تابعنا على

جور نار

خُرافات تربوية

نشرت

في

لا بدّ من التوضيح منذ البداية أنّ تعبير “أساطير تربوية” أو “خرافات بيداغوجية” Légendes pédagogiques استعمله الفيلسوف الكندي نورمان بايّارجون الذي درّس طويلا بكلية علوم التربية بمونريال.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

يقول بايارجون:“صنعتُ مفهوم الخُرافة البيداغوجية عندما استطعتُ – أنا الذي أُصدم دائما بهيمنة المعتقدات غير المؤسّسة في حقل التربية والتي تكون أحيانا غريبة ومدهشة- الربط بين هذه المعتقدات والأساطير الحضرية التي أصبحت مألوفة بكل تأكيد بالنسبة إلى الكثيرين منكم”.

ويقصد بايّارجون بهذا المفهوم تلك الحكايات التي يتداولها جميع الناس في الفضاء العام أو على مواقع التواصل الاجتماعي في الشأن المدرسي وتكون غير مؤسّسة على نتائج ثابتة لدراسات أو بحوث علمية وأكاديمية مشهود بصدقيّتها.

أما في السياق التونسي، فهنالك أيضا الكثير من المعتقدات التربوية الشائعة بين الناس ولكن بإخضاعها إلى شيء من العقلنة والتمحيص سرعان ما نكتشف إما خطأها أو على الأقل بروز الحاجة الملحّة إلى تنسيبها ومزيد إعمال النظر فيها.

وهذه بعضها :

أولا : المرونة والليونة في التعامل مع التلاميذ… تساعدان على نجاحهم

غالبا ما تُفهم المرونة في مدرستنا وخارجها على أنها مُرادف للتسامح المغلوط إزاء كل ما يأتيه التلميذ وضرورة امتناع المدرسة والمُدرّسين على التسبّب في خلق مناخ من الضغط النفسي الذي يؤثر سلبا على معنوياته ونتائجه. بينما الليونة المطلوبة في الوسط المدرسي هي عدم المسارعة إلى العقاب والسهر على القطع مع العقوبات الكاسرة وتفهّم أسباب التجاوزات المختلفة وخلق المناخات العلائقية الملائمة لبناء علاقات متوازنة. فالحزم مطلوب والانضباط في السلوك إزاء الآخرين وإزاء الدرس والمعرفة هو الذي يخلق تمليذا متوازنا ومتحضّرا ومنضبطا.

ففي المدارس الصينية على سبيل المثال “المعروفة بجديتها المفرطة” حسب أغلب التقارير الدولية، تأسس نظام صارم جدا لكن لم يمنع الأطفال (كما رأيناهم في الأشرطة الوثائقية التي تبثها التلفزات الأوروبية) من اللعب واللهو والابتسامة والفرح البيّن وهم يتوجّهون نحو أقسامهم. وهنا، ليس من حقّنا كتونسيين أن نتناسى بشيء من الكبرياء والمكابرة أن التلميذ التونسي مصنّف في المرتبة الأخيرة عالميا (بعد التلميذ الفرنسي) على مجموع 72 جنسية على مستوى الانضباط المدرسي والاستقامة في السلوك!!!  فالمرونة لا تنفع مطلقا مع هذا الملمح الذي ساهم في صنعه منطق “فلذات أكبادنا” و “الطفل الملك” و “مشكلة ولدي أنّو حسّاس برشة”…

ثانيا : الأساتذة كَسَالى و”شايخين” بالعطل

 ليس هناك أبلغ من الأرقام في تأكيد أو تفنيد مثل هذه “الخرافات التربوية” التي يتناقلها الناس جميعا. فالأرقام الدولية تقول ان الأستاذ يُقضّي حوالي 10 ساعات أسبوعيا في إعداد دروسه و 6 ساعات في إصلاح الفروض والتمارين والأعمال المختلفة و 3 ساعات في البحث عن الوثائق والمراجع لتدعيم دروسه… دون احتساب الـ 20 ساعة في المعدّل التي يُقضّيها الأستاذ داخل الفصل. أي تقريبا بمعدّل حجم العمل الموكول إلى العمال الزراعيين وأعوان المخابز وسوّاق القطارات…أي 40 ساعة وأكثر.

وعليه، لا يصُحّ القول مطلقا ان الأساتذة في معظمهم- لا يبذلون جهدا كافيا في علاقة بواجباتهم المهنية خاصة إذا ما أضفنا معاناتهم اليومية إزاء 3 ضغوط كبرى : الإحساس بالعجز إزاء شريحة كبيرة من التلاميذ يفِدون عليه دون تملّك أدنى للمكتسبات الأساسية، والشعور بالغُبن أمام أجر يتدحرج كل يوم ليصبح أدنى من منحة المتشرّدين في أوروبا، وحصول القناعة بأن مركب المدرسة العمومية يغرق أمام أعين دولة أصابها الإعياء والصّمم والعمى.

ثالثا : العلم في الرّاسْ وليس في الكرّاسْ

أطفالنا بصورة عامة لا يعتنون بخطّهم ولا يولون أهمية كبرى لكرّاساتهم التي يمزّقونها إربا إربا في نهاية كل سنة دراسية (ملاحظة: أنا على استعداد اليوم لدفع أي مبلغ لو أُمكّن من إحدى كرّاساتي وأنا طفل صغير)… وظاهرة تقطيع الكراسات أمام المؤسسات التربوية قد تقترن بذلك الشعار البائس الذي يقول ان العلم ليس في الكراس بل في رؤوس بعضهم الفارغة التي تعشّش فيها الأساطير وتخاريف صُنّاع المقولات الخاوية. فكنوز العلم وجواهر المعرفة ودُرر الثقافة مُخبّأة بعناية طيّ الكتب التي ألّفها السّابقون والمراجع التي يكدّ من أجلها المعاصرون. المشكل في رأيي لا يكمن في المرور من الورقي إلى الرقمي لكونها في النهاية مسألة محامل لا غير ولكن المشكل الأكبر يكمن في المرور من الأثر المكتوب حبريّا أو رقميا إلى “ثقافة” الصورة المشهدية والجملة البرقية والتناولات السطحيّة المعمّمة.

رابعا : النجاح بمعدّلات عالية يضمن المستقبل

يجب استبدال هذا الشعار بـ “النجاح بمؤهلات جيدة وشخصية متوازنة يضمن المستقبل”، لأن المعدّلات العالية تضمن الالتحاق بمؤسسات جامعية يتكثّف الإقبال عليها بعد الباكالوريا وبالتالي يرتفع سعر الدخول إليها ولكن المؤهلات الحياتية الواعدة شيء آخر تماما. كم من معدّلات عالية عاد أصحابها من الجامعات الألمانية أو الفرنسية وهم منكسرون لأسباب تتعلق عادة بالقدرة على التأقلم وفقدان المهارات العلائقية وعدم التدرّب على المبادرة وغياب القدرة الفردية على مواجهة الصعوبات وعُسر التعويل على الذات في حلّ إشكاليات يومية… وكلها اقتدارات مطلوبة لم يتهيّأ لها أبناؤنا وبناتنا بشكل مرضي أثناء مراحل دراساتهم الأولى.

خامسا : ذوو النتائج الضعيفة فحسب يتطلبون مرافقة ودعما

يتوزع المتعلّمون عادة إلى 3 أصناف كبرى :  الذين هم بحاجة إلى اللحاق برأس الكوكبة، والذين هم بحاجة إلى المحافظة على نسق تعلّمهم وتثبيت مكتسباتهم، والذين بهم رغبة جامحة للتقدم بسرعة أكبر مقارنة بباقي أفراد المجموعة. وفي الحالات الثلاثة، يحتاج الطفل أو الشاب إلى من يساعده (داخل القسم وخارجه وسط العائلة وبعيدا عن دكاكين الشحن المدرسي) من أجل تدقيق وتجويد ما تعلمه في المدرسة وتحفيزه لجعله يُقبل على التعلّم بابتهاج وعدم امتعاض… وهو استثمار أكاديمي ستتضح نجاعته مع مرور الوقت قبل حلول الدراسات الجامعية.

سادسا : مستوى التعليم كان أفضل في السابق

“يا حسرة على قراية بكري” و “مستوى التعليم طاح” و “برة شوف التلامذة اليوم كيفاش يكتبو” الخ… خطاب الحنين هذا يكاد يؤثث كل البيوت وكل المقاهي التونسية لأن قتامة المدرسة في الماضي كانت صامتة ومسكوت عنها بعناية بوليسية فائقة، وحجم الانقطاع أصبح فاضحا جدا لأن التمدرس أضحى بالملايين وليس ببعض الآلاف فقط كما كان في السابق.

كنا ربما نكتب بشكل جيد والبعض منا يعرف جيدا قواعد الحساب أو قواعد رسم الهمزة ويحفظ عن ظهر قلب حروف الجرّ أو الفرق بين الصفة والحال، لكننا لم نكن نعرف الحواسيب ومتاهات العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحليل المعطيات في وقت قياسي وبالتالي القدرة على اتخاذ القرارات. فأبناؤنا وبناتنا اليوم أقدر منا بكثير (لما كنا في سنّهم) على فهم المركّب وأسرع منا في اكتساب المهارات وأكثر قدرة منا على اكتساب مفاتيح ولوج العالم بلغاته وحضاراته ومقتضياته المختلفة.

سابعا : الإصلاح التربوي الشامل سيُخرج مدرستنا العمومية من أزمتها الخانقة

أولا صفة “الشمولية” لا تعني أن تتحدث أدبيّات الإصلاح السابقة واللاحقة عن كل الجوانب التي تهمّ الفعل التربوي كالحياة المدرسية والتجهيزات والتعلّمات وخارطة الشعب ومنظومة التوجيه والبرامج والكتب المدرسية الخ… بل تعني أساسا أن تمسح المعالجات المقترحة كافة المرافق ذات العلاقة بالمدرسة وأن تؤمن الدولة في أعلى مستوياتها بأن التربية تعلو ولا يُعلى عليها (تصوّرا وتمويلا وتحشيدا) وأن يصبح التدريس مهارة استثنائية يتعيّن على القائمين به “الاستفاقة مبكّرا جدا” كما يقول التعبير الفرنسي وأن يُصبح لدينا في تونس مدرسة (بمستوياتها التحضيرية والابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية والمهنية) بمستوى هدر يقارب درجة الصفر. بمعنى أن أي تلميذ أو طالب أو متكوّن يجب أن يُلبسهُ المجتمع “سِوارا إلكترونيا تربويا” يسمح بالتعرّف على مربّع تواجده الذي لا يجب أن يخرج عن دائرة الدراسات العامة أو المراحل التكوينية التمهينية في شتى المجالات أو الدورات التدريبية المُفضية إلى تشغيل مباشر أو الحلقات التأهيلية الدامجة في مجالات مخصوصة وطنيا ودوليا.

وبالتالي يمكن أن نُنجز أفضل إصلاح تربوي على الإطلاق تنظيرا وإنشاءً وصياغة ولا يُفضي بالضرورة إلى نتائج ميدانية ملموسة تنهض يمُخرجات المدرسة وترتقي بأدائها.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار