تحدّثنا في بداية الأسبوع الماضي عن تخلي منظومة التربية في بلادنا عن المسارات التدريبية والمهنية وبعث شبكة المؤسسات النموذجية كانحرافين تاريخيين ساهما حسب رأيي في تراجع أداء مدرستنا والقضاء (خاصة بالنسبة إلى القرار الأول) على أجيال بكاملها زُجَّ بها في مسارات تعليمية طويلة لم تكن مؤهّلة لمواصلة دراستها فيها.
<strong>منصف الخميري<strong>
وتهتمّ ورقة هذا الأسبوع بثلاثة قرارات أخرى لا تقلّ فداحة هي : تحرير عملية التوجيه المدرسي وقرار بعث الباكالوريا إعلامية وإسقاط منظومة المواد الاختيارية.
ثالثا : تحرير التوجيه المدرسي في ظل غياب أية سياسة وطنية في المجال
المقصود بتحرير التوجيه المدرسي، هو تخلّي الدولة عن دورها التعديلي في ضمان التوازن بين المسالك والشعب المدرسية على ضوء سياستها التشغيلية الوطنية، الخاضعة بدورها إلى تقييم توجهات سوق الشغل الوطنية والعالمية وتحليلها، وبالنظر إلى رؤيتها في رسم الأولويّات وضبط الحاجيات من الكفاءات والإطارات في مختلف القطاعات.
كان التوجيه المدرسي إلى غاية بداية الألفية الجديدة محكوما بنسب وطنية صارمة لا يجب تجاوزها أو النزول دونها في إطار معادلة صعبة تتمثل في إعطاء الأولوية للرغبة التي يعبر عنها التلميذ وأولياؤه، شريطة أن لا يتسبّب ذلك في تضخّم شُعب واندثار أخرى… قبل أن يتمّ التخلي عن هذه النسب الوطنية وترك مسالك التوجيه “تشحن حمولتها” بشكل تلقائي دون رقيب أو حسيب حسب أهواء التلاميذ وعائلاتهم والأعداد التي يوزّعها الأساتذة في المواد المركزية، وهي عادة ما تكون مغشوشة لأنها صُنعت في أغلبها داخل مستودعات موازية مُعدّة للدروس الخصوصية.
تبدو النيّة سليمة والمقاربة متماهية مع مُنتجات المدارس “الإنسانية” المؤكّدة على ضرورة إعلاء رغبة التلميذ ومشروعه قبل إشهار أولويات المجتمع، وتلبية طموح التلميذ قبل تلبية حاجيات الاقتصاد وضرورة مراعاة واقع استنفاد طاقة استيعاب المتخرجين في قطاعات بعينها.
ولكن بعد مرور بضع سنوات حدث ما كان متوقّعا، فاختلّ التوازن تماما بين الشُعب وسقطت المنظومة في “الاختيار بالإكراه” والتوجيه حسب “الأمر الواقع” وإفراز مشهد هجين تنقسم فيه السبل المُمكنة إلى مسالك منطقية بالنسبة إلى من ثبت تميّزه في مجالات محدّدة، ومسالك أخرى هي عبارة عن “ملاذات” أمام تلاميذ بمهارات متوسطة وملامح فردية غائمة كل ما يسعى إليه أصحابها هو الاستمرار في الدراسة إلى غاية الباكالوريا، ومحاولة الحصول عليها باعتبارها عنوانا مازال مثمّنا اجتماعيا ويُتيح اجتياز مناظرات “الحاكم” بالنسبة إلى عدد كبير منهم.
ومن الأسباب التي ساهمت بشكل حاسم في تشكيل هذا المشهد غير السويّ في التعليم الثانوي، نذكر خاصة نسبة الــ 72 % من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و 14 سنة الذين لا يتمتعون بالمستوى الأدني في مادة الحساب، والــ 34 % من نفس الشريحة العمريّة الذين لا يُحسنون القراءة والكتابة حسب تقرير اليونيسيف لسنة 2020… بما يعني أن هيمنة الرياضيات كمادّة مميزة مُعتمَدة كمقياس اساسي في كل الشعب تقريبا باستثناء شعبة الآداب (الرياضيات والعلوم التجريبية والعلوم التقنية وعلوم الإعلامية وبدرجة أقل شعبة الاقتصاد والتصرف)، شكّلت منذ الانطلاق عامل إقصاء مباشر لعدد كبير جدا من تلاميذنا غير المتصالحين مع هذا الحاجز المريع، لأسباب متعلقة خاصة بمنهجية تدريس هذه المادة- الغول وتقنيات التدريب عليها منذ الصغر.
وقد أعطت هذه السياسة “الليبيرالية” التي رفعت جميع القيود عن التوازن الحيوي بين المسالك الدراسية الانحرافات التالية :
– قلة قليلة من التلاميذ المتميّزين ممّن لا يُعيقهم شبح الرياضيات يختارون ولوج شعبة الرياضيات (حيث لا تتجاوز النسبة الوطنية 8% بينما كانت لا تقلّ عن 20 % في مطلع القرن مع تسجيل تدنّيها إلى مستويات الصفر في الكثير من المعاهد والجهات)، وتُفتح أمامهم كل الآفاق الجامعية دون استثناء بعد الباكالوريا.
– نسبة هامة من التلاميذ المتميزين (بأغلبية دالّة لفائدة الفتيات) يختارون شعبة العلوم التجريبية لأنه بالإضافة إلى مستواهم المقنع في الرياضيات، يتوفرون على عُدّة لا بأس بها في الفيزياء وعلوم الحياة والأرض وكذلك قدرة فائقة على تخزين المعارف وحفظها … بنيّة الالتحاق بعد الباكالوريا بالشعب الطبية وشبه الطبية، ولكن نسبة من تنتدبهم هذه العروض الجامعية في التعليم العالي لا تتجاوز 5 % منهم. أي أن 95% من الملتحقين بشعبة العلوم التجريبية يجدون أنفسهم أمام “اختيارات جامعية” لم يفكّروا بها اصلا في الثانية ثانوي.
– عدد آخر من التلاميذ المتميزين والمَهَرة في المجالات ذات العلاقة بالإعلامية وما جاورها يختار شعبة علوم الإعلامية ويُحرز الباكالوريا فيها، لكن يُفاجأ بأن جامعتنا التونسية لديها احترازات جدية تجاه هذه الفئة من الوافدين عليها من التعليم الثانوي.
– شريحة هامة جدا من التلاميذ يُقبلون على شعبة الاقتصاد والتصرف لكونها شعبة “تونسية جدا” تتميّز بالوسطية والاعتدال ولا تتطلب سوى مستوى متوسط في كل شيء… لذلك أصبح هذا المسلك يعاني من تورّم غير طبيعي حيث تصل نسبة الملتحقين به في بعض الجهات إلى 30 % و40%… تنتظرهم آفاق جامعية تعُجّ سنويا بالآلاف من المتخرجين.
– عدد آخر ممّن ضاقت بهم السّبل يمضي إلى شعبة الآداب في غير اقتناع حقيقي، نظرا إلى أن المستوى في اللغات والإنسانيات بصورة عامة تدنّى كثيرا خلال العقود الأخيرة، ولأن الآفاق المفتوحة أمام حاملي هذه الباكالوريا في جزء كبير منها هي في حقيقة الأمر ممرّات موصدة وحادّة.
رابعا : بعث شعبة الإعلامية، قرار تاريخي مبني للمجهول
الباكالوريا إعلامية بِدعة تونسية صرفة هي الأخرى لكونها تمثّل في كثير من بلدان العالم المتقدّم اختصاصا تقنيا ومهاريا خاصا يقع في دائرة “الفروع الخصوصية الممكنة” لباكالوريا أشمل هي الباكالوريا العلمية العامة. واقع الحال اليوم أن التلاميذ الذين يأنسون في أنفسهم قدرات استثنائية في كل ما يتصل بالعالم الرقمي والإعلامية وتطبيقاتها، يُخيّرون الالتحاق بشعبة الرياضيات لأنهم يُدركون جيدا أن “الاختصاصات الإعلامية والرقمية الصّلبة والواعدة” شبه موصَدة تماما أمام حاملي باكالوريا إعلامية في التعليم العالي.
مهندسو الإصلاح السّابقين لم يُدركوا أن الإعلاميّة إعلاميّتان : واحدة مُوجّهة للبرمجة وتطوير التطبيقات والخبرة في الأمن السيبرني وتصميم الويب والارتقاء بمقروئية البوابات الالكترونية وهندسة البرمجيات وتوظيف الإعلامية المحمولة… وأخرى موجّهة إلى تركيب الأجهزة الإعلامية وصيانتها وتحيين البرمجيات ومساعدة المستعملين في ضمان التوظيف الأقصى للأجهزة الإعلامية التي بحوزتهم والمكوّنات الفرعية المرتبطة بها.
ففي المنظومة التعليمية التونسية، لا فُزنا بتلاميذ في باكالوريا إعلامية يُمكّنون من حقهم الطبيعي في الالتحاق باختصاصات الصنف الأول (المراحل التحضيرية للدراسات الهندسية التقليدية منها والمندمجة والمعاهد العليا للإعلامية…) ولا وفّرنا نوعا من الباكالوريا التكنولوجية التي تُعفي تلاميذنا من العبء النظري الكبير للباكالوريا التقليدية القائمة اليوم وتجعلهم يمضون مباشرة وبأعداد كبيرة إلى الاختصاصات التكنولوجية المتوسّطة المطلوبة وطنيا وعالميا، مع فتح آفاق ومعابر حقيقية أمام المُتفوّقين من التقنيين المتخرّجين لمواصلة دراساتهم بمدارس الهندسة وشهائد الماجستير والدكتوراه.
لعبت المواد الاختيارية تاريخيا في منظومتنا التربوية دور تهوئة البرامج التعليمية وإتاحة تنافذها بما يسمح لتلميذ الشعب العلمية بدراسة مواد إبداعية مثل الرسم والموسيقى واللغات الأجنبية الثالثة، وتلميذ الشعب الأدبية والإنسانية بدراسة بعض المواد العلمية. كما تسمح المواد الاختيارية بتنويع الاختيارات المفتوحة أمام حامل الباكالوريا وإضفاء مرونة أكبر على عملية التوجيه الجامعي.
لكن مع مرور السنوات، تآكلت تدريجيا هذه المنظومة وشهدنا :
– انحسارا ملحوظا جدا في ما يُفتح من آفاق “مختلفة” أمام بعض الباكالوريات، حيث لا يتوفر على سبيل المثال أمام حامل الباكالوريا آداب أكثر من 55 مقعدا فقط تخصصها منظومة التوجيه الجامعي لحاملي باكالوريا آداب في المسالك “غير الأدبية”.
– غياب أي تنسيق أو عمل مشترك بين التعليم العالي و التربية، في علاقة بربط منظومة المواد الاختيارية في التعليم الثانوي بعروض التكوين في التعليم العالي التي تتنوّع وتتعدّد كثيرا أمام محدودية لافتة لمسالك التعليم الثانوي وشعبه، بما يفرض تنويعا أكبر في ملامح المتخرجين من الثانوي حتى تتلاءم أو تنسجم ولو بصورة نسبية مع ما يُعرض من مئات الشعب والاختصاصات في الجامعة.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.
تعليق واحد