تابعنا على

جور نار

جرّبتُ لكم شات جي بي تي (2/2)

نشرت

في

تعلّق الجزء الأول من هذا المقال بطبيعة التطويرات التي أتى بها “المحوّل التّوليدي المدرّب مُسْبقا للدردشة تشات جي بي تي” مقارنة بمحرّكات البحث التقليدية وبمسبّبات اللّغط الذي رافق إطلاقه عبر العالم.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

وهذا مما دفع بمؤسّسيه ومطوّريه أنفسهم إلى المطالبة بتعليق استخدامه لفترة 6 أشهر على الأقل أمام كمّ الإزعاجات والإرباكات المسجّلة وهو مازال في خطواته الأولى… من سرقات أدبية وغشّ في الامتحانات وجرائم سيبرنيّة وتهديد ملايين مواطن العمل عبر العالم…

أما الجزء الثاني فأخصّصه لمواصلة رصد بعض خصائص تشات جي بي تي من خلال أسئلة حقيقة طرحتها عليه لم يكن الهدف منها الحصول على معلومات بقدر ما كان اختبار سُمك المعلومات التي يقدّمها ومدى تطابقها ما نعثر عليه في المصادر والمراجع المختلفة.

الخاصيّة الخامسة : اللغة التي يكتب بها “تشات” بصفة عامة لغة سليمة على المستوى النحوي والأسلوبي

أعتبر شخصيا أن الجملة التي يُنتجها تشات بصورة عامة سليمة نحويا وتركيبيّا وذلك في اللغتين اللتين تمرّست نسبيا على موسيقاهما ومناخاتهما أي العربية والفرنسية على حدّ سواء.

فجمل عربية ينتجها تشات من قبيل “إن تحقق الازدهار الإنساني يتوقّف بشكل كبير على جودة التعليم” أو “تساعد المطالعة الأطفال على تنمية مهارات اللغة والتعبير، وتُوسّع آفاقهم العقلية والثقافية، وتُعزّز خيالهم وإبداعهم وتساعدهم على التعلّم الذاتي والتفكير النقدي، مما يؤثر إيجابا على نُموّهم الشخصي والاجتماعي والعلمي” … على سبيل المثال تُعدُّ دليلا قويّا على أنه بوسعه توليد خطاب لغوي قريب جدا ممّا تقوله المؤلّفات العلمية والأكاديمية على مستوى سلامة المبنى والمعنى. ونفس الشيء بالنسبة إلى اللغة الفرنسية.

دفعني هذا التّماس أو التشابه الكبير بين الخطاب الذي تنتجه الآلة والخطاب الذي ينتجه البشر لأن أسأله “وكيف السبيل إلى التمييز بين مجهود البشر وأداء الآلة خاصة إذا وجدت نفسي أمام بحث أكاديمي أو فرض كتابي لطالب حتى أقيّمهُ ؟” أجابني ” صحيح من الصعب أحيانا التفريق بين الخطابين خاصة عندما تكون الآلة متقدمة ومتدرّبة بشكل جيّد، لكن بصورة عامة الجمل التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تكون دقيقة ومنسجمة ولا تتوفر على كثير من الأخطاء والتناقضات على عكس الجملة البشريةـ ثم إن أسلوب تشات مثلا هو أسلوب “روبوتي” وتقنوي على عكس الأسلوب البشري المتميّز بالمرونة والقدرة على التفاعل مع كل الأسئلة المطروحة عليه، على عكس الآلة التي لا تجيب إلا عمّا تمّت برمجتها وتدريبها عليه”.

الخاصية السادسة : تشات، كشّاف جيّد للمستقبل

تسكنني دائما فكرة أكّدتها عديد الدراسات العالمية (منها وزارة العمل الأمريكية) مفادها أن 60 أو 65 % من تلاميذ اليوم سيلتحقون بمهن لم ترَ النور بعدُ، لذلك نرى العديد من الإصلاحات التربوية تنكبّ أكثر على إقدار التلاميذ في كل ما هو كفاءات ليّنة وأفقية ومهارات مرنة تُسهّل الاندماج في سوق الشغل مهما حصل من تطوّرات… هذه الفكرة جعلتني أسأل تشات ما هي توقعاته بالنسبة إلى المهن أو مجالات المهن التي ستكون لها أهمية كبرى في المستقبل القريب، فأشار إلى خمس مجالات كبيرة سيكون لها شأن على المستوى العالمي، هي (بتصرّف)  :

تطوير البرمجيات والتطبيقات والحلول الرقمية الابتكارية، والصحة والرعاية الطبية، والطاقة المتجددة والبيئة، والسياحة والضيافة، والعمليات اللوجستية والنقل… ثم يُضيف “وبشكل عام، من المتوقع أن تزيد الطلب على المهارات التقنية والابتكارية والإدارية في المستقبل، والقدرة على التعلم السريع والتكيّف مع التغييرات المستمرة.

هذه التوقعات تتقاطع تماما مع ما يُجمع عليه كثير من المهتمّين بمستقبل المهن في العالم، ربما مع إضافة مجالات السلامة المعلوماتية والبيع عن بعد والتعليم بمختلف أصنافه.

