تابعنا على

جور نار

سأحدثكم عن شهاب المهتّلي … أو كيف نُطوّع القانون لخدمة الناس وليس العكس

نشرت

في

يُقفل اليوم الإثنين 15 أوت في حدود منتصف الليل مسار التوجيه الجامعي لسنة 2022 من خلال قيام الطلبة الجدد غير الرّاضين عن توجيههم الأوّل، بمحاولة تعديل مسارهم والسعي إلى الحصول عن شعبة جامعية تتلاءم أكثر مع ميولاتهم الدراسية والتكوينية أو مع مشاريعهم المستقبلية أو كذلك مع أوضاعهم الاجتماعية والعائلية…أو كل هذا معًا.

وسأنطلق من وضعيّة واقعية دالّة عشتُها شخصيا في بداية الألفية الجديدة والتي ظلت محفورة في ذاكرتي لطرافتها ودلالاتها، وعلاقتها العضوية بما يحدث اليوم في مجال التوجيه وإعادة التوجيه الجامعيين.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

راجعني سنة 2001 شابّ يتكلّم العربية بصعوبة، اسمه شهاب المهتلّي، أصيل جهة منزل تميم على ما أعتقد وعرض عليّ وضعيّته المتمثلة في كونه عاش رفقة عائلته بألمانيا إلى غاية سنة اجتياز امتحان الباكالوريا، وقد تابع دراسته الثانوية في شعبة علمية (تُعادل شعبة الرياضيات لدينا) باللغة الألمانية أساسا. بطبيعة الحال. مكّنته وزارة التربية آنذاك ونظرا إلى خصوصية وضعيته من “إجراءات استثنائية” تُراعي عدم حذقه للعربية ولا للفرنسية، فقد تمّ الالتجاء على سبيل المثال إلى أستاذ ألمانية ترجم له موضوع الفلسفة وقدّم شهاب تحريرا باللغة الألمانية ليتولى فيما بعد أستاذ الألمانية ترجمته لأستاذ الفلسفة الذي أسند له عددا بناءً على ما استمع إليه شفويّا من زميله…

وهكذا بالنسبة إلى عديد الاختبارات الأخرى. صُرّح بنجاح شهاب المهتلّي في امتحان الباكالوريا وانطلقت رحلة توجيهه الجامعي المُضنية لأنه بملمحه اللغوي ذلك لا يمكن أن يدرس إلا بشعبة الآداب والحضارة الألمانية التي لم تكن توجد آنذاك إلا بكلية الآداب بمنوبة قبل توسّعها لتُبعث في حي الخضراء والمكنين وقابس ومدنين… لكن مجموع نقاطه لم يسمح له بنيل هذه الشعبة-المُنقذة (بالنظر إلى الصعوبات التي واجهها في امتحان الباكالوريا، وبالتالي حصوله على معدل غير مرتفع وبالنظر أيضا إلى طاقة الاستيعاب المحدودة المفتوحة في شعبة جامعية يتيمة وطنيا… قعُيّن في إحدى الشعب التقنية بالجنوب..

لم تكن تربطني بوزارة التعليم العالي في تلك اللحظة أية علاقة إدارية أو رسمية ولكن وجود شخص أُجلّه وأكنّ له احتراما خاصا على رأس الإدارة العامة للشؤون الطالبية هو أستاذ الانكليزية بالجامعة التونسية السيد بشير الأمين هو الأمر الذي شجّعني على تكوين ملفّ مع عائلة شهاب المهتلّي وعرضه رأسا على سي بشير (متّعه الله بموفور الصحّة والنجاح في تأثيث مدوّنته المتميّزة الباحثة في أصول “كلمات من اللهجة التونسية جاءتنا من ضفاف البحر الأبيض المتوسط وما وراءها“https://qamus-tunsi.blogspot.com) الذي أصغى إلينا جيدا وتصفّح محتوى الملفّ وأبدى امتنانا كبيرا لوزارة التربية التي بذلت مجهودا استثنائيا في التعاطي مع وضعية هذا الشاب التونسي العائد من أوروبا … ووعد بأن يعرض الموضوع على وزير التعليم العالي ساعتئذ ويُراجعنا في الأمر.

بعد أسبوع تقريبا، وقع إعلامنا بأن الشاب المعني تمّ قبوله بشعبة الألمانية بكلية الآداب بمنوبة. كانت فرحتي شخصيا تضاهي أو تفوق فرحة عائلة هذا الطالب الجديد الذي عاد إلى بلاده فوجد إدارة مرِنة ومتفهّمة ومُرحّبة بأبنائها بخصوصياتهم واختلافاتهم وتنوع مساراتهم. لم ألتقِ شهاب المهتلّي بعد تلك اللحظة ولست مطلعا على التفاصيل التي ميّزت مساره الجامعي، ولكنّي متأكّد أنه درس جيدا وتميّز ومضى بعيدا في تحقيق ذاته ونحت مستقبله.

قد يعترض عليّ بعضكم قائلا “ولكن ما قيمة حالة معزولة من جملة عشرات الآلاف من الحالات العادية الأخرى ؟! “

بالنسبة إليّ، وعلى عكس ما يتصوّره بعضنا، عدد مثل هذه الحالات الخاصة جدا يُقدّر بالعشرات إذا لم يكن بالمئات، وبالتالي فهو محمول علينا جميعا وعلى الدولة وأجهزتها بصورة خاصة أن نعتني بها ونُصغي إليها وأن يُكسر أنف القوانين والضوابط والمقاييس والإجراءات المحنّطة والسياسات المُنمّطة في سبيل تعهّدها واجتراح الحلول الملائمة حتى لا تظل على حافة الطريق. ومن ناحية أخرى، فإنه يكفي أن يفشل أي نظام في إنقاذ شخص واحد حتى يحكم على نفسه بالعجز والقصور وانتهاء مشروعية استمراره  لأن الفرد في نهاية المطاف هو محور أية سياسة ومنتهاها وغايتها.

وسأعرض عليكم فيما يلي ـ  وفي علاقة بموضوع التوجيه بالذات ـ جملة من المفارقات الموجِعة التي نعيشها هذه الأيام بسبب سياسات دولة تحرص بصورة شكلية على تطبيق قوانين تطحن الأفراد وتشمت في خصوصياتهم المُعيقة وتمتنع بصورة إرادية عن بذل أي جهد استثنائي يخدم الناس ويخفّف العبء عن عائلاتهم الرازحة تحت نير معيش يومي ثقيل وماحق :

ماذا يعني أن تحجِب وزارة التعليم العالي جملة من الشعب الجامعية (ودون أدنى إعلام مُسبق للرأي العام الوطني والطلبة الجدد بصورة خاصة، وما عليك إلا أن تكتشف ذلك بنفسك أثناء تعمير بطاقة إعادة التوجيه على الإنترنت عندما تعترضك عبارة “اختيار خاطئ” الطّاردة) ولا تعرضها في إعادة التوجيه أو النقلة ؟ والحال أنه حقّ مشروع ولا نزاع فيه خاصة بالنسبة إلى من يستجيب لشرط مجموع النقاط من ناحية، ومن لديه أوضاع اجتماعية أو عائلية غاية في التعقيد والحدّة من ناحية أخرى ؟

وماذا يعني أن تُحجب الشعب التي تتطلب اختبارات من إعادة التوجيه (حتى مع توفّر شرط مجموع النقاط) بدعوى أن أعضاء اللجان المكلّفة بإجراء الاختبارات أنهوا عملهم في بداية شهر أوت وتقاضوا أجورهم وعادوا إلى شواطئهم ولا يمكن بأي حال أن يعودوا لإجراء الاختبار مجدّدا (هكذا !)…والأغرب من هذا أن وزارة التعليم العالي تفسح المجال لـــ “أصحاب المواهب والمهارات الاستثنائية” ليلتحقوا ينفس هذه الشعب في نهاية شهر أوت (السياحة والصحافة والسينما والموسيقى والمسرح والتصميم…) بعد مواعيد التئام اللجان المذكورة ؟

وماذا يعني أن يوجد تلاميذ متميّزون جدا في الرياضات المختلفة وينتمون إلى جمعيات مدنية جهوية ووطنية ولكنهم أحرزوا شهادة الباكالوريا في غير شعبة الرياضة أو أحرزوها في باكالوريات أخرى ولم يسعفهم شرط مجموع النقاط من الحصول عليها فيحرمون من الالتحاق بالمعاهد العليا للرياضة والتربية البدنية المنتشرة في أربع ولايات ؟

وماذا يعني أن يحصل تلميذ على باكالوريا تقنية وتنقصه نقاط قليلة في اختصاصات تكنولوجية هي في صميم ما تدرّب عليه في المرحلة الثانوية مثل الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية والميكاترونيك … ويُزجّ به في شعبة الفرنسية أو التاريخ أو المحافظة على الممتلكات الثقافية وترميمها…بدعوى “الاحتكام الصارم إلى المقاييس الموضوعة في المجال” ؟ والجميع يعلم مُسبقا أن أعداد هؤلاء في اللغة الفرنسية تحديدا تحوم حول مستوى الصفر وأن مصير هؤلاء “التائهين” هو الانقطاع ومواجهة أدغال الحياة الموحشة.

وماذا يعني أن نُرسل طالبة جديدة من تونس الكبرى (ومن أبويين مُربيّين وبالتالي لا يمكن أن يصنف مطلبها ضمن الحالات الاجتماعية) إلى إحدى مدن الجنوب لتدرس اختصاصا يوجد مثله تماما في جهتها الأصلية ولكن مجموعها تنقصه نقطة أو نقطتان ؟ وماذا يعني أن يتمّ التذرّع بالاختلال المحتمل في طاقة استيعاب الشعب المعروضة للتناظر والكل يعرف أنه بعد انطلاق السنة الجامعية، تكون أغلب المؤسسات الجامعية تعمل بنصف طاقتها أو ربعها أو حتى عشرها وأدنى ؟ وماذا يعني أن يتمّ التغافل رسميّا عن احتساب الآلاف من الطلبة الجدد الذين يختارون (لأسباب مختلفة) الالتحاق بالتكوين المهني والتعليم الخاص والدراسة بالخارج، في تعديل طاقة استيعاب التعليم العالي العمومي المحددة وفق مقاييس حديّة صارمة لا تشبه بالمرة عدم التحكّم بهذا التشتّت المريع في المنظومة الوطنية للتعليم والتكوين عموما ؟

وماذا يعني في النهاية إرجاء إصلاح هذه المنظومة التي تآكلت وباتت تتسبّب سنويا في مآس عديدة تُلقي بتداعياتها المدمّرة على مستقبل أجيال وتوازن عائلات وتماسك مجتمع بأسره ؟

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار