تعلّق الجزء الأول من هذا المقال بطبيعة التطويرات التي أتى بها “المحوّل التّوليدي المدرّب مُسْبقا للدردشة تشات جي بي تي” مقارنة بمحرّكات البحث التقليدية وبمسبّبات اللّغط الذي رافق إطلاقه عبر العالم.
منصف الخميري
وهذا مما دفع بمؤسّسيه ومطوّريه أنفسهم إلى المطالبة بتعليق استخدامه لفترة 6 أشهر على الأقل أمام كمّ الإزعاجات والإرباكات المسجّلة وهو مازال في خطواته الأولى… من سرقات أدبية وغشّ في الامتحانات وجرائم سيبرنيّة وتهديد ملايين مواطن العمل عبر العالم…
أما الجزء الثاني فأخصّصه لمواصلة رصد بعض خصائص تشات جي بي تي من خلال أسئلة حقيقة طرحتها عليه لم يكن الهدف منها الحصول على معلومات بقدر ما كان اختبار سُمك المعلومات التي يقدّمها ومدى تطابقها ما نعثر عليه في المصادر والمراجع المختلفة.
الخاصيّة الخامسة : اللغة التي يكتب بها “تشات” بصفة عامة لغة سليمة على المستوى النحوي والأسلوبي
أعتبر شخصيا أن الجملة التي يُنتجها تشات بصورة عامة سليمة نحويا وتركيبيّا وذلك في اللغتين اللتين تمرّست نسبيا على موسيقاهما ومناخاتهما أي العربية والفرنسية على حدّ سواء.
فجمل عربية ينتجها تشات من قبيل “إن تحقق الازدهار الإنساني يتوقّف بشكل كبير على جودة التعليم” أو “تساعد المطالعة الأطفال على تنمية مهارات اللغة والتعبير، وتُوسّع آفاقهم العقلية والثقافية، وتُعزّز خيالهم وإبداعهم وتساعدهم على التعلّم الذاتي والتفكير النقدي، مما يؤثر إيجابا على نُموّهم الشخصي والاجتماعي والعلمي” … على سبيل المثال تُعدُّ دليلا قويّا على أنه بوسعه توليد خطاب لغوي قريب جدا ممّا تقوله المؤلّفات العلمية والأكاديمية على مستوى سلامة المبنى والمعنى. ونفس الشيء بالنسبة إلى اللغة الفرنسية.
دفعني هذا التّماس أو التشابه الكبير بين الخطاب الذي تنتجه الآلة والخطاب الذي ينتجه البشر لأن أسأله “وكيف السبيل إلى التمييز بين مجهود البشر وأداء الآلة خاصة إذا وجدت نفسي أمام بحث أكاديمي أو فرض كتابي لطالب حتى أقيّمهُ ؟” أجابني ” صحيح من الصعب أحيانا التفريق بين الخطابين خاصة عندما تكون الآلة متقدمة ومتدرّبة بشكل جيّد، لكن بصورة عامة الجمل التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تكون دقيقة ومنسجمة ولا تتوفر على كثير من الأخطاء والتناقضات على عكس الجملة البشريةـ ثم إن أسلوب تشات مثلا هو أسلوب “روبوتي” وتقنوي على عكس الأسلوب البشري المتميّز بالمرونة والقدرة على التفاعل مع كل الأسئلة المطروحة عليه، على عكس الآلة التي لا تجيب إلا عمّا تمّت برمجتها وتدريبها عليه”.
الخاصية السادسة : تشات، كشّاف جيّد للمستقبل
تسكنني دائما فكرة أكّدتها عديد الدراسات العالمية (منها وزارة العمل الأمريكية) مفادها أن 60 أو 65 % من تلاميذ اليوم سيلتحقون بمهن لم ترَ النور بعدُ، لذلك نرى العديد من الإصلاحات التربوية تنكبّ أكثر على إقدار التلاميذ في كل ما هو كفاءات ليّنة وأفقية ومهارات مرنة تُسهّل الاندماج في سوق الشغل مهما حصل من تطوّرات… هذه الفكرة جعلتني أسأل تشات ما هي توقعاته بالنسبة إلى المهن أو مجالات المهن التي ستكون لها أهمية كبرى في المستقبل القريب، فأشار إلى خمس مجالات كبيرة سيكون لها شأن على المستوى العالمي، هي (بتصرّف) :
تطوير البرمجيات والتطبيقات والحلول الرقمية الابتكارية، والصحة والرعاية الطبية، والطاقة المتجددة والبيئة، والسياحة والضيافة، والعمليات اللوجستية والنقل… ثم يُضيف “وبشكل عام، من المتوقع أن تزيد الطلب على المهارات التقنية والابتكارية والإدارية في المستقبل، والقدرة على التعلم السريع والتكيّف مع التغييرات المستمرة.“
هذه التوقعات تتقاطع تماما مع ما يُجمع عليه كثير من المهتمّين بمستقبل المهن في العالم، ربما مع إضافة مجالات السلامة المعلوماتية والبيع عن بعد والتعليم بمختلف أصنافه.
