بين 16 و17 ماي 2026، احتضنت مدينة المهدية ندوةً علمية حول «المهدية وجهتها عبر العصور: العمارة، واستغلال المجال، وتحولات المشهد الحضري»، وذلك بفضاء متحف دار البحار، في إطار اختتام شهر التراث تحت شعار «التراث وفن العمارة».
وقد انتظمت هذه التظاهرة بمبادرة من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، بالشراكة مع المعهد الوطني للتراث، ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، وعدد من الجمعيات المعنية بالتراث والذاكرة المتوسطية.
غير أنّ القيمة الأعمق للندوة تمثّلت في ذلك الإحساس بأن المهدية كانت، طوال يومين، تستعيد حقّها في أن تُروى؛ لا كمدينةٍ تُزار، بل كذاكرةٍ حيّة تتداخل فيها طبقات التاريخ والعمران والبحر والثقافة.
أشغال الندوة: المهدية من زوايا متعددة… وحكاية مدينة عبر العصور
توزّعت المداخلات على محاور متعددة، غير أنها جميعها نُسجت على خيط ناظم واحد: العلاقة العضوية بين المكان والذاكرة والهوية. تناول أحمد قضوم مساهمة الموارد الساحلية في تشييد المنشآت البحرية عبر التاريخ، وقدّمت منال الخذيري قراءةً في البنية الجيومورفولوجية للمهدية ومنطقتها. واستجلى عماد الجربي سياقات تأسيس برج خديجة ومنارة بطرية، فيما أبرز محمد حسن طبيعة العلاقة التي جمعت المهدية وصقلية في العصر الوسيط. وقدّمت سلمى حمزة مقاربة حول المهدية بوصفها «مدينة مزدوجة»، قبل أن يتناول رياض المرابط مصادر إلهام العمارة الإسلامية متخذًا من المهدية نموذجًا تحليليًا، ويكشف علي العجمي تجلياتها الفنية والعقدية، حيث الجمال ليس زينةً طارئة بل تعبير عن رؤية كونية متكاملة.
وأضاءت مداخلة عاطف سالم حضور الجاليات الأوروبية بين القرنين التاسع عشر والعشرين، في حين عاد سفيان بن موسى إلى ما قبل التاريخ المكتوب مستعرضًا الاستيطان البشري الأول في المنطقة. وكشف الحبيب بن يونس كيف أن الموتى أيضًا جزء من نسيج ذاكرة المدينة من خلال قراءته للعمارة الجنائزية البونية، فيما أضاء جهاد الصويد جانبًا مجهولاً من تاريخ منزل قديد، وحدّد ياسين الأكحل معالم الحضور الإسلامي في المهدية في العصر الوسيط الأول.
وكانت من أكثر المداخلات إثارةً للتأمل، بل هي الدافع المباشر لكتابة هذا المقال، تلك التي قدّمها أحمد الباهي في دراسته الطوبونيمية «للمهدية عدة أسماء»، إذ بيّن أن الأسماء آثار مكثفة للتاريخ، تختزن تعاقب الحضارات وتحولات السلطة وتقلّب صور المجتمع عن نفسه. فحين تمتلك مدينة أسماء متعددة فإنها تمتلك في العمق طبقات متعددة من الذاكرة والهوية. والمهدية في هذا السياق نموذج استثنائي، إذ تتصدر المدن التونسية بل المغاربية في عدد تسمياتها متقدمةً على القيروان وتونس نفسيهما، وهو ما يجعل دراستها الطوبونيمية مدخلاً متميزًا لفهم تحولات المنطقة عبر العصور.
وتكشف هذه الدراسة عن ثراء لافت في تسميات المدينة؛ إذ لم تكن هذه الأسماء مجرد تعيينات جغرافية، بل كانت في كل مرة مرايا للسلطة التي أطلقتها وللرؤية التي حملتها. فبينما احتفت المصادر الفاطمية بالمدينة بوصفها مركز الخلافة ومنبع الشرعية فأسبغت عليها ألقابًا من قبيل «المرضيّة» و«الحضرة العالية» و«دار الملك» و«البيضاء»، نزعت المصادر المالكية نحو التسمية التقريرية فأطلقت عليها «مدينة عبيد الله» و«مدينة السلطان»، بل لم تتحرّج من وسمها بـ«المهدومة» تعبيرًا عن تحوّلاتها البنيوية، وبـ«المردية» في إشارة إلى ما نُسب إليها من خروج عن الإسلام في نظر خصومها العقديين. وهنا لا تعود التسمية أداة تعريف بالمكان، بل تتحول إلى فضاء للصراع على المعنى، تُمارَس فيه السلطة الرمزية عبر اللغة، وتُرسم من خلاله الحدود بين الشرعية والانحراف، وبين الانتماء والإقصاء.
أما المصادر الإباضية فقد اختارت «القاسمية» نسبة إلى القائم بأمر الله، في حين آثرت المصادر الموحدية ربط المدينة بسلالتها التأسيسية عبر «مهدية بني عبيد» و«مدينة العبيدي». وظلّت المصادر الأوروبية وفيّة للبعد الجغرافي الأوسع، فواصلت إطلاق «إفريقية» أو «Africa» على المدينة ومنطقتها، شاهدةً على مكانتها الاستراتيجية والرمزية في الفضاء المتوسطي.
وهذا الصراع على التسمية ليس خاصيةً تاريخية غابرة؛ فقد كشفت محاور الندوة الأخرى أن المدينة تواصل حضورها في الوعي الجماعي عبر مسالك متعددة، لا تقل عن التسمية في قدرتها على استعادة الذاكرة وإعادة إنتاجها. ففي المحور الإبداعي والتثميني، تناولت عواطف منصور الحدود بين توثيق التراث المعماري والخلق الفني، وأهدى محمد الدلاّل الحضور نصوصًا إبداعية من وحي المدينة. وقدّمت ليلى بوبكر مقاربة مندمجة لإعادة تثمين «المدينة الفاطمية»، بينما جمع المولدي فروج بين الأدب والأنثروبولوجيا في مداخلة جعلت الذاكرة الشفهية امتدادًا للذاكرة المعمارية.
وقد بدا جليًا من خلال هذا التنوع أن المدينة حصيلة تراكب طويل بين الطبيعة والتاريخ والسلطة والثقافة والذاكرة الجماعية، لا يمكن اختزالها في بعدها العمراني أو الجغرافي وحده.
من الطوبونيميا إلى المواطنة: حين تصنع الأسماء الانتماء
وقد فتحت مداخلة الأستاذ الباهي أمامي أفقًا تأمليًا يتجاوز حدود الطوبونيميا التاريخية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء وعلاقة الإنسان بالمكان الذي يحمل اسمه. ومن هنا بالذات بدأت تتشكّل لديّ ملاحظة أراها جديرة بالنقاش التربوي والثقافي: كيف يمكن لأجيال كاملة أن تبني علاقة حية مع وطنها إذا كانت تعرف أحيانًا تاريخ إمبراطوريات بعيدة أكثر مما تعرف تاريخ مدنها وأحيائها وجهاتها؟ فبرامج التاريخ المدرسية، رغم أهميتها في بناء سردية وطنية جامعة، ما تزال تُدار ، في الغالب، بمنطق مركزي يُقصي الذاكرة المحلية أو يجعلها هامشًا ثانويًا، والحال أن المواطنة لا تُبنى فقط عبر القصص الوطنية الكبرى، بل أيضًا عبر شعور الفرد بأن المكان الذي نشأ فيه حاضر داخل السردية الجماعية للبلاد. فالطفل الذي يكتشف أن مدينته كانت ميناءً متوسطيًا مؤثرًا، أو فضاءً لعبور الحضارات، أو موطنًا لتحولات عمرانية وثقافية معقدة، لن ينظر إلى محيطه باعتباره مجرد فضاء يومي عادي، بل سيبدأ في بناء علاقة مختلفة مع المكان، علاقة قوامها المعنى والانتماء والمسؤولية.
وقد روى صديقي المنصف الخميري كيف قضى طفولته بمدرسة ميتول (Muthul) التي تأسست على أنقاض محطة سكة حديدية كان المستعمر الفرنسي يستعملها لنقل الرصاص من مناجم الطويرف، وهو اسم ظلّ مجهول الدلالة لديه لعقود، إلى أن اكتشف بعد نصف قرن في مجلة تونسية قديمة أنه يحيل إلى ساحة معركة انتصر فيها الرومان بقيادة Metellus على جيش يوغرطة سنة 111 قبل الميلاد. ورغم مجاورة مدرسته لموقعي شمتو وبلاريجيا الأثريين، لم يشرح له أحد هذه الطبقات التاريخية، وكأن المدرسة كانت تعبر فوق محيط التلميذ بدل أن تجعله مدخلاً إلى التاريخ والانتماء. وقد خلص الخميري إلى أن المفاهيم النظرية الكبرى تُبنى في أذهان الطفولة من خلال مشاريع ميدانية بسيطة، وهو ما يقتضي تمكين التلاميذ من اكتشاف خصوصيات محيطهم المباشر، تعزيزًا لشعورهم بالانتماء (المنصف الخميري، «بعض آخر من قصص الطفولة المدرسية»، جلنار، 31 جانفي 2022).
فضلاً عن ذلك، فإن من شأن مثل هذا التوجه ، إن أخذ به في إصلاح تربوي قادم، أن يعالج ظاهرة باتت واضحة ومقلقة، وهي الملل المتنامي والعزوف عن المعرفة المدرسية. إذ حين يرى التلميذ تاريخه وَجِهته ومجاله داخل ما يتعلمه، تتحول المعرفة من علاقة أداتية باردة لا تتجاوز الإعداد للامتحانات، إلى صلة انخراط حقيقية تغذّي الفضول وتُعمّق الانتماء.
ولا يعني هذا الدعوة إلى تفكيك السردية الوطنية المشتركة أو استبدالها بسرديات جهوية متنافرة، بل المقصود توسيع معنى التاريخ الوطني نفسه ليغدو قادرًا على استيعاب التنوع المحلي في داخله. فالوطن لا يعيش في العاصمة وحدها، ولا تُختزل ذاكرته في الأحداث السياسية الكبرى فقط، بل يتشكّل أيضًا من ذاكرة المدن الصغيرة، ومن تفاصيل العمران، ومن أسماء الأماكن، ومن القصص التي بقيت طويلاً خارج الكتب المدرسية.
الذاكرة، الاعتراف، والمواطنة: مثال من فرنسا
ولعل بعض التجارب العالمية تكشف بجلاء كيف يمكن لاستعادة الذاكرة المنسية أن تتحول إلى فعل اعترافٍ سياسي وأخلاقي. فعقب عرض فيلم Indigènes للمخرج رشيد بوشارب، عاد إلى الواجهة في فرنسا النقاش حول ما يقارب 233 ألف جندي من بلدان المغرب العربي، الجزائر والمغرب وتونس، جُنِّدوا عام 1943 للمشاركة في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني. قُتل الآلاف منهم، وعاش كثيرون بعد الحرب على هامش الاعتراف، فيما جُمِّدت معاشاتهم التقاعدية لعقود طويلة عقب استقلال بلدانهم. ولم يكن أثر الفيلم رمزيًا فحسب، إذ أسهم في إعادة فتح هذا الملف داخل الفضاء العام الفرنسي، مما دفع السلطات إلى مراجعة تلك المعاشات وإعادة صرفها.
وتكشف هذه الحادثة أن الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا أو حنينًا إلى الماضي، بل قد تتحول إلى قضية عدالة واعتراف ومواطنة. ومن هنا برزت داخل فرنسا نفسها أصوات أكاديمية وتربوية نادت بإدراج هذه الصفحات ضمن البرامج التعليمية، ليس فقط لتصحيح السردية التاريخية، بل لأن بناء الانتماء المشترك يقتضي أن يشعر أبناء المهاجرين وامتداداتهم الثقافية بأن تاريخهم حاضر داخل الذاكرة الوطنية لا خارجها. فالمواطنة تصبح أكثر هشاشة حين يشعر جزء من المجتمع أن تضحيات أسلافه غير مرئية، وأن قصته الجماعية لا تجد مكانًا داخل الرواية الرسمية للأمة.
خاتمة: من توثيق المباني إلى حماية الذاكرة
لهذا كله خرجتُ من ندوة المهدية بانطباع يتجاوز حدود الحدث العلمي ذاته. فالقضية ليست فقط صون المباني القديمة وتوثيق المعالم التاريخية ، رغم أهمية ذلك طبعا، بل تتعلق أيضًا بحماية الذاكرة من الاختزال والنسيان. لا يمكن بناء مواطنة متوازنة إذا شعر الناس أن تاريخهم المحلي غير مرئي، وأن أمكنتهم لا تظهر إلا في الهوامش.
وربما يكون من الضروري اليوم أن نعيد التفكير في الطريقة التي نكتب بها التاريخ المدرسي: تاريخٌ يحافظ على المشترك الوطني نعم، لكنه يفسح في الوقت ذاته مكانًا للتنوع، وللذاكرات المحلية، وللأصوات التي بقيت طويلاً خارج السردية الرسمية. فكما يحتاج المواطن إلى قصص مشتركة توحّده، يحتاج أيضًا إلى أن يرى نفسه، ومجاله، وذاكرته، داخل تلك القصص لا على هامشها.
وفي ختام أشغال الندوة، وفي سياق مأسسة هذا الحدث العلمي الذي سبق أن انعقد في صورة أولى سنة 2016، رفع المشاركون جملةً من التوصيات تعكس طموحًا حقيقيًا في تحويل هذا اللقاء من مبادرة متقطعة إلى تقليد علمي راسخ، إذ أوصوا بجعل الندوة موعدًا دوريًا يُعقد كل سنة أو سنتين، وبتأسيس لجنة علمية قارة تضمن الاستمرارية والتراكم المعرفي، والعمل على تأمين التمويل اللازم لما سيتأسس ملتقىً دوريًا متخصصًا.