تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 21

نشرت

في

50 Dessins Sans Lever Le Crayon | LigneCreator

عبد الكريم قطاطة:

الرابعة آداب ـ سنّا ودراسة وسلوكا ـ اكتظّت بالاحداث ..ففي الدراسة عشنا لاول مرة التجربة الدراسية مع اساتذة مشرقيين . والذين اثّروا جدا في تكويننا السياسي ..هم مشرقيون .امّا تكوينا ..في سوريا ومصر والعراق ..او جنسية وهؤلاء كانوا فلسطينيين: نجيب سليم (انكليزية) عاكف الشهابي (كيمياء) مصطفى ابو شميس (علوم طبيعية وفيزياء) وسعيد الخضراء (رياضيات) رحم الله جلّهم ..

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

وككل الاساتذة انفرد كل واحد منهم بشخصية مختلفة تماما عن الاخر … فابو شميس كاريزما رهيبة … والشهابي هو الاستاذ البحبوح، والذي لم انس صيحته الغاضبة ونحن ندردش يوما عن الصحافة في الوطن العربي وهو يحذرنا منها قائلا: “اوعة تصدّق الصحافة يا ابني”… امّا سعيد الخضراء استاذ الرياضيات فكانت سنته معنا من نوع “فوتوني برك” اذ كنّا نشترط عليه مثلا في بداية كل حصة ان يكتب لنا حكمة اليوم ..وابحثوا معي عن العلاقة بين درس رياضيات وحكمة اليوم …؟؟؟؟

ربّما يتساءل البعض منكم عن وجود تلك المواد العلمية في شعبة آداب ..؟؟ شدّوا عندكم: .تلك المواد العلمية نجتازها في الباكالوريا كمواد اجبارية وضارب كل واحدة منها ° 2 ° … نعم …ثمّ شدّوا عندكم ثانية ..كل تلك المواد العلمية ندرسها بالعربية فيما كل مراجعها بالفرنسية …كنّا انذاك نتأفف من صعوبة الدراسة لاننا مطالبون بتكسير الدّماغ في مواد لا علاقة لنا باختصاصنا (آداب) ولكن فهمنا بعد سنوات ان التلميذ الذي يحصر اهتمامه باختصاصه فقط هو تلميذ محنّط تماما كجلّ طلبة الطب الذين خرّجهم من ميدان الطب هم افرغ من فؤاد ام موسى وعيسى وابراهيم ونوح …

فهمنا بعد تجربة العمر الطويل انه في مرحلة ما من العمر الدراسي، علينا ان نأخذ من كل شيء بطرف ..على حد تعبير الجاحظ .. وعلى ذكر الجاحظ كانت سنة الرابعة آداب سنة التحوّل المبارك …وما احوجنا في تونس الان الى تحوّل مبارك قولا وقعلا، بعد ان تحوّلت تونس الى عصابة مفسدين وسرّاق ..وقتها قد ننشد مع عمرو ابن كلثوم “اذا بلغ الفطام لنا صب، تخر له الجبابر ساجدينا” … نحن الان في وضع يسوسه فينا ومنذ 14 جانفي اناس لم يبلغوا حتى سن الفطام ..والانكى انهم يخرّون جميعا لاسيادهم شرقا او غربا ساجدين منفذين طائعين … الا سوّد الله ايّامهم بعد ان سوّدوا تاريخنا وحاضرنا. وخاصة مستقبل ابنائنا واحفادنا ..

برنامج الادب في تلك السنة كان محوره الاول الشعر الجاهلي بمعلّقاته وشعرائه ..ولأني وكما ذكر استاذي سي محسن كنت اقرب الى الرومانسية والخيال مني الى تلك النوعية من الادب (الصّلف) لم يشدّني كثيرا ذلك المحور ..ربما وجدت فقط في عنترة شاعر عبلة شيئا من وجداني، او في امرئ القيس وعمرو بن كلثوم شيئا من الافتخار وعزّة النفس، ولكن صدقا لم يستهوني انذاك لا تذمّر طرفة بن العبد من قبيلته التي افردته افراد البعير المعبّد، ولا الخنساء وبكائياتها على اخويها، ولا الحطيئة وعالمه الهجائي الذي ختمه بامه وابيه ونفسه (والنار كيف ما تلقاش اش تاكل تدور على روحها)…بل كانت مطالعاتي انذاك بعيدة تماما عن محاور الدراسة… أغرمت جدا بنجيب محفوظ ..بنزار قباني ..كنت التهم التهاما قصص نجيب محفوظ التهاما وابحث عن دواوين القباني …

