لا شك أن المافيات المالية التي تواجهها سلطة قائمة انتخبها الشعب بأغلبية ساحقة طبقا لاختياراته، ستشحذ كل جهودها وإمكانياتها لضرب هذا الشعب في قوته ورفاهه وحتى مائه.
تلك هي الإمكانيات التي تلتجئ إليها المافيا المالية المتركبة عادة من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة التي تتحكم فيها بعض الأطراف السياسية التي تعترضها مصاعب جمة في كسب قواعد شعبية أو توسيع قواعدها، ومن الطبيعي أن تضاعف جهودها ضمن الأطر الوطنية الطبيعية القانونية غير أن الأمر لم يكن طبقا لذلك بل تجاوز الاخلاقيات السياسية وقواعد الصراعات إلى مستويات ضحلة شكلا ومضمونا.
أما على مستوى الشكل فقد كان الخطاب بل العناوين التي رفعت خلال المسيرات والمظاهرات لا تحمل بين صيغها وكلماتها ومعارضتها للنظام إلا صورا عما آلت اليه المعارضة أو على الأقل شريحة منها، ونخص بالذكر بعض تابعي الجهة الإخوانية التي اندمجت معها بعض زمر الدستوريين الذين تربوا وساهموا في فترة الحزب الواحد والإعلام الواحد والرئيس مدى الحياة و باركوا العصي البوليسية التي ترتفع إلى الأعلى لتنزل على رؤوس المتظاهرين حينها أو القنابل وسجون برج الرومي والنفي لرجيم معتوق في قلب الصحراء.
أما عن مرحلة مابعد انتفاضة 2011 فلا لزوم لتذكيرهم بالرش والتهديدات بالسحل ضد المتظاهرين واعتداءات بؤر “حماية الثورة”. ويبدو أن هذه المرحلة قد كشفت عن تحركات ممنهجة من المافيا المالية ومليشياتها. وحربها في واقع الأمر لا اسم لها سوى إرهاق شعب مرهق أصلا واستعمال أسباب معيشته للضغط كآليات حرب ضد السلطة، وقد عادوا في هذه الفترة إلى موجة 2023 حين قطعوا المواد الغذائية الأساسية والزيت والقهوة والسكر وبقية المواد التي تمس المواطن في حياته اليومية، بهدف دفعه إلى الشارع ضد النظام. ففشلت تلك المحاولة رغم تأثيرها الحاد وتم كشف مخازن لم يتم إدماجها عنوة للهدف المذكور
يبدو خلال هذه المرحلة التي اتسمت بمزيد محاولات التطاول على السلطة و الاحتماء بـ”الغرف المظلمة” وبجهات أجنبية لم تر منها تونس إلا التفرقة والإرهاب والتدخل السافر وقد تبين أن بعض بؤر البورجوازية والمافيات المالية المتوجسة من المحاسبة قد لعبت هذه المرة دورا خسيسا ضد الشعب الذي تمسك بخياراته، فمن الإضراب العشوائي لشل الحركة الاقتصادية الوطنية إلى تقليص أو قطع تزويد السوق بمياه الشرب وقطع ترويج بعض المواد الأخرى مثل السكر أو غيره في حين كانت عشرات الشركات المتمعشة من مياه الشعب تحاول ضخ كميات يومية، هل هي صدفة موازية للتحركات المعارضة للسلطة؟؟ ولماذا تقع خلال هذا الصيف بالذات؟ فالذرائع تختلف بين من يؤكد نقص القوارير البلاستيكية وآخر يشير إلى عجز معمل أغطية القوارير هكذا وفجأة..
ولكن عوض أن تضرب السلطة على بعض هذه الأيدي الوسخة التي تتلاعب بضروريات الشعب الأساسية الحياتية نرى زيادة أسعار الماء المعدني، وكان المنتظر و المطلوب تأميم هذا القطاع الحيوي أو غلق أي شركة مياه معدنية تتلاعب بمصلحة الشعب، أو على الاقل الترفيع في الأداء الرمزي على اللتر من الماء ضد هذه الشركات و النظر بجدية لكسر الـ monopole المتمثل في صناعة القوارير و الأغطية.
ن الصراع مع المافيا المالية التي تتاجر بقوت الشعب انتقاما من اختيارته وبعض شرائح المعارضة التي انزلقت إلى مستنقع التطاول والخطاب المنحط لن يزيد السلطة القائمة إلا شعبية وتمسكا بها مادامت تلك المعارضة قد نجحت فقط في الكشف عن وجهها البائس.