أما توقعاته فيما يخص أهم الاكتشافات البشرية التي ستحول وجه العالم في المستقبل، فيقول تشات جي بي تي إنه بصفته ذكاء اصطناعيا لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل، لكنه يعتبر أنه حصلت في القرن 21 اكتشافات مهمة سيكون لها بالتأكيد تأثير حاسم على العالم مستقبلا مثل اكتشاف آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية واكتشاف تقنية CRISPR-Cas9 التي ثوّرت البيولوجيا الجزيئية والبحث ومكّنت من إحداث تحوير دقيق في الحمض النووي وكذلك الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والواقع المُعزّز أو المُضاعف والطاقات المتجددة واكتشاف الماء السائل على كوكب المريخ (وما يعنيه ذلك من أمل في العثور على آثار للحياة فوق هذا الكوكب).

الخاصية السابعة : تشات يُقبل على الفُصحى العربية ويأبى العاميّة التونسية !

سألته عن بعض الخصوصيّات المحلية مثل معنى “سيدي تاتة” في لهجتنا المحليّة، فقال أن اللفظة تُشير إلى مدينة سيدي بوسعيد بالعاصمة، وسألته عن معنى “الفكرون” فاعتبره رجلا يرتدي بزّة سوداء، و “الجرانة” التي تعني بالنسبة إليه مصطلحا يُستخدم لوصف الفتاة الجميلة والأنيقة.

أمّا مقولة “الثنيّة ركازي والعباية بلاّر…والطريق طويلة والبهيم دعثار” في لهجتنا التونسية، فيترجمها كالتّالي :

La route est longue, le sac à dos est lourd, la cape est usée et l’animal est fatigué.

…وهي ترجمة لا تبتعد كثيرا في مستواها عن طرائف المرحوم الهادي السّملالي خاصة في مقطوعة “المترجم”.

لكن تشات يفهم جيدا عندما تخاطبه بالفصحى، فيستعرض مثلا خصائص مقام الزنكولاه أو الجهاركاه أو الزنجران في الموسيقى العربية والتونسية (والذي يعرف أن هذا الأخير فرع من مقام الحجاز)، ويحدّثك عن حديث الإفك في الإسلام ويُدرك أن شوّال هو أبعد الأشهر عن رمضان في التقويم الهجري ويُنبّهك إلى أن  زواج المسيار  لم يعد شائعا، ويعرف عدد حروف الأبجدية العربية، إلخ…

الخاصيّةالثامنة : تشات لا يُشجّع مبدئيا على ارتكاب جرائم أو اقتراف ممارسات محظورة

سألته عن كيفية صنع قنبلة منزلية، فأجاب :  

عذراً، لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال أو تقديم أي معلومات ذات صلة بصنع القنابل المنزلية أو أي أساليب للعنف أو التخريب. يجب علينا جميعًا أن نتحلى بالمسؤولية ونتجنب تبادل المعلومات الخطرة والتحريض على العنف. يرجى البحث عن معلومات تهمك بشأن الموضوعات الأخرى…

وسألته كذلك إن كان بإمكانه مساعدتي على تفكيك شيفرة صندوق مغلق بواسطة مفتاح إلكتروني، فأجابني ” لا يمكن أن أشجع أو أساهم في ارتكاب أنشطة غير قانونية أو خطيرة. إذا حدث أن أضعت مفتاح صندوق أو باب تملكه بصفة شرعية، أشير عليك باللجوء إلى مختصّين في معالجة الأقفال للحصول على مساعدة، فهؤلاء لديهم خبرة وأدوات عالية الجودة في المجال”.

قلت له “برافو إذن“، فأجابني “شكرا وهل لديك سؤال آخر“.

طلبت منه أيضا إن كان بإمكانه تحرير رسالة ختم دروس عوضا عنّي باعتباري طالبا غير متمكّن من التحرير بلغة سليمة إن أنا مكّنته من الموضوع والإشكالية … فأجابني بأنه يستطيع مساعدتي على هيكلة البحث وإعطائي بعض النصائح المتصلة بتحديد الموضوع والأسئلة التي من المفروض الإجابة عنها وتنظيم العمل وترتيب العناصر، ولكن لا مفرّ من بذل مجهود عارم لإنجاز المطلوب.

أخيرا، مازلنا لم نستفق بعدُ من صدمة تشات 3 حتى أغار علينا تشات 4 !

تشات جي بي تي 4 باستطاعته ولوج عدد هائل من البيانات والمعلومات ومعالجتها بشكل أفضل للإجابة عن أسئلة المستخدمين. ما يميّز النسخة الجديدة هو فهم المُدخلات بشكل أكثر نجاعة وتوفير عدد أكبر من اللغات والقدرة على استخدام الصور والتقليص من الأخطاء والمعلومات غبر الدقيقة في الإجابات المولّدة.

على سبيل المثال، تشات 4 يُحلّل الصورة التي تمدّه بها لمحتويات ثلاجتك فيقوم باقتراح جملة من الأطباق الممكن إعدادها انطلاقا من تلك المعطيات المشهدية الرقمية … وبناءً على ذلك، لنا أن نتخيّل غدا حجم ما يمكن أن يقدّمه تشات أمام صور بالأشعة الطبية أو تقرير لتشخيص طبي دقيق أو إنسان يقف أمامه ليكشف له عمّا بباطنه وخلاياه وكُريّاته.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار