تنبع الأهمية القصوى التي يوليها أغلب التونسيين للباكالوريا حسب اعتقادي من كونهم أصبحوا مُدركين تماما أن مفاتيح التغيير لم تعد بأيديهم وأن جميع ثرواتهم التي أطعمتهم من جوع على امتداد عقود، باتت مجرد “بلّوط” بالكاد تكفي لتأمين أجور وجرايات نهاية الشهر.
<strong>منصف الخميري<strong>
كما أدركوا أن حُكّامهم اليوم “على مراد الله” لم يتفوّقوا على سلفهم الطالح إلا بالإمعان في مزيد استبلاههم وإلهائهم وإيهامهم بأن الشعار أهم من محتواه ومجرد إعلانه أكثر إقناعا من العمل على إنفاذه. وعلى هذا الإدراك العفوي بنوْا منوالا جديدا لأنفسهم أهم ما يميزه تطليق الشأن العام والتوغّل في الاعتناء بالشأن الخاص من أجل ضمان البقاء على قيد الحياة بعدما كانوا ينشدون مزيدا من العيش الكريم وقدرا أكبر من الرفاه الاجتماعي… ويميّزه كذلك وضع كل الآمال والطموحات والمُدّخرات في دراسة الأبناء والحرص على تأمين أفضل مستقبل أمامهم. لذلك أصبحنا في تونس نعيش ما يشبه الحمّى والغليان الشعبي بمناسبة العودة المدرسية والجامعية واجتياز امتحان الباكالوريا ومحاولة التسجيل في أفضل المؤسسات وتخيّر أفضل المدرّسين وتلقّي بطاقات الأعداد واختيار أفضل المقاولات في مجال الدروس الخصوصية …
لذلك كانت الباكالوريا عنوانا مركزيا كبيرا في حياة العائلات التونسية ومنعرجا حاسما تُصرف في سبيله الأموال الطائلة وتشدّ فيه الأعصاب ويختزل فيه التطلّع إلى غد يتغلب على منغّصات الراهن وسياطه اللاذعة.
تحدوني الأمل من خلال هذه الورقة في تقديم بعض العناصر التقييمية الأوليّة للباكالوريا التونسية ـ خاصة أننا نعيش خلال هذه الأيام ملخّص مآلاتها المتصلة بما تُتيحه هذه العتبة المدرسية المحورية من آفاق دراسية في التعليم العالي- قصد الوقوف المتأمّل على هِناتها ومراكز قوّتها، باتجاه تعديل قد يأتي يوما…متمنّين أن لا يأتي على نحو لا ينتظره أحد ممّن ستقوم عليهم هذه التعديلات أو المراجعات المنتظرة، أي ما يسمّى في قاموس بالمحلّلين بالفاعلين التربويين كبُناة للإصلاح ومساهمين فيه وليس كمستهلكين له ومُتفرّجين عليه.
ما لاحظته شخصيا في علاقة بالظواهر الساطعة التي لا يمكن أن تكون محل تنازع يجدر تلخيصه في العناصر التالية :
أوّلا : الباكالوريا أو الاستفاقة المتأخّرة
من غير المقبول والمعقول أن يظل التلميذ التونسي يدرس إلى سنّ 19 سنة دون أن تعترضه أية محطة تقييمية رسمية وإجبارية في كامل المسار الدراسي إبتدائيا وإعداديا وثانويا، بما لا يُتيح أية فرصة أمام التلميذ وعائلته أولا حتى تُراجع طرق العمل ويتمّ التنبّه إلى الاختلالات البارزة في التكوين الأساسي أو عناصر القوّة التي يتعيّن تدعيمها ومزيد شحذها وتطويرها… وأمام المنظومة برُمّتها ثانيا حتى تُعدَّل المسارات في ضوء النتائج المحقّقة وعدم إكراه حشود بأكملها على متابعة دراسات طويلة، تتطلب صلابة في نواة التكوين الأولى وطول نفس ومشروع دراسي متبصّر يستبق مستقبل الدراسة بعد الباكالوريا.
ثانيا : لا مستقبل لباكالوريا تقوم على خارطة مُعوجّة ومتهالكة للمسالك والشُعَب في التعليم الثانوي
لم يتأكد من ذي قبل كما يتأكد اليوم ضرورة مراجعة الخارطة الحالية للشُعب والمسالك التي أضحت بالية ومتقادمة بل ومُدمّرة لأحلام أجيال بكاملها. وهو مشهد مختلّ تتورّم فيه شعب وتنتفخ فيه أخرى مقابل شعب تضمر وتنكمش وأخرى تمارس إبهارا كاذبا (مثل شعبة الإعلامية والعلوم التجريبية) لأنها تدّعي آفاقا لا توفّرها وتروم معانقة مستقبل لا تُتيح سبل الوصول إليه.
ثالثا : رُبع الناجحين في الباكالوريا هذه السنة (حوالي 15000) تقدموا هذه السنة بمطالب إعادة توجيه
أقدّر شخصيا بعشرات الآلاف عدد الذين تحصلوا على شعب دراسية في التعليم العالي لن يلتحقوا بها ولن يدرسوا فيها، إما لأن باكالوريتهم لا تمتّ بأية صلة للشعبة التي نالوها وقد نصص عليها مُكرها في استمارة التوجيه، أو فُرضت عليه بشكل جزافي لعدم توفر الشغور خارجها.
أو نظرا إلى بعد المسافات بين الموطن الأصلي والجهات التي تحتضن مؤسسات جامعية تظل تتوفر بها بعض الشغورات … أو لتأكد معاناة خريجي شعب معينة من خلال ما يتداوله الطلبة القدامى (مثل مهن التراث والعلوم الانسانية وبعض اختصاصات الاقتصاد والتصرف… )
ولو أحصينا في هذا المجال عدد الملتحقين بالتعليم العالي الخاص ومسالك مؤهل التقني السامي في التكوين المهني والمتصلين بمكاتب الوساطة للدراسة بالخارج والمشاركين في دورة إعادة التوجيه (أوت 2023 ومارس 2024 مستقبلا)، لحصلت لدينا فكرة دقيقة حول حجم الهدر الحاصل نتيجة باكالوريا رثّة في جزء كبير منها.
رابعا : منظومة وطنية للتربية والتكوين مفكّكة الأضلاع لن تقدر على الإقلاع
إن غياب المقاربة المنظومية التي تجعل من الالتحاق باختصاصات مؤهل تقني سام في التكوين المهني بعد الباكالوريا أفقا حقيقيا وواعدا أمام حاملي الباكالوريا، خاصة في مسالك التعليم الثانوي المتضمنة لبعض الأبعاد التطبيقية (وهنا أغلب المواطنين من الذين تحدثت إليهم لا يمكن إقناعهم مهما فعلت بأن هذه الشهادة تُعادل شهادة الإجازة الوطنية في التعليم العالي لا فقط من حيث فاعلية التكوين بل كذلك من حيث القيمة التنظيرية على المستوى القانوني) أضرّ كثيرا بمردودية نظامنا التعليمي وأعاق تطوّره في اتجاه نظام تتوازن فيه الأبعاد التكوينية ويسمح بالعبور لأوسع فئة ممكنة من اليافعين، مهما كانت أصولهم الاجتماعية ومستوى مكتسباتهم الأساسية نحو مجالات مهنية تحفظ كرامة روّادها.
خامسا : أزمة الباكالوريا مُضاعفة في الجهات الداخلية
لقد أصبحت لامبالاة الدولة وتقصيرها أمرا فادحا وفاضحا في حق الجهات الداخلية (والأحياء والمعتمديات الداخلية في الجهات الكبرى) التي تتدنّى فيها نتائج الباكالوريا بشكل مرعب وتتراجع فيها أعداد الملتحقين بمسالك دراسية واعدة نسبيا على نحو يبعث على الانشغال الحقيقي. وهنا يُدهشني جدا أن لا أرى وزارة أو مندوبيات أو مسؤولين يقيّمون عمق الشروخ التي أفرزتها الباكالوريا ويحاولون تفكيك ما حدث وإجراء قراءات جريئة في هذه النتائج من أجل استباق انطلاق السنة الدراسية الجديدة واجتراح بعض الحلول لمعالجة بعض التصدعات (وليس كلها) وإنقاد بعض ما يمكن إنقاذه… صادف أن تحدّثتُ إلى بعضهم : هم غير منزعجين ولا منشغلين لأنهم يعلّقون ببراعة كل الإخلالات على شمّاعة “تهميش مناطقهم المتوارث” و “ضرورة انتظار الإصلاح التربوي الوشيك” و “الطابع المركّب للأزمة”، الخ…
سادسا : أبعثوا شعبًا ذات تشغيلية عالية في الجهات الداخلية وستتغيّر المعادلة
لقد حان وقت إصلاح الوهن الذي أصاب الخارطة الجامعية التونسية والذي توارثناه منذ عقود عن توازنات سياسوية وقَبَليّة متخلفة والذي أعطى مؤسسات مرتجلة باختصاصات باهتة وبيئة جامعية ضحلة في معظم الجهات الداخلية، بما أثّر بشكل سلبي على جاذبية “الأقطاب الجامعية الجديدة” ومستوى الإقبال عليها.
لا أرى شخصيا ما الذي يمنع من بناء شراكات مُثمرة بين هذه المؤسسات الجامعية الناشئة وكبرى الجامعات العالمية، خاصة في علوم الكمبيوتر والسلامة المعلوماتية والديمومة البيئية والروبوتيك والتحوّل الرقمي والمهن الصحيّة الخ… كأحد الحلول التي من الممكن اعتمادها في سبيل إعادة الاعتبار لهذه المؤسسات المنسيّة وتجاوز واقع العزلة الجامعية والأكاديمية الذي فُرض عليها.
سابعا : منظومة التوجيه الجامعي تعمّق أزمة الباكالوريا بدلا من تذليلها
إن عدم الاطلاع على خصوصيات التكوين في التعليم الثانوي في مختلف الاختصاصات (نتيجة عدم وجود أي نوع من أنواع التنسيق بين متفقدي المواد ورؤساء اللجان القطاعية في التعليم العالي) وعدم توزيع الناجحين في الباكالوريا على عروض التكوين الجامعي بشكل أكثر نجاعة وموضوعية ومحدودية طاقة الاستيعاب في الشعب الجامعية الواعدة، والمبالغة في اعتماد المقاييس الكميّة على حساب شروط الدافعيّة والاهتمام والطموح لدى الطلبة الجدد… هي أهم سمات القصور في منظومة التوجيه القائمة حاليا حسب اعتقادي..
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …