لا بدّ من التوضيح منذ البداية أنّ تعبير “أساطير تربوية” أو “خرافات بيداغوجية” Légendes pédagogiques استعمله الفيلسوف الكندي نورمان بايّارجون الذي درّس طويلا بكلية علوم التربية بمونريال.
منصف الخميري
يقول بايارجون:“صنعتُ مفهوم الخُرافة البيداغوجية عندما استطعتُ – أنا الذي أُصدم دائما بهيمنة المعتقدات غير المؤسّسة في حقل التربية والتي تكون أحيانا غريبة ومدهشة- الربط بين هذه المعتقدات والأساطير الحضرية التي أصبحت مألوفة بكل تأكيد بالنسبة إلى الكثيرين منكم”.
ويقصد بايّارجون بهذا المفهوم تلك الحكايات التي يتداولها جميع الناس في الفضاء العام أو على مواقع التواصل الاجتماعي في الشأن المدرسي وتكون غير مؤسّسة على نتائج ثابتة لدراسات أو بحوث علمية وأكاديمية مشهود بصدقيّتها.
أما في السياق التونسي، فهنالك أيضا الكثير من المعتقدات التربوية الشائعة بين الناس ولكن بإخضاعها إلى شيء من العقلنة والتمحيص سرعان ما نكتشف إما خطأها أو على الأقل بروز الحاجة الملحّة إلى تنسيبها ومزيد إعمال النظر فيها.
وهذه بعضها :
أولا : المرونة والليونة في التعامل مع التلاميذ… تساعدان على نجاحهم
غالبا ما تُفهم المرونة في مدرستنا وخارجها على أنها مُرادف للتسامح المغلوط إزاء كل ما يأتيه التلميذ وضرورة امتناع المدرسة والمُدرّسين على التسبّب في خلق مناخ من الضغط النفسي الذي يؤثر سلبا على معنوياته ونتائجه. بينما الليونة المطلوبة في الوسط المدرسي هي عدم المسارعة إلى العقاب والسهر على القطع مع العقوبات الكاسرة وتفهّم أسباب التجاوزات المختلفة وخلق المناخات العلائقية الملائمة لبناء علاقات متوازنة. فالحزم مطلوب والانضباط في السلوك إزاء الآخرين وإزاء الدرس والمعرفة هو الذي يخلق تمليذا متوازنا ومتحضّرا ومنضبطا.
ففي المدارس الصينية على سبيل المثال “المعروفة بجديتها المفرطة” حسب أغلب التقارير الدولية، تأسس نظام صارم جدا لكن لم يمنع الأطفال (كما رأيناهم في الأشرطة الوثائقية التي تبثها التلفزات الأوروبية) من اللعب واللهو والابتسامة والفرح البيّن وهم يتوجّهون نحو أقسامهم. وهنا، ليس من حقّنا كتونسيين أن نتناسى بشيء من الكبرياء والمكابرة أن التلميذ التونسي مصنّف في المرتبة الأخيرة عالميا (بعد التلميذ الفرنسي) على مجموع 72 جنسية على مستوى الانضباط المدرسي والاستقامة في السلوك!!! فالمرونة لا تنفع مطلقا مع هذا الملمح الذي ساهم في صنعه منطق “فلذات أكبادنا” و “الطفل الملك” و “مشكلة ولدي أنّو حسّاس برشة”…
ثانيا : الأساتذة كَسَالى و”شايخين” بالعطل
ليس هناك أبلغ من الأرقام في تأكيد أو تفنيد مثل هذه “الخرافات التربوية” التي يتناقلها الناس جميعا. فالأرقام الدولية تقول ان الأستاذ يُقضّي حوالي 10 ساعات أسبوعيا في إعداد دروسه و 6 ساعات في إصلاح الفروض والتمارين والأعمال المختلفة و 3 ساعات في البحث عن الوثائق والمراجع لتدعيم دروسه… دون احتساب الـ 20 ساعة في المعدّل التي يُقضّيها الأستاذ داخل الفصل. أي تقريبا بمعدّل حجم العمل الموكول إلى العمال الزراعيين وأعوان المخابز وسوّاق القطارات…أي 40 ساعة وأكثر.
وعليه، لا يصُحّ القول مطلقا ان الأساتذة – في معظمهم- لا يبذلون جهدا كافيا في علاقة بواجباتهم المهنية خاصة إذا ما أضفنا معاناتهم اليومية إزاء 3 ضغوط كبرى : الإحساس بالعجز إزاء شريحة كبيرة من التلاميذ يفِدون عليه دون تملّك أدنى للمكتسبات الأساسية، والشعور بالغُبن أمام أجر يتدحرج كل يوم ليصبح أدنى من منحة المتشرّدين في أوروبا، وحصول القناعة بأن مركب المدرسة العمومية يغرق أمام أعين دولة أصابها الإعياء والصّمم والعمى.
ثالثا : العلم في الرّاسْ وليس في الكرّاسْ
أطفالنا بصورة عامة لا يعتنون بخطّهم ولا يولون أهمية كبرى لكرّاساتهم التي يمزّقونها إربا إربا في نهاية كل سنة دراسية (ملاحظة: أنا على استعداد اليوم لدفع أي مبلغ لو أُمكّن من إحدى كرّاساتي وأنا طفل صغير)… وظاهرة تقطيع الكراسات أمام المؤسسات التربوية قد تقترن بذلك الشعار البائس الذي يقول ان العلم ليس في الكراس بل في رؤوس بعضهم الفارغة التي تعشّش فيها الأساطير وتخاريف صُنّاع المقولات الخاوية. فكنوز العلم وجواهر المعرفة ودُرر الثقافة مُخبّأة بعناية طيّ الكتب التي ألّفها السّابقون والمراجع التي يكدّ من أجلها المعاصرون. المشكل في رأيي لا يكمن في المرور من الورقي إلى الرقمي لكونها في النهاية مسألة محامل لا غير ولكن المشكل الأكبر يكمن في المرور من الأثر المكتوب حبريّا أو رقميا إلى “ثقافة” الصورة المشهدية والجملة البرقية والتناولات السطحيّة المعمّمة.
رابعا : النجاح بمعدّلات عالية يضمن المستقبل
يجب استبدال هذا الشعار بـ “النجاح بمؤهلات جيدة وشخصية متوازنة يضمن المستقبل”، لأن المعدّلات العالية تضمن الالتحاق بمؤسسات جامعية يتكثّف الإقبال عليها بعد الباكالوريا وبالتالي يرتفع سعر الدخول إليها ولكن المؤهلات الحياتية الواعدة شيء آخر تماما. كم من معدّلات عالية عاد أصحابها من الجامعات الألمانية أو الفرنسية وهم منكسرون لأسباب تتعلق عادة بالقدرة على التأقلم وفقدان المهارات العلائقية وعدم التدرّب على المبادرة وغياب القدرة الفردية على مواجهة الصعوبات وعُسر التعويل على الذات في حلّ إشكاليات يومية… وكلها اقتدارات مطلوبة لم يتهيّأ لها أبناؤنا وبناتنا بشكل مرضي أثناء مراحل دراساتهم الأولى.
خامسا : ذوو النتائج الضعيفة فحسب يتطلبون مرافقة ودعما
يتوزع المتعلّمون عادة إلى 3 أصناف كبرى : الذين هم بحاجة إلى اللحاق برأس الكوكبة، والذين هم بحاجة إلى المحافظة على نسق تعلّمهم وتثبيت مكتسباتهم، والذين بهم رغبة جامحة للتقدم بسرعة أكبر مقارنة بباقي أفراد المجموعة. وفي الحالات الثلاثة، يحتاج الطفل أو الشاب إلى من يساعده (داخل القسم وخارجه وسط العائلة وبعيدا عن دكاكين الشحن المدرسي) من أجل تدقيق وتجويد ما تعلمه في المدرسة وتحفيزه لجعله يُقبل على التعلّم بابتهاج وعدم امتعاض… وهو استثمار أكاديمي ستتضح نجاعته مع مرور الوقت قبل حلول الدراسات الجامعية.
سادسا : مستوى التعليم كان أفضل في السابق
“يا حسرة على قراية بكري” و “مستوى التعليم طاح” و “برة شوف التلامذة اليوم كيفاش يكتبو” الخ… خطاب الحنين هذا يكاد يؤثث كل البيوت وكل المقاهي التونسية لأن قتامة المدرسة في الماضي كانت صامتة ومسكوت عنها بعناية بوليسية فائقة، وحجم الانقطاع أصبح فاضحا جدا لأن التمدرس أضحى بالملايين وليس ببعض الآلاف فقط كما كان في السابق.
كنا ربما نكتب بشكل جيد والبعض منا يعرف جيدا قواعد الحساب أو قواعد رسم الهمزة ويحفظ عن ظهر قلب حروف الجرّ أو الفرق بين الصفة والحال، لكننا لم نكن نعرف الحواسيب ومتاهات العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحليل المعطيات في وقت قياسي وبالتالي القدرة على اتخاذ القرارات. فأبناؤنا وبناتنا اليوم أقدر منا بكثير (لما كنا في سنّهم) على فهم المركّب وأسرع منا في اكتساب المهارات وأكثر قدرة منا على اكتساب مفاتيح ولوج العالم بلغاته وحضاراته ومقتضياته المختلفة.
أولا صفة “الشمولية” لا تعني أن تتحدث أدبيّات الإصلاح السابقة واللاحقة عن كل الجوانب التي تهمّ الفعل التربوي كالحياة المدرسية والتجهيزات والتعلّمات وخارطة الشعب ومنظومة التوجيه والبرامج والكتب المدرسية الخ… بل تعني أساسا أن تمسح المعالجات المقترحة كافة المرافق ذات العلاقة بالمدرسة وأن تؤمن الدولة في أعلى مستوياتها بأن التربية تعلو ولا يُعلى عليها (تصوّرا وتمويلا وتحشيدا) وأن يصبح التدريس مهارة استثنائية يتعيّن على القائمين به “الاستفاقة مبكّرا جدا” كما يقول التعبير الفرنسي وأن يُصبح لدينا في تونس مدرسة (بمستوياتها التحضيرية والابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية والمهنية) بمستوى هدر يقارب درجة الصفر. بمعنى أن أي تلميذ أو طالب أو متكوّن يجب أن يُلبسهُ المجتمع “سِوارا إلكترونيا تربويا” يسمح بالتعرّف على مربّع تواجده الذي لا يجب أن يخرج عن دائرة الدراسات العامة أو المراحل التكوينية التمهينية في شتى المجالات أو الدورات التدريبية المُفضية إلى تشغيل مباشر أو الحلقات التأهيلية الدامجة في مجالات مخصوصة وطنيا ودوليا.
وبالتالي يمكن أن نُنجز أفضل إصلاح تربوي على الإطلاق تنظيرا وإنشاءً وصياغة ولا يُفضي بالضرورة إلى نتائج ميدانية ملموسة تنهض يمُخرجات المدرسة وترتقي بأدائها.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