غدا نستقبل الليالي السود…وغدا قد يخرج علينا بعضهم… يهللون ويرقصون…ويفاخرون بما أتوه وأنجزوه…أقول سيخرج علينا هؤلاء وبعض هؤلاء يفاخرون بالحدث الأكبر وبيوم القربان…
ألم يرسلوا “البوعزيزي” مخمورا ـ حسب ما يقوله البعض ـ إلى خالقه بهدف إسقاط بن علي من عرش قرطاج…واليوم وبعد أن احتضن الله بن علي قريبا من الحرمين… يسأل ربّه ليلا نهارا…اليوم وقد مكّن الله بن علي قبل وفاته من فرصة التوبة النصوح قريبا منديار الأنبياء والرسل…أسأل هؤلاء ومن يولول وراء جحافلهم ماذا كسبتم بربّكم…وماذا كسب الوطن ؟؟؟
لم أر شيئا مما كنتم تنتظرون…فأوضاع البلاد ساءت عن قديمها…وأكاذيب الوطن غلبت حقائقها…ألم يصبح الظلم والاعتداء حقّا وقانونا…ألم تصبح الحريّة هتكا للأعراض وسبّا وشتيمة…ألم تصبح الرذيلة والغرف المظلمة…والمؤامرات…والسفر إلى السفارات ديمقراطية…ألم يصبح جهل بعضهم حضارة وتاريخا…سيقول بعض هواة الهراء والبصاق على الأرصفة إنه زمن الحريّة والديمقراطية…وسأقول أين هي الحرية…وأين ترون الديمقراطية؟؟ هل رفعنا المظالم أم ضاعفنا عدد من يكتوون بنارها؟؟ هل أنصفنا من ظلمناهم وسلبناهم حرياتهم واتهمناهم بما ليس فيهم وبما لم يأتوه، أم أضفنا أجنحة أخرى إلى سجوننا؟؟ هل مكّنّا العاطلين عن العمل مما خرجوا من أجله يصرخون ويطالبون، أم أرسلناهم طعاما لحوت المتوسط؟؟ هل نسينا الأحقاد أم سقيناها واشعلنا فتيل الفتنة والكراهية والانتقام؟؟
عن أية ديمقراطية تتحدثون؟؟ ديمقراطية الحقد والثأر والانتقام وضرب الخصوم؟؟ أم ديمقراطية نقرأ عنها في الكتب ولا نعرف طعمها ولا رائحتها؟؟ ديمقراطية التفقير والتجويع…أم ديمقراطية الصراخ والهراء…ديمقراطية قبول الآخر ورأي الآخر…أم ديمقراطية رفض الآخر وكتم صوت الآخر والتخلّص من الآخر وعرقلة مسيرة الآخر؟؟ ديمقراطية الثأر ممن سبقونا في الحكم ونجحوا…ديمقراطية “القتل” دون بندقية ودون رصاص…القتل برصاص اليأس والحسرة والندم والإحباط وطول الانتظار…القتل بالتقسيط المريح دون سفك الدماء…أتعتبرون هذه ديمقراطية؟؟؟ أتدرون يا من تجاهرون بصراخكم أن الوجه الحقيقي لما تعيشونه اليوم وبالأمس ومنذ دخول الليالي السود من ذلك الشهر الذي شُهر بالفوضى والغضب، أسوأ من الوجه الذي كنتم تعارضونه وتطالبونه بالتنحّي…أتدرون أن وجعنا اليوم أكثر من ألم الأمس بكثير…
فاليوم وأنت تجوع… قد تذهب إلى فراشك خاوي البطن…فتتقلب يمنة ويسرة بحثا عن نوم هارب من ديمقراطية مزيّفة…وقد تتّهم من بعضهم بالتخطيط للانقلاب لمجرّد أنك انقلبت يمنة تحاول لمس زوجتك ليلا… ويسرة وأنت تحاول جاهدا الفوز بقبلة تعيد الروح إلى التي غلبها النوم وأنساها ما كانت تخطط له وهي تطبخ لك عشاء فاخرا مليئا بتوابل تحيي العظام وهي رميم ؟؟ أتدري أن بعض من يفاخرون بالديمقراطية قد يعتبرون حركتك تلك مشبوهة…وقد يعتبرون تأوهك جوعا، تحريضا على الفوضى وتأليبا للرأي العام…نحن لا نريد ديمقراطية وحرّية تقتلنا جوعا…نحن لا نريد حريّة الصراخ وبطوننا خاوية…نريد ان نفتح أفواهنا لنشبع من جوع…ونفتح افواهنا لنقول ما نريد في ما نريد ومتى نريد دون ان تُغلق أفواهنا بلجام من حديد…فقد نفقد القدرة على الصراخ يوم يشتدّ جوعنا…ونموت…من فرط استهلاكنا للديمقراطية…لا تظلموا التاريخ…فأنتم ولا استثني أحدا بصقتم على التاريخ حقدا…لأنكم لم تكونوا فيه…فعاقبكم حاضركم حين نسيتموه واكتفيتم بالالتفات إلى الوراء…فأنتم تفاخرتم بما ليس في حاضركم وانتقمتم مما لم تنجزوه…فقليلا من الصمت وتعالوا معا نفكّر كيف نصنع مستقبلا أفضل…للوطن…ولنا جميعا…دون استثناء…
جميعنا ظَلَمْنَا التاريخ وظُلِمْنا منه أيضا…جميعنا حقدنا على بعضنا البعض وانتقمنا من بعضنا البعض…وأقصينا بعضنا البعض…وكتمنا أصوات بعضنا البعض…ولم نفكّر في تبعات ما اتيناه…لا أحد منّا أتى ما أتاه نلسون مانديلا وقال “يكفي حقدا تعالوا إلى حيث نتفق جميعا”…لا أحد منّا فكّر يوما في أن يقترب من الآخر ويعرف الآخر ومحتوى الآخر…اكتفينا بقراءة ما جاء في الغلاف…ولم نفتح لبعضنا وعن بعضنا الكتاب…أيعلم أحدكم أنه في الدانمارك توجد مكتبات لاستعارة الأشخاص عوض الكتب…اشخاص تجالسهم لمدّة ثلاثين دقيقة قد تستمتع…وقد تبكي….وقد تتألم وانت تستمع إلى قصّة حياتهم وما يعيشونه…من هؤلاء من يكون عنوانه في صفحة الغلاف “لاجئ” والآخر “عاطل ومعوز” والآخر “فقير مسكين” هؤلاء لو اعترضوك ما كنت تعرف ما يعانونه…وما كنت تعرف مأساتهم…وما كنت تعرف ما هو مكتوب على صفحاتهم…لأننا اكتفينا كما نكتفي ومنذ دخول الليالي السود بقراءة ما جاء في الغلاف…ولم نفتح الكتاب لنقرأ ما جاء فيه…فحكمنا على بعضنا البعض مما جاء في العنوان وصورة الغلاف ونسينا ان نعرف الحقيقة…كل الحقيقة من داخل الكتاب…هذا المشروع مبتكر ورائع وينشط اليوم في اكثر من خمسين دولة فهلاّ فتحنا مكتبات انسانية للاستماع إلى بعضنا البعض…لمعرفة بعضنا البعض…لقراءة وجع بعضنا البعض…عوض الحكم على بعضنا البعض من خلال غلاف شاحب وعنوان لا حياة فيه…
ختاما أقول ماذا فعلنا بما يسمونها ثورة؟؟ هل كنّا حقّا في حاجة إلى ثورة تُحيي الأحقاد وتشعل فتيل الفتنة والكراهية والتفرقة والانقسام…ألسنا شعبا واحدا لا يصل عددنا إلى من يدخلون القاهرة نهارا…أو من يقطنون شنغهاي في الصين؟؟ أهذا ما نريد ان نتركه ونورثه لأجيالنا القادمة…لأحفادنا…أهذا ما نريد حقّا ان يكتب في كتب التاريخ ليقرأه أحفادنا بعد مئات السنين؟؟ أهذا ما ورثناه نحن من أهلنا الذين قاوموا الاستعمار وتركونا شعبا واحدا يرنو إلى البناء والتشييد والتحديث والخروج من الجهل والخصاصة؟؟ ماذا سيقول أحفادنا غدا حين يعرفون ما أورثناهموه…؟؟
