تابعنا على

جور نار

ترييف المُدن ومهْننة التعليم العالي في تونس… وجهان لقُصور واحد (الوجه الأول)

نشرت

في

يبدو لي أننا شعبٌ عنيد ومُعتدّ بنفسه أكثر من اللزوم وبشكل أعرج لأننا ننفتح على العالم ومُنجزاته الحداثية، لكننا نسعى دائما إلى توْنستها وبدلا من إنضاجها وإكسابها طابعا محليّا يجعلها منسجمة مع خصوصياتنا ومُستجيبة لواقعنا المتفرّد، نلوي عنقها ونُرقّع آليات اشتغالها الأصلية فتضحى عناصر مُشوّهة ومُعتلّة في مشهد عام ينتظر تحوّلات كبرى تأبى أن تولد  في ديارنا (ولنا في تصميم مدننا التونسية وهندسة التعليم العالي في جامعاتنا خير تجسيم لهذا التوجه ! )

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

فمن ناحية أولى، أعتقد أنه حتى تكون المدينةُ مدينةً لابدّ من تشكّلها كفضاءٍ مجاليّ يقوم على صروح معمارية ثابتة وبِنية تحتية تستجيب للكثافة السكانية ومتطلباتها وشبكة منظمة ومنسجمة ومتكاملة من الخدمات المختلفة والأنشطة الاقتصادية والصناعية والثقافية والفضاءات الخضراء والشعور بالأمان وشبكات النقل المتطورة… ولكن عند محاولة قيس إلى أي مدى توصّلنا في بلادنا إلى تشييد مُدن تستجيب إلى الحدّ الأدنى من هذه المواصفات العامة هيكليا وعلائقيا، نصطدم بكون مدننا مازالت جنينيّة لم تستكمل نموّها كهويّات ثقافية ومجالية حضرية تُحاكي الأرياف في اخضرار فضاءاتها ونقاوة هوائها وسيلان الحركة فيها ولا تستجلب – كما هو الحال اليوم – عدم الانتظام العمراني وفوضى المرور وأتربة المسالك وتداخل العلاقات… فنسقط في ترييف مدننا بدلا من تمدين أريافنا.

ومن ناحية أخرى، ألاحظ في المقابل أن هناك نوعا من الشّبه بين واقع مُدننا المُريّفة وتعليمنا العالي الذي توغّل – خاصة مع حُلول منظومة إمد – في مهْننة مسالك التعليم الجامعي والإحلال التعسفي لتفريعات “تطبيقية” كانت الغاية المُعلنة من وراء إقرارها ربط التكوين بمقتضيات سوق الشغل ومُحاولة تطويق ظاهرة بطالة أصحاب الشهائد العليا، فكان ذلك على حساب الغائيات الأساسية لبعث الجامعات وهي تعميق المعارف العامة وتطوير البحث والتجديد وإكساب المهارات النظرية والتطبيقية العليا، كجُسور يعبُر من خلالها الخرّيجون نحو المؤسسات المُشغلة باشتراطاتها ومتطلباتها وأسرار الانتداب فيها.

سأحاول في هذه الورقة إعطاء بعض الأمثلة الملموسة عن هذا وذاك لتبيان أن هذه “الانحرافات” جعلتنا نقف في منتصف الطريق (كمن ضلّ مساره فتسمّر مكانه ولم يعد يقدر على مزيد التقدّم نحو أهدافه المنشودة) غير مُدركين لأسباب تجاوز هذا المأزق الذي خسرنا بموجبه أريافا ولم نربح مُدُنا، وأضعفنا تكوينا مهنيا ولم نكسب تعليما جامعيا راقيا بمواصفات حديثة (في جزء كبير منه على الأقل).

في مظاهر ترييف المدينة

البحث في مؤشرات الحياة الحضرية بطعم ريفي في أشباه مُدننا لا يتطلب مجهودا استثنائيا لأنه لا وجود لمسافة أو قطيعة حقيقية بين الفضاءين لا من حيث الوقت المُستغرق للمرور من وسط المدينة إلى عمق الريف، ولا من حيث تقاليد الأكل واللبس وممارسة الثقافة، وكذلك تقاليد العناية الرقابية المركّزة التي يُوليها الناس لشؤون وبُطون بعضهم البعض.

وقد أختزل هذا الواقع في العناصر التالية :

تكاد أمثلة التهيئة العمرانية (إن وُجدت) تخضع إلى إكراهات فوضى البناء الذي أتى على الأخضر واليابس. فتمّ السطو على مجاري الأودية ونهش الملك العمومي برّا وبحرا والسطو على الأرصفة وحتى على أجزاء كبرى من الأسوار التاريخية التي تُسيّج المدن العتيقة في بعض الجهات. فلا ضوابط ولا محاذير ولا قواعد واضحة يلتزم بها المتساكنون لتضمن ما يشكّل الهوية الصّلبة للمدن العصرية من جمالية وانسجام عمراني وانسياب مروري وصيانة حقوق المارّة والمُشاة والأجوار والمُتنزّهين والمتأمّلين لواجهات المباني وأخاديد المعالم القديمة للفوز بنصيب من الماضي وإحياء تاريخ الأجداد فينا.  ففي مدننا بصورة عامة، تجد شارعا كبيرا واحدا يتوفّر على ما يُشبه الاستقامة والاستجابة لمعايير حسن تنظيم الفضاء، ولكن حالما تغادره في اتجاه الأنهج الخلفية والمسالك الفرعية حتى يعمّ اللانظام والمُلتويات والمضائق الشبيهة بالممرات الغابيّة وروْثُ ذوي الحوافر والكلاب السائبة وكل ملامح البادية، في “استقالة تامة للفكر الحضري داخل المدن” كما يقول الجامعي الجزائري ميلود فروج. 

ريفيّة مُدُننا تبرز أيضا من خلال نمط السياقة الذي يتوخّاه التونسيون حيث يتصرف أغلبهم على نحو يشبه إلى حدّ كبير كمن يركض على صهوة جواد، وفق عقلية بدويّة تقوم على مبادئ “أركض يا لشهب” و “جيبو تره يا لدرع” و “الرخ لا” و “عائد بإذن الله” و “حوتة وخُمسة وڨرن غزال” و”بسم الله مرساها ومجراها” و” نورمال مْرا تسوق معطلة حركة المرور”… إضافة إلى سلوك المترجّلين الذين لا يلتفتون لا يمينا ولا شمالا لأنهم يستبطنون كونهم يتمشّون وسط الحقول الرّحبة والمراعي الخصبة.

أما علائقيا، فالجميع يعرف الجميع والتسلّل إلى حيوات الناس وخصوصياتهم مهارةٌ مشتركة يتقاسمها كل المتساكنين، وأخبار الحمْل وانقطاع الشّمل يتهامس بها المتابعون بحرص نادر، ويتشكّل في كل مقهى ما يُشبه المجلس (أو ما يُسمّى بالمُنْت في بعض جهاتنا التونسية) المتكوّن من بعض الأفراد المتجانسين من حيث السنّ والوضع الاجتماعي والملمح النفسي والشخصي، تتمثّل مهمّته المركزية اليومية في مواكبة أخبار المدينة وتعقّب كل كبيرة وصغيرة (تماما كما يفعل الأجوار في حانوت عمّ لزعر لندوشين) وفق عقلية اقتحامية تحشر أنفها في أدقّ تفاصيل حياة الناس وحميميّتهم.

ومن مظاهر البداوة التي تلتحفُ بها مُدننا القرويّة أيضا أن قيمة الوجبات الغذائية لا تُقاس بجودة مكوّناتها ورِفعة تهذيبها بقدر ما تُقيَّم وفق قدرتها على الإشباع وحجم قطعة اللّحم التي تعتلي عرش الكسكسي الأسبوعي، وأن “منسوب الارتياح العائلي” لا يستقيم له حالٌ إلا متى تجاوز الاحتياطي الغذائي لكل بيت من زيوت وعجائن وبهارات بأنواعها ومُصبّرات ومُملّحات ومُخلّلات، حدّه الأقصى المطلوب وكأن حروبا على الأبواب أو مجاعات يتعيّن أن نقرأ لها حساب. (تماما مثل الاحتياطي الوطني من العملة الصعبة وما يعادله من أيام توريد)…

أختم بهذه المقولة المعبّرة جدا عن ظاهرة ترييف المدن في منطقتنا العربية لأستاذ علم الاجتماع المصري الدكتور أحمد زايد، إذ يقول “… ثمة مظاهر عديدة تكشف وجود هذه الحالة. من أول هذه المظاهر العلاقة غير المتوازنة مع المكان الحضرى، كالشوارع أو الأماكن العامة، فهذه الأماكن يتم التعامل معها على أنها أماكن متروكة لا صاحب لها. ولذلك فإنها عرضة لأن تُستملك وأن تُلقى فيها كل صنوف المخلفات البشرية، وعلى صاحبها أن يقوم باستعادتها إذا استُملكت، أو بتنظيفها إذا اتسخت لتكون سلة مهملات عريضة”.  

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار