خرج الجميع …وصرخ الجميع…وقفز الجميع طربا، وفرحا بما قرره صانع التغيير الثاني قيس سعيد، وكنت منهم من الفرحين فقط لأني أعتبر المشيشي أخطر رجل جلس على كرسي القصبة…
محمد الأطرش
كيف لا يسعد هؤلاء جميعا…ولا يخرجون دون مراعاة لبروتوكول التباعد الجسدي ولبس الكمامة، أقول كيف لا يسعدون والرجل خلّصهم من عقدة، ومن خصم لم يقدروا عليه منذ خروج صانع التغيير الأول إلى الأماكن المقدّسة …صانع التغيير الجديد تمكّن من الإيقاع بكل من هم حوله واستحوذ على السلطة بكل تفاصيلها حتى إشعار آخر…وهو الأمر الذي كان يتمناه ويريده منذ زرعوا في رأسه فكرة الترشح لكرسي قرطاج…
صانع التغيير الثاني يحلم دائما بأن يكون مثل بورقيبة وأن يترك أثرا في تاريخ البلاد يذكرونه به بعد آلاف السنين…سيسألني بعضهم ويقول كيف تمكّن من الإيقاع بجميع من هم حوله…وسأقول وهل ولدت أحداث الخامس والعشرين من هذا الشهر لقيطة؟ فلكل أحداث من يرعاها ومن يسهر على حمايتها حتى تكبر …لكن هل فكّر صانع التغيير أنه بما أتاه ساهم أيضا في نشر الوباء بين صفوف أتباعه، وأن حراك ذلك اليوم وتفاعل الجماهير ليلا، بعد سماعها بغزوة صانع التغيير الثاني، ستكون نتائجهما على مستوى نشر الوباء أسرع ألف مرّة من نتائجهما على مستوى إصلاح حال البلاد والعباد…ألم يأت صانع التغيير الثاني ما أتاه خصومه حين خرجوا في استعراض لأتباعهم ومناصريهم، وانتقد ما أتوه في أكثر من تدخل ومن خطاب…ألم يتعامل هو أيضا بشعار “الغاية تبرّر الوسيلة”…ألن تسجّل الآلاف من الإصابات بعد أيام قليلة باسمه …ألم يكن هو السبب فيها؟
أعود لأقول اسعدت قرارات صانع التغيير الثاني أغلب سكان البلاد…ولهم ألف حقّ في أن يسعدوا بالأمر، كيف لا وهم فقّروا…وهمشوا…وأحبطوا…وأرهقوا…وبعضهم مات…وبعضم يحتضر…ولم يسعدوا يوما بما وعدهم به من حكموا البلاد منذ عشر سنوات ويزيد…كيف لا وهم ابتلوا برئيس حكومة اختاره صانع التغيير الثاني، لا يفقه في شؤون الدولة، وفشل في درء الأسوأ في ما يخصّ الحدّ من انتشار وباء الكوفيد…لكن هل حقّا سيسعد هؤلاء الذين هللوا بقرارات سيادته بإصلاح حالهم وحال البلد…أم هي فقط مزحة جاءت على لسان مولانا …
هل يعلم صانع التغيير أنه لم يخرج النهضة ومن معها من الحكم ولم ينقذ الشعب منهم ومن وعودهم الكاذبة…هل يعلم أنه في حقيقة الأمر أنقذ النهضة وكل من سيخرجون معها من الحكم من تبعات الفشل الذي سيتحمل تبعاته هو….ولا أحد غيره …ولا أحد معه…ألا يعلم صانع التغيير الثاني حقيقة الوضع الاقتصادي بالبلاد…ألم يعلموه بأن حالنا أقرب إلى الإفلاس المعلن منه إلى الإصلاح …أسيكون قادرا على تحقيق معجزة لم ينجح في تحقيقها جهابذة الاقتصاد والمال والأعمال…هل كان صانع التغيير الثاني على وعي بالورطة التي خلّص منها حركة النهضة …ألم يدرك أن النهضة ومن معها قد يجلسون على الربوة يشاهدونه وهو يعاني من تبعات فشله…ألم يكن من الأجدر تحميلهم جميعا مسؤولية ما نحن فيه لا أخْذ تبعات كل هذا الفشل عنهم.
وعد مولانا بتعيين رئيس حكومة يكون تحت إمرته…وهو المسؤول الوحيد منه وعنه…فالرجل إذن سيكون وزيرا أول أو “طرطورا” في القصبة، يعود إلى مولاه في قرطاج كلما عزم على إصدار قرار أو إمضاء وثيقة…وهذا ما كان يقع في عهد بورقيبة العظيم وبن علي الوطني رحمهما الله…لكن مع فارق كبير هو أن كلاهما يدرك ويعي جيدا ما يفعل…فهل يدرك حقّا مولانا حقيقة وحجم الورطة التي وقع فيها…ألم يكن من الاسلم إعفاء المشيشي سبب كل مصائب البلاد الأخيرة، والعمل على تشكيل حكومة انقاذ وطني تجمع الجميع وتحملهم مسؤولياتهم أمام الشعب… وتجنيب نفسه تحمّل تبعات فشل كبير وخراب معلن لا محالة، لم يكن هو سببا فيه …فهل ستحاسب النهضة عمّا فعلته بالشعب منذ وصولها الحكم في وضح النهار وخلسة ومن وراء الستار…؟ كيف ستحاسب وهي لن تكون شريكا في حكومة سيكون رئيسها الفعلي صانع التغيير الثاني؟
هنا وجبت معرفة كيف يفكّر صانع التغيير الثاني وماذا يريد…مولانا كان منذ يومه الأول في قرطاج يريد سلطات أوسع، وصلاحيات أشمل لذلك أعلن الحرب على الجميع، وعلى الأشباح، ولم يغفل عن ذكرهم في كل خطبه…كما يريد أيضا أن يؤسس لمستقبل يكون أفضل له..فهل كانت معركة صانع التغيير من أجل انقاذ البلاد فعلا أم من أجل افتكاك صلاحيات أوسع له، ليكون مثل بورقيبة عقدته وعقدة كل من جلسوا على كرسي قرطاج؟ ماذا كانت وعود مولانا وقراراته مساء يوم “الخرجة” وأقصد الأحد الماضي؟ لم يتحدث عن الأزمة…ولا عن كيف سيخرج البلاد منها…ولا عن وسائل الإنقاذ المتوفرة لديه مع الدول الشقيقة والصديقة…وكأنه فعل كل ما فعله فقط من أجل معاقبة بعض الخارجين عن القانون من النواب ومن المسؤولين…وكأنه أراد أن يعطي درسا للنهضة لن تنساه، درسا يكسب به تعاطف وودّ كل الذين كرهوا النهضة وقياداتها وهم أغلبية سكان هذه البلاد…
فهل بمجرّد رفع الحصانة عن أعضاء مجلس النواب ستخرج البلاد من أزمتها؟ وهل يكفي أن تمنعهم من السفر حتى تحدّ من انتشار وباء الكوفيد؟ فقرارات صانع التغيير لم تخرج من إعفاء وتجميد ورفع وتولّ… وكأن البلاد تعيش في أرغد العيش، وكأن الإفلاس هو فقط مجرّد فزّاعة، وكأن الشعب ينعم بإنجازات وعدوا بها فتحققت…فالإعفاء كان لمن خرج من جلبابه وعن جلبابه وهو الأمر الذي أحييه رغم تأخره كثيرا…والتجميد كان لعمل مجلس النواب فالمجلس هو عدوه الأكبر والمعلن، وهو الوحيد القادر على عزله، والرفع كان لحصانة النواب والغاية منه تصفية حساب طويل مع العديد منهم من الذين قالوا فيه وعنه وله ما لم يقله مالك في الويسكي و”البوخا”…هل ذُكرت كلمة “تنمية”….هل ذُكرت تعبيرة “انقاذ وطني”…هل ذُكرت تعبيرة “تعامل اجتماعي سليم مع ضحايا الكوفيد”…هل ذُكرت كلمة واحدة تهمّ شأن المواطن المسكين المغلوب على أمره…قد أوافقه الرأي في ما يفعله بالمجلس لأنه فعلا حاد عن مهمته الأصلية واصبح فاصلا فكاهيا يتندّر به الشعب في المقاهي…لكن هل تحدّث عن أسباب الأزمة…وعمن تسبّب فيها…هل تحدث عن وعود بعض الدول في مساعدتنا للخروج منها…لا شيء من كل ذلك…
خلاصة القول…صانع التغيير الثاني يريد خدمة مستقبله بما أتاه قبل مستقبل هذه البلاد…فلا تنتظروا أسماء كفاءات كبيرة في حكومته فهي فقط ستكون لأصدقائه ومن ساهموا في حملته…فهل يعلم أحدنا ما سيفعله مولانا خلال شهر واحد فقط حاكما بأمره في البلاد…لا، لن يفعل شيئا…وستطول المدّة …وستطول أكثر…وستصل إلى أكثر من سنة ونحن تحت حكم مولانا الحاكم الأوحد…ولن تخرج البلاد مما هي فيه…فهل سيكون على الأقل ديمقراطيا…وهل سيسمح لنا بنقده وبالحديث عنه وعن فشله القادم…هل سيسمح بنقد عمل حكومته…كلها أسئلة نطرحها اليوم لرئيس سيجمع كل السلط بين يديه …ويدرك جيّدا أنه سيفشل في مهمته لا محالة.
فيا صانع التغيير الثاني…هل ستغيّر شيئا…أم هم فقط أوهموك بأنك قادر…ولست بقادر..
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