أما توقعاته فيما يخص أهم الاكتشافات البشرية التي ستحول وجه العالم في المستقبل، فيقول تشات جي بي تي إنه بصفته ذكاء اصطناعيا لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل، لكنه يعتبر أنه حصلت في القرن 21 اكتشافات مهمة سيكون لها بالتأكيد تأثير حاسم على العالم مستقبلا مثل اكتشاف آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية واكتشاف تقنية CRISPR-Cas9 التي ثوّرت البيولوجيا الجزيئية والبحث ومكّنت من إحداث تحوير دقيق في الحمض النووي وكذلك الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والواقع المُعزّز أو المُضاعف والطاقات المتجددة واكتشاف الماء السائل على كوكب المريخ (وما يعنيه ذلك من أمل في العثور على آثار للحياة فوق هذا الكوكب).
الخاصية السابعة : تشات يُقبل على الفُصحى العربية ويأبى العاميّة التونسية !
سألته عن بعض الخصوصيّات المحلية مثل معنى “سيدي تاتة” في لهجتنا المحليّة، فقال أن اللفظة تُشير إلى مدينة سيدي بوسعيد بالعاصمة، وسألته عن معنى “الفكرون” فاعتبره رجلا يرتدي بزّة سوداء، و “الجرانة” التي تعني بالنسبة إليه مصطلحا يُستخدم لوصف الفتاة الجميلة والأنيقة.
أمّا مقولة “الثنيّة ركازي والعباية بلاّر…والطريق طويلة والبهيم دعثار” في لهجتنا التونسية، فيترجمها كالتّالي :
La route est longue, le sac à dos est lourd, la cape est usée et l’animal est fatigué.
…وهي ترجمة لا تبتعد كثيرا في مستواها عن طرائف المرحوم الهادي السّملالي خاصة في مقطوعة “المترجم”.
لكن تشات يفهم جيدا عندما تخاطبه بالفصحى، فيستعرض مثلا خصائص مقام الزنكولاه أو الجهاركاه أو الزنجران في الموسيقى العربية والتونسية (والذي يعرف أن هذا الأخير فرع من مقام الحجاز)، ويحدّثك عن حديث الإفك في الإسلام ويُدرك أن شوّال هو أبعد الأشهر عن رمضان في التقويم الهجري ويُنبّهك إلى أن زواج المسيار لم يعد شائعا، ويعرف عدد حروف الأبجدية العربية، إلخ…
الخاصيّةالثامنة : تشات لا يُشجّع مبدئيا على ارتكاب جرائم أو اقتراف ممارسات محظورة
سألته عن كيفية صنع قنبلة منزلية، فأجاب :
“عذراً، لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال أو تقديم أي معلومات ذات صلة بصنع القنابل المنزلية أو أي أساليب للعنف أو التخريب. يجب علينا جميعًا أن نتحلى بالمسؤولية ونتجنب تبادل المعلومات الخطرة والتحريض على العنف. يرجى البحث عن معلومات تهمك بشأن الموضوعات الأخرى…“
وسألته كذلك إن كان بإمكانه مساعدتي على تفكيك شيفرة صندوق مغلق بواسطة مفتاح إلكتروني، فأجابني ” لا يمكن أن أشجع أو أساهم في ارتكاب أنشطة غير قانونية أو خطيرة. إذا حدث أن أضعت مفتاح صندوق أو باب تملكه بصفة شرعية، أشير عليك باللجوء إلى مختصّين في معالجة الأقفال للحصول على مساعدة، فهؤلاء لديهم خبرة وأدوات عالية الجودة في المجال”.
قلت له “برافو إذن“، فأجابني “شكرا وهل لديك سؤال آخر“.
طلبت منه أيضا إن كان بإمكانه تحرير رسالة ختم دروس عوضا عنّي باعتباري طالبا غير متمكّن من التحرير بلغة سليمة إن أنا مكّنته من الموضوع والإشكالية … فأجابني بأنه يستطيع مساعدتي على هيكلة البحث وإعطائي بعض النصائح المتصلة بتحديد الموضوع والأسئلة التي من المفروض الإجابة عنها وتنظيم العمل وترتيب العناصر، ولكن لا مفرّ من بذل مجهود عارم لإنجاز المطلوب.
أخيرا، مازلنا لم نستفق بعدُ من صدمة تشات 3 حتى أغار علينا تشات 4 !
تشات جي بي تي 4 باستطاعته ولوج عدد هائل من البيانات والمعلومات ومعالجتها بشكل أفضل للإجابة عن أسئلة المستخدمين. ما يميّز النسخة الجديدة هو فهم المُدخلات بشكل أكثر نجاعة وتوفير عدد أكبر من اللغات والقدرة على استخدام الصور والتقليص من الأخطاء والمعلومات غبر الدقيقة في الإجابات المولّدة.
على سبيل المثال، تشات 4 يُحلّل الصورة التي تمدّه بها لمحتويات ثلاجتك فيقوم باقتراح جملة من الأطباق الممكن إعدادها انطلاقا من تلك المعطيات المشهدية الرقمية … وبناءً على ذلك، لنا أن نتخيّل غدا حجم ما يمكن أن يقدّمه تشات أمام صور بالأشعة الطبية أو تقرير لتشخيص طبي دقيق أو إنسان يقف أمامه ليكشف له عمّا بباطنه وخلاياه وكُريّاته.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