّة المنظمات…فهل سترضخون لما تريده النقابات…وتقبلون بسياسة “هات فلوسك هات” وتلبُون طلباتهم من الزيادات والحوافز والترضيات…أم ستتركون البلاد تغرق في وحل الإضرابات…بمجرّد ذكر اسم الطبوبي ومن معه من قيادات… ثار صاحب المقام وهاج… واضطرب له المزاج… وانتفخت له الأوداج…وصاح في وجهي كالعاتية من الأمواج…لست من النعاج…ولست كالحلاج…وسأعرف كيف أجد العلاج…وأصلح الاعوجاج…
وكيف ذلك يا من جئتني في المنام…ويا عالي المقام؟ قال إقرأ ما هو آت… سأفعل ما فعلته بالهيئات…وما قررته للقضاة …وهيهات هيهات أن يفلت الطبوبي والقيادات، مما قررت وما هو آت…سأريهم الويلات…وسيعيشون الغصرات تلو الغصرات…وسيعانون من الغثيان…وانحباس البول…وكثرة الضراط…
كيف ذلك يا صاحب المقامات…أستعلن حلّ جميع النقابات؟ أستتعامل مع بقية الاتحادات وتفرض التعددية في كل النقابات بجميع القطاعات؟ قال: لا لا…لن أرضخ لما يطلبون…ولن ادعهم يضربون…ولن أقبل بما يقترحون…وسأعرف كيف اجعلهم ينضبطون لما أريد وسيقبلون بما كانوا له يرفضون…
وماذا عن الاستفتاء يا عالي المقام…يا من جاءني دون موعد في المنام…قال…يا أتباعي…وأبناء ديني ومذهبي ويقيني…أنتم تعلمون كم جبت طولا وعرضا… البلاد…وكم التقيت من العباد…وكم عانيت من هذا الجهاد…وكم حاولت أن أهرب من أعين الأوغاد…وكم دخنت من سجائر تحرق الأكباد فأنا لست من هواة “الشيشة والجبّاد”…أتعلمون أني جئتكم فقط من أجل إعادة الأمجاد…لكم وللبلاد…فلم تخافونني وتتهمونني بالاستبداد…أنا يا أتباعي مبعوث من السماء…كأني ذلك الغيث الذي ينزل على أرض بلا ماء…ألم تكثروا قبل مجيئي الدعاء…ألم تصلوا صلاة الاستخارة فأعلنت عليكم الاستشارة…ألا يمكن أن يكون ربّي وربّكم استجاب لما طلبتم…وحقّق لكم ما رغبتم…ألا يمكن أن أكون أنا الدواء …بعد كل ما عشتموه من عناء…وشقاء…
يا أتباعي، وأنصاري…أتعلمون أن هذه البلاد لي مدينة…ولمشيئتي سجينة…وأن اصواتكم لما أريده رهينة…ألم أخلصكم من الأوغاد…دون أن ألزمكم بالجهاد…ألم أجلب لكم التلاقيح…يوم ترككم الشيخ ومن معه في عداد “التلاويح”…فكيف ترفضون تعليماتي…ولا تقبلون بقراراتي…ألم أعدكم بدستور جديد… وعهد مجيد…سعيد…وحكم لازدهاركم يعيد…فكيف تتهموني بالاستبداد…وأنا من خدم البلاد والعباد…يا اتباعي لا تستمعوا للأصوات الكاذبة…ولا تنتبهوا للمسيرات الصاخبة…ولا تأخذوا بنصائح من لا يمتلكون نظرة ثاقبة…فتندمون يوم العاقبة…يا أنصاري لا تلتفتوا إلى الأشرار ومن ينتحلون صفة الثوار…ومن يعارضونني ليلا نهار…ومن يتمنون لكم الخراب والدمار…ومن يستقوون بقوى الاستعمار…ومن ينصحونكم بالاستنفار…ومن يسيئون للأجوار…ومن يرسلون إلى أعداء البلاد مكاتيب الاستنكار…يا أتباعي أدعوكم للاستغفار…فنحن وجدنا البلاد في حالة خراب ودمار…وأنتم الشعب الذي يجب أن يختار…بين الاستقرار معي أو الاندثار مع الاشرار…
أتباعي الاعزاء، إذا حل يوم الاستفتاء، وقد عرفتم اليوم من جاءكم بالبلاء والوباء، وعرفتم من أنجدكم بالدواء وجاءكم بالشفاء، أنا أم من كنتم معهم تعساء؟ لا تنسوني من اصواتكم…وصوّتوا لي دون حساب، فأنا من أنقذكم من جور واستبداد الأحزاب…”
هكذا كما جاءني غاب…وعن أسئلتي أجاب…قمت من نومي مذعورا…أطلب النجدة من الأجوار ونطقت طويلا لفظ الاستغفار…يا ويلتي كنت مع مولانا…والناس نيام…فهل أنا في يقظة أم في منام…وهل كل ما عشته كان فقط…مجرّد أحلام…أم كانت حقيقة والسلام…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