سيكتبون في صفحات كتبهم “لم نرث شيئا أكثر من الخسائر والمآسي والخراب…”، فهل التفتنا حقّا إلى مستقبل البلاد والعباد…لا…هل انشغلنا بالبناء عوض الانشغال بالهدم…لا…هل واصلنا البناء وإعادة الأعمار بعدما حصل في البلاد من دمار…لا…نحن، ولأن منسوب الحقد ارتفع عند بعضنا لم نلتفت لغير الهدم…فمنذ يومنا الأول من مرحلة الليالي السود التي طالت وانقلبت إلى سنوات من السواد لم نفكّر في غير هدم بناء من سبقونا وعدم الاعتراف باي منجز من منجزاتهم…وكأننا لم نعش تحت سقف ذلك البناء…وكأننا لم نصرف العرق والمال من أجل ذلك البناء…انشغلنا بالهدم ونسينا البناء…وأفرطنا في التخريب ونسينا الإصلاح….
حرقنا مراكز الأمن وكأن الأمن ليس أمننا…حرقنا مقرّات الأحزاب ومؤسسات الدولة…وكأنها ليست لنا ولم يبنها أهلنا…نهبنا مؤسساتنا التجارية وكأنها ليست في أرضنا…وشيطنّا ساستنا وكفاءاتنا وعلماءنا واسود امننا وجيشنا وكأنهم ليسوا من أهلنا…وظلمنا الآلاف من بعضنا وكأنهم من أعدائنا…واتهمنا الآلاف من بعضنا بما ليس فيهم فقط لانهم ليسوا من أتباعنا…واليوم ونحن نرى كل هذا الخراب…وكل هذا الظلم وتبعاته…هل بقي لنا ما نهدمه…هل بقي أحد لم نظلمه؟ هل حان الوقت لنستفيق من “سكرة” بعضنا… قبل أن يأخذنا حقدنا نحو حتفنا…ويسقط السقف على رؤوسنا جميعا…تعالوا نعد البناء…مع بعضنا…دون ظلم… دون أحقاد…دون اقصاء… تعالوا إلى حيث يكون “الحبّ” عنوانا لكتابنا…تعالوا ندفن أحقادنا فنحن لا نريد ان يقرا أحفادنا قصيدة نزار “مسافرون”…لا نريدهم أن يقرؤوا ما جاء فيها ولا يعيشوا ما جاء فيها…ولا يكتبوا مثل ما جاء فيها…ألم يقل نزار ذات يوم…
“نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة
ومن طنجة الى عدن
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن
وحولنا أولادنا احدودبت ظهورهم وشاخوا
وهم يفتشون في المعاجم القديمة
عن جنة نضيرة
عن كذبة كبيرة… كبيرة
تدعى الوطن
أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا
ولا الذين يشربون الدمع والشقاء
معتقلون داخل النص الذي يكتبه حكامنا
معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا
معتقلون داخل الحزن…وأحلى ما بنا أحزاننا
مراقبون نحن فى المقهى…وفى البيت
وفى أرحام أمهاتنا
لساننا…مقطوع
ورأسنا…مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تظلمنا إلى حامى الحمى قيل لنا: ممنـــوع
وإذا تضرعنا إلى رب السماء قيل لنا: ممنوع
وإن هتفنا…يا رسول الله كن فى عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة قبيل أن نموت شنقاً
غيروا الموضوع
يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية…”
تعالوا لنكون فقرة جميلة…سعيدة في كتب التاريخ…تعالوا إلى حيث لا يخجل أحفادنا من تاريخ اجدادهم…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.