كانت انذاك بداية مراهقتي الجسدية لذلك اجد في ما يكتبان ما يتناغم مع اجوائي كمراهق ..وجدّا … وكمراهق وجدّا تردّدت كثيرا في البحث عن كتاب يقال عنه هو مفتاح الحياة الجنسية لكل مبتدئ في محاولة الغوص في عالمها ..انّه الروض العاطر في نزهة الخاطر ..لست ادري وانا “شبر ونصف” طولا وعرضا، كيف اندلفت بين جموع الباحثين عن الكتب الصفراء القديمة وهي كتب شعوذة ودجل في جلّها، لأبحث بتخفّ وخجل عن هذا الصيد الثمين ..كان ذلك لدى بائع الكتب الصفراء امام الجامع الكبير في قلب المدينة العتيقة (انظروا المفارقة!) ووجدته ..ولكن كيف لي ان اطلب من بائعه ان يناولني ايّاه ..في غفلة منه وضعته في يدي بشكل يظهر منه فقط غلافه الخلفي والذي حافظ على عذريته من ايّة صورة او كلمة .. وغمغمت بصوت مرتعش: بقدّاش ها الكتاب ؟؟؟ نظر اليّ البائع ثم قال: هذاكة موش متاع صغار ..قدّاش عمرك؟ … قلت له “17 سنة” عسى ان تكون السنة المضافة الى عمري سرقة مني طبعا كافية لتسعفني وانال بغيتي ..اعاد البائع النظر الى “الشبر ونصف” وقال: نعرفك زدت في عمرك ..ايا هات دينار وخوذو ووجهك ما عادش نحب نشوفو ..

سلّمت واستلمت …وعينك ما ترى النور و يكسّر ساق اللي ما تجريش ..اشكون يعرف يتراجعشي البائع ؟؟_.وعدت فرحا مسرورا الى حافلات شركة النقل الرابضة بباب الجبلي، والتي تنتظر دورها لتدخل في الدورة اليومية من نشاط الشركة ..حافلات النقل هذه كانت بالنسبة لبعض تلاميذ الحيّ، المكان المفضّل لاستراحتنا بعد تناول الغداء بالمطعم الخيري ..حيث “دورو قلوب” 5مليمات… او دورو بلح .. وساعة من الزمن نقضيها هنالك ..

كان من بين الزملاء في الدراسة انذاك والذي اتقاسم معه المطعم الخيري وحافلة النقل لتلك الاستراحة، تلميذ معوز مثلي تماما ولكنّه من طينة خاصّة جدا … كان بسم الله ما شاء الله فلتة زمانه… فقط ساكتفي بالقول انه الاول في كل المواد العلمية والادبية ولاعب فذّ في كرة القدم ..وقليل الكلام ..واضيف انّه في تلك السنة (الرابعة ثانوي)كنا ونحن ننهال على قرطاس الڨليبات دون شفقة او رحمة… كان هذا الزميل يطالع كتابات باللغات الثلاث، عربية فرنسية وانكليزية …_ هذا الزميل واصل تميّزه في التعليم العالي (حقوق) واصبح لا فقط استاذا جامعيا في هذا الاختصاص بل تقلّد عديد المناصب العليا في عهد بن علي ..هذا الزميل الصديق الاخ تدخّل ذات يوم دون ان اطلب منه ذلك ودون ان يعلمني، لايقاف فخّ مرعب تجاهي في فترة من فترات عملي الاذاعي كانت تنصبه مجموعة من الايادي العابثة، سامح الله أصحابها وغفر لمن مات منهم… تفاصيلها في ورقات قادمة…

تدخّل وقال بالحرف الواحد: اللي يمسّ شعرة من عبدالكريم راني ما نسكتش … واوقف التيار …شكرا صادق شعبان (وهو يشغل خطة وزير انذاك) لا لأنك وقفت معي، بل لأنك اولا لم تنس وانت في برجك العاجي ايّام زمان .. ثم لأنك نصرت الحق والايام اثبتت اني على حقّ ومن نصب الفخ وقع فيه …ثم وهو الأهم لم تمنّ عليّ يوما بذلك التدخّل بل انا متيقّن انّك لست على علم بانّي أعلم ..الم اقل لكم انه متميّز …شكرا ايّها الكبير ودمت كبيرا رغم انف خصومك ….

اسرعت اذن الى حافلة النقل الرابضة في انتظاري وفتحت الكتاب بكل لهفة ..لم انتبه لا لكاتبه ولا الى اصله او فصله ..كان كل همّي ان “ادخل طول” في صميم الموضوع دون مقدمات دون مفتحات، وهل في مثل هذه الحالات نبحث عن مفتحات؟؟ ..مهبول اللي يلقى مريقة صفاقسية ويلوّج على سلاطة… مهبول ابن ابله …._هو كتاب به 21 بابا …(على فكرة هذه المعلومات اسوقها لكم بعد ان اعدت قراءته بنوستالجيا في سنوات متقدمة من عمري حيث اصبح ثمنه 3500 ملّيم وتعبت حتّى اجد نسخة منه، لاطالعه هذه المرّة كناقد … صدّقوني كناقد) …. هو للعالم العلّامة الشيخ سيدي محمد بن محمد النفزاوي …. {اتصوّروا عاد شيخ وعالم وعلاّمة وزيدها سيدي)..

يقول المؤلف في تقديمه للكتاب حرفيّا: (الحمد لله الذي جعل اللذة الكبرى للرجال في فروج النساء وجعلها للنساء في ايور الرجال واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة ادّخرها ليوم الانتقال واشهد ان سيّدنا ونبيّنا ومولانا محمدا عبده ورسوله سيّد الارسال صلّي الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما ادّخرها ليوم السؤال وعند ملاقاة الاهوال)… لست ادري صدقا ان كان يقصد يوم الاهوال في المطلق او يوم اهواله هو ؟؟؟… (وبعد فهذا كتاب جليل الّفته بعد كتابي الصّغير المسمّى بتنوير الوقاع في اسرار الجماع) ..ـ ظهر مختص هالنفزاوي هذا !… يواصل بعد هذا الفاصل الاشهاري من عند ولد قطاطة وذلك انه اطّلع عليه …شدّوا احرزمتكم توّة الضّرب ماشي يبدأ … برشة اشهار تقولو انتم ؟؟؟ طيّب اعتذر عن هذا الانقطاع الدّاخل في مساطتنا واعود ..

(وذلك انه اطّلع عليه وزير مولانا عبدالعزيز صاحب تونس المحروسة بالله وهو الوزير الاعظم كان شاعره ونديمه ومؤنسه اصله من زوارة ومنشأه بالجزائر ، ارتحل مع مولانا السلطان عبدالعزيز الحفصي وجعله وزيره الاعظم) …يعني انجمو نقولو عليه توة وزير المغرب العربي في شؤون النكاح … (لمّا وقع كتابي الاول بين يدي وزيره الاعظم دعاني اليه واكرمني غاية الاكرام ثم علّق على كتابي وهو بين يديه وانا كلّي خجل) … لا تخجل فان جميع ما قلته حق وهو والله ما نحتاج لمعرفته ولا يهزأ به الا جاهل احمق قليل الدراية ولكن بقيت لنا فيه مسائل ..اريدك ان تزيدنا فيه شروحا عدّة فتذكر لنا الادوية المتعلقة بكل ما يهم الرجل والمراة في تركيبة الاعضاء الجنسية وفي السبل المثلى للوصول الى المتعة وبتوسّع دون اختصار … فاصل واعود …

على فكرة لم انقل لكم حرفيا ما ذكره سي النفزاوي … ربما هنالك من لم يحترم التنويه الخاص والذي ذكرت فيه انه بداية من الورقة 21 ستكون الكتابة لمن سنهم تتجاوز الـ 18 واعني بهم من لا يستسيغون قراءة مثل هذه المواضيع حتى ولو هم في السبعين، او قل هم يعرفون ويستسيغون ثم يريدون ان يكونوا ابطالا في تعاليق لا عقل فيها …وانا اذكر بانّي اكتب لادوّن ما عشته وليس ما يحبّ الاخر ان يقرأه ..اجاب سي النفزاوي ليختم تقديم الكتاب، مخاطبا الوزير الاعظم: (كل ما ذكرته ليس بصعب ان شاء الله .. فشرعت عند ذلك في تاليفه مستعينا بالله ومصلّيا على سيّدنا محمد ومسلّما تسليما وسمّيته الروض العاطر في نزهة الخاطر ..متبوعا بـ “الايضاح في علم النكاح” )..

يومها في الحافلة لم احفل بكلّ هذا “ديراكت” …مشيت للرسمي ..يومها لم احضر الدروس المبرمجة للمساء رغم اني لم اغب ..تصوروا فقط شابا في طمبك المراهقة يقع بين يديه كتاب بورنوغرافي بأتم معاني ودرر الكلمة ..هو خال من الصور التي وجدت بعد في المجلات الاباحية ثم في الافلام نصف الاباحية ثم “عاد ماقال حد لحد” في جيل الانترنيت وعلى كل لون يا كريمة وعلى اشكون ترضى … لكن صاحبنا سي النفزاوي يمتلك مقدرة رهيبة في التعبير كتابيا عن كل مشهد جنسي وبتفاصيل التفاصيل ..انذاك كنا نحن جيل ذلك الزمن اواسط الستينات نلجأ الى الكتاب لنعبد قراءة بعض ابوابه بتخفّ كامل عن اعين الرقابة العائلية او المدرسية وذلك لنعدّ العدّة لعادتنا السرّية . ثم في مرحلة لاحقة قبل الالتحاق بالباب الشرقي ومتساكنيه … و”آهو جاي الشيء” …

ولعلّي اختم بطرح السؤال ..هل من حقّ الانسان عموما ان يطّلع على اسرار الحياة الجنسية حتى نتفادى عديد الاشكاليات في علاقة الزوج بزوجته، والتي ونظرا إلى انعدام الثقافة الجنسية كثيرا ما خلّفت مآسي بشتى انواعها معنوية وجسدية ..؟؟؟؟ حتما ساعود الى الموضوع باكثر نماذج معيشة في هذا الباب ..وبكثير من انين البعض وألمهم ومعاناتهم المضنية . والذين كثيرا ما ينفجرون بصرخة مدوية ضد واقعهم، فـ”يبعثوا العالم يشيّت” بينما يكتفي البعض بالترنّم والقلب باك مع ام كلثوم “للصبر حدود”. ويعودون الى مخادعهم ولا شيء معهم الا كلمات …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار