تابعنا على

جور نار

سيدي الرئيس … زوّد الصنّارة بما يناسب السمك !

نشرت

في

طبعا لست من الذين رفعوا عقيرتهم بالصراخ مطالبين بالتراجع عن “الانقلاب”، ستستغرب سيدي الرئيس إن أسميت ما أتيتموه انقلابا …لأني على يقين أنه انقلاب…نعم انقلاب محمود في البعض من جزئياته…لكن على ماذا يا ترى؟ هو أولا انقلاب على ما وقع الاتفاق عليه في اجتماع باريس، فاتفاق باريس كان شبه اتفاق دائم بين الأطراف التي هندسته، فهؤلاء نسوا أو تناسوا أن تونس تعيش على رمال متحرّكة يستحيل معها الحفاظ على استقرار سياسي في أعلى هرم السلطة، ويستحيل معها استنساخ نتائج محطة انتخابية مع محطّة أخرى…

***

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

وهو ثانيا انقلاب على منظومة أنتم أحد أطرافها الثلاثة…والانقلاب في أبـسط تعريفاته هـو الإطـاحـة بـالـسـلـطـة الـشـرعـيـة بطريقة غـيـر شرعيـة، لكن في حالتنا هذه فالسلطة الشرعية انقلبت على نفسها وغيّرت المواقع، ولها الكثير من المبررات التي تُلزمها بالانقلاب على جزء منها…فلو انتظرتم سيدي الرئيس لشهر واحد فقط لتعلنوا “انقلابكم” لكان الانقلاب شاملا على كل المنظومة ولكان المشهد مخالفا تماما عمّا نعيشه اليوم…أو لكان انقلاب بقيّة أجزاء المنظومة عليكم سيدي الرئيس…ولأصبحتم في عداد العاطلين عن العمل، السياسي طبعا…وثالثا هو انقلاب ستحصدون كل ثماره وستستفيدون منه …لكن هل سيحصد الشعب معكم شيئا يا ترى، وهل سيستفيد مما فعلتم سيدي الرئيس…ورابعا هو انقلاب عقابي نأمل أن لا يزيد الطين بلّة…فأنتم عاقبتم بعضكم أو جزءا من منظومتكم بسبب فشلها في القيام بما يقع على عاتقها، وهنا علينا أن نسأل أيضا، هل قمتم أنتم بما يقع على عاتقكم ألستم أحد أضلع هذه المنظومة؟ وهل ستقبلون بعقاب الشعب غدا إن أخفقتم في ما يقع على عاتقكم؟ فأنتم لا تمتلكون تلك العصا السحرية للنجاح…والنجاح غير مضمون بعد كل ما حصل في البلاد خلال عشرية كاملة من التخريب والتدمير الممنهج…

***

إذن سيدي الرئيس، أنتم أكبر المستفيدين مما حصل ويحصل اليوم، فأنتم استحوذتم على كل السلطات لمدّة معلومة قابلة للتمديد، ستغيّرون خلالها ما يعرقلكم عن أداء عملكم وإنجاز بعض وعودكم لمن انتخبوكم، والله يعلم أننا لا نعلم إن كنتم ستمدّدون في مدّة “استيطان” السلطة إلى ما لا نهاية أم ستعيدون البعض من “مستوطنات” الحكم إلى من افتككتم منهم نصيبهم من السلطة والحكم…فبالفصل 80 من الدستور انقلبتم على من انقلبوا عليكم…وغدا بالفصل 163 من القانون الانتخابي قد تخرجون الجميع من تحت قبّة باردو وقد تقايضونهم من أجل مصلحة عليا لوطن يتألم…فأنتم وسعتم صلاحياتكم…لكن ضيّقتم الخناق على أنفسكم دون أن تكونوا على بيّنة من الأمر…فاليوم أنتم من سيحاسبه الشعب عن كل فشل أو انهيار … ولا أحد غيركم…

هل ستنجحون في ابعاد أصحاب الولاءات الأجنبية وهم كثر في مشهدنا؟ هل باستطاعتكم أن تساعدوا البلاد على أن تنهض من جديد بين كل هذه الأنقاض، وبعد كل هذا الدمار والانهيار؟ هل بإمكانكم، وهل ستنجحون في تغيير عقلية ساستنا من عقلية السمسرة إلى عقلية النزاهة؟ هل ستغامرون وستكون لكم الشجاعة في أن تقولوا لا للاتحاد وأن توقفوا مهزلة الاقتطاع الآلي…وهل…وهل…كلها أسئلة نسمعها اليوم من ألسنة المواطن المسكين…فالمواطن التونسي اليوم يحقّ له أن يحلم…ويحقّ له أن يرى أحلامه تتحقّق…فمجرّد ابعاد النهضة عن المشهد الحاكم كان حلما…فأصبح حقيقة…

سيدي الرئيس، مشكلة هذا الشعب ليست في ما فعلتموه إن كان انقلابا أو فقط عملية إنزال سياسي من أجل توسيع صلاحياتكم وتغيير ما لا يمكن تغييره تحت قبّة باردو…المشكلة تكمن في أن السلطة التي انقلبتم عليها وأوصلتنا إلى ما نحن فيه هي سلطة فاسدة ساقطة ومجرمة لم تلتفت يوما لوجع شعبها…ولم تكترث بمآلات أفعالها…فهذا الشعب لم يعد يكترث من يكون رئيس الحكومة ومن يكون الوزير، ومن يكون من حول الوزير فالنتيجة عندهم واحدة، ولن يتغيّر حالهم بمجرّد تغيير الأسماء…فالشعب يعيش منذ عشر سنوات أو يزيد في قبضة سلطة قتلت شعبها وخربت اقتصاد بلدها…دمرت القضاء والتعليم والصحة…وكل القطاعات المنتجة  وغير المنتجة…أحبطت جيلا بأكمله أصبح يجد في الانتحار غرقا في المتوسط حلاّ لجميع مشكلاته…

***

هل تسمحون سيدي الرئيس أن أسألكم، وأنا على يقين أني قد أُعدم أو قد أُسجن أو قد أحَاسب حسابا عسيرا من أجل تطاولي على مقامكم، ومقام انقلابكم بأسئلتي هذه وبما كتبت، وأنتم اليوم تملكون كل تفاصيل الحكم وكل ما يسمح لكم بالاستبداد إن أردتم طبعا ولا أظنّ أنكم ستستبدون يوما…ولأني سُعدت بالانقلاب كأغلب أبناء هذه البلاد…ولكل سبب سعادته، فأغلب من خرجوا يبايعونك يوم أعلنتم الاستحواذ على بقية السلط، خرجوا فقط لأنكم أبعدتم النهضة وشيخها عن هرم السلطة والحكم…ولا أحد منهم حين خرج فكّر في الوطن وفي انهيار البلاد اقتصاديا وسياسيا…جميعهم نسوا أن النهضة ومن معها تسببوا في كل ما نحن فيه ووجب محاسبتهم قبل ابعادهم…جميعهم وقعوا في الفخّ…هذا الفخّ الذي نعاني منه منذ انتخابات 2014 …فالباجي استعمل النهضة للوصول إلى الحكم ثم أجلسها إلى جانبه وجالسته وداعبها وداعبته حتى مات رحمه الله وأورثنا تركة مؤلمة أوجعتنا كثيرا…وبعض الأحزاب اليوم تستعمل النهضة أيضا لرفع حجم مخزونها ومضاعفة عدد أنصارها…وأنتم اليوم سيدي الرئيس تدغدغون مشاعر وأمزجة أتباعكم وأنصاركم وبقية مكونات المشهد بضربكم للنهضة وشيخها…أتدرون سيدي الرئيس أن هناك من كانوا سببا في ما نحن فيه بحجم النهضة أو أكثر وليسوا من الأحزاب…أتدرون…

شخصيا لست ضدّ ما فعلتم لكن خوفي من الآتي هو سبب ما كتبت…فأنتم في نهاية الأمر أنقذتم البلاد حتى إشعار آخر…لكنكم أيضا أنقذتم النهضة ومن معها ووضعتم الحبل، وأقصد حبل مسؤولية وتبعات الحكم الذي كان يلف رقبة المنظومة وعلى رأسها النهضة برقبتكم…فأنتم من سيتحمّل مستقبلا جوع الجائع…وبكاء المظلوم…وخيبة الفشل…ومرض المسنّ…وألم فراق الشهيد…ونحيب الثكالى…وغيرها من أوجاع الشعب والأمة…فأنتم اليوم “مولاها” ومن يتحمّل كل أوجاعها وأوجاع شعبها…فهل أنتم على بينة مما فعلتم وما تفعلون؟ فأنتم، وأنتم فقط بعد أن هربت النهضة ومن معها بجلدها …أقول أنتم فقط من ستحاسبون عن فشل أو نجاح هذه العهدة وهي إلى الفشل والخراب أقرب بما تركته لكم منظومة الخراب…وأظنكم  واعين بهذا الأمر وما ينتظركم…

سيدي الرئيس ليس أمامكم الكثير من الوقت وأنتم أمام أصعب مهامكم، وطريقكم ستكون مزروعة ألغاما…وفخاخا…وعليكم وهذا الأهمّ أن تحقّقوا وفي زمن قياسي إنجازا ولو صغيرا ترسلون به رسالة طمأنة للداخل والخارج…فدون طمأنة لا أظنّ أن هذا الشعب الموجوع سينتظر كثيرا قبل العودة إلى الشارع…ولا أظنّ أنه لو خرج سيعود قبل تغيير ما يراه صالحا لأجيالنا القادمة…

هم سعدوا لأنكم أبعدتم النهضة…وأنا سعدت بما سعدوا لكن سُعدت أكثر لأنكم أقلتم المشيشي السبب الأكبر لما نحن فيه…لكن هل هذا كل ما نريده فقط منكم سيدي الرئيس؟ هل أن مشكلاتنا هي فقط كيف نُبعد المشيشي لأنه انقلب علينا وارتمى في أحضان شيخ النهضة…وهل أصبحت النهضة وطنا حتى تكون هي مشكلتنا ألم تفسد في الأرض عشر سنوات؟ أنسيتم أن النهضة أعطتكم نصف مليون من أصواتها لأنها كانت ترى فيكم شبيها بمن سبقكم على كرسي قرطاج…أنسيتم أن المشيشي هو من وقع عليه اختياركم؟ إذن فأنتم اليوم انقلبتم على من كانوا إلى وقت غير بعيد سندا لكم، فهل لكم القدرة على تحمّل تبعات الفشل وهو الأقرب من كل الفرضيات الأخرى غدا… فمن كانوا سندا لكم أصبحوا خصوما يحاربونكم بما أوتوا من قوّة؟

***

هل ستخرجون البلاد من أزمتها؟ وهل ستنجحون في حلّ أغلب معضلاتها… المديونية… تراجع مخزوننا من العملة… شلل تام في الاستثمار والتنمية… المعاناة الاجتماعية… الحاجة الى الاصلاحات…هل ستنجحون في مقاومة الفساد وهو جزء هام من المنظومة الحالية؟ هل سترفعون المظالم التي ارتكبت في حقّ كل كفاءات البلاد سنة 2011؟ هل ستنجحون في كسب معركتكم الأولى والأهمّ اليوم، حربكم على الوباء؟ والأهمّ هل ستنجحون في مصالحة هذا الشعب بعضه ببعضه…هل ستنجحون في تخفيض نسبة الحقد التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم؟ أتدرون أن سقف انتظارات هذا الشعب أصبح مرتفعا جدا فهل سترفعون التحدّي؟

***

سيدي الرئيس…شعبكم وأنصاركم واتباعكم، ومن أسكرتهم “خمرة” قراراتكم، فخرجوا دون وعي منهم، دون احترام لبرتوكول التباعد الجسدي ولبس الكمامة، يبايعونكم ويصرخون “الله احد وقيس ما كيفو حدّ” سيستفيقون من سكرتهم بعد أن تُكملوا وضع بقية تفاصيل تحويل ملكية مستوطنات الحكم باسم مقامكم، أقول شعبكم سيخرج ليطالبكم بما وعدتموه…وبدفع الدين الذي بذمتكم….أتدرون سيدي الرئيس…أن العاطل سيسألكم عملا…وإن لم يجد فسيدير وجهه عنكم….والمظلوم سيسألكم العدل فإن لم تعدلوا بسبب أو بآخر… فإنه سيدير وجهه عنكم…والمريض سيسألكم توفير مصحة أو مستشفى بقريته لأن زوجته ماتت وهي في الطريق إلى العاصمة لإجراء عملية قيصرية…فإن لم توفروا له ما يريد …فإنه سيدير وجهه عنكم…والمسجون ظلما سيسألكم العفو فإن عجزتم …فإنه سيدير وجهه عنكم…والذي نهبت الدولة أمواله سيسألكم حقّه فإن أبيتم…فإنه سيدير وجهه عنكم…ومن منعوا عنه جواز سفره سيسألكم حقّه، فإن رفضتم…فإنه سيدير وجهه عنكم…وأبناء الشهيد الذين يموتون جوعا سيسألونكم دم والدهم، فإن أطلتم الردّ…فإنهم سيديرون وجوههم عنكم…والمدوّن الذي سجنتموه ظلما سيسألكم عدلكم، فإن أدرتم له وجهكم…فإنه سيدير وجهه عنكم…والكفاءة التي ظلمت وحرموها من ترقيتها وجُمدت في رتبتها ستسألكم عدلكم وحقّها، فإن تغافلتم…فإنها ستدير وجهها عنكم…والجائع الذي لم يجد قوت يومه وما يسدّ به رمق أطفاله سيسألكم مالا وصدقة، فإن أبيتم…فإنه سيدير وجهه عنكم…هذا جزء بسيط مما ينتظركم سيدي الرئيس…فهل أنتم واعون بما فعلتم…وهل أنتم على وعي بما ينتظركم وما ستفعلون؟

سيدي الرئيس، وأنتم تستعدون للإعلان عن حكومتكم…أول حكومة ستختارونها بالكامل…هل فكّرتم فعلا في كفاءات البلاد التي أبعدت….وكفاءات البلاد التي شرّدت…وكفاءات البلاد التي ظلمت…أتحتاج هذه الأرض إلى كل أبنائها…سمعنا كثيرا في أغلب خطبكم عن العدل…وعن الحقّ…وعن نظافة اليد…لا أحد منّا …وليس خوفا ولا مدحا يشككّ في نظافة يدكم… وفي نزاهتكم…فهل أنصفتم من ظلموا…وأياديهم نظيفة…وهل أنصفتم كفاءات المنظومة السابقة التي تواصل المنظومة التي انقلبتم عليها هرسلتَهُم والتنكيل بهم كل أسبوع بالمحاكم…أتريدون أن يحبكم الشعب…كل الشعب…أعدلوا بين من كانوا في الحكم قبل 2011 ولم يفسدوا وبين من حكموا بعد 2011 ولم يفسدوا….ونحن نعلم أنكم تعلمون أن من أفسدوا بعد ذلك التاريخ هم أضعاف أضعاف من افسدوا قبله…

***

سيدي الرئيس، سيحوم حولكم الكثيرون…وسيتقرب منكم الكثيرون…وسيهجر بعضهم أحزابهم ولودّكم سيخطبون…سيجتمع حولكم الكثيرون وفي بعض المواقع يرغبون…منهم من هم من عائلتكم…ومنهم من هم من اصهاركم…ومنهم من هم من أصدقائكم…فلا تستمعوا إلا لما يمليه عليكم ضميركم…والحقّ…فكل من سبقوكم هناك على كرسي بورقيبة العظيم…وبورقيبة نفسه… خُدعوا…من أقرب الناس إليهم…فأخطأوا كثيرا…ولم يعدلوا في بعض الحالات…وظَلموا دون أن يعلموا أنهم ظَلموا…فاعتبر سيدي الرئيس…اعتبر من كل أخطاء من سبقوك…

***

سيدي الرئيس الأكيد أنكم قرأتم في أسباب ما نحن فيه…والأكيد أنكم شخّصتم الوضع جيدا…فليست الأحزاب وحدها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه… ابحثوا عن الأسباب…فمن يا ترى أوقف انتاج نفطنا…ومن يا ترى عطّل انتاج فسفاطنا…ومن يا ترى اغلق معاملنا…ومن يا ترى خرّب اقتصادنا…ومن يا ترى أبعد عنّا استثمارات الأجانب بيننا…ومن يا ترى ضاعف حجم كتلة أجورنا…ومن يا ترى ساهم في إضعاف إنتاجنا…ومن يا ترى قطع طرقنا…ومن يا ترى يجلس مع كل حكوماتنا يفرض خياراته عليها…ويشاركنا الحكم في أدقّ أدقّ تفاصيله…

***

سيدي الرئيس، سيقايضونك في ألف قضية وقضية…وسيضيّقون عليك الخناق يوم ترفض طلبا لهم…وسيهددونك بالإضراب العام وغلق مواقع الإنتاج…فأعلن قبل فوات الأوان…أعلن مواقع انتاجنا مواقع عسكرية… فجيشنا الوطني هو ضمانة الدولة والأمن والاستقرار…

سيدي الرئيس، لا تلوموني فأنا لست ممن يحبون الثناء ويجيدون المدح، لذلك فلا تنتظروا مني ثناء ومدحا…فأنا لست ممن يتملقون ليخبروكم بما تظنونه عن نفسكم وهو ربما ليس فيكم، طمعا في موقع أو ترقية أو مال…

سيدي الرئيس أختم رسالتي لأقول أن السمك يفضّل الديدان لذلك عندما أذهب للصيد لا أفكّر في ما أريده أنا من لحم ومن فاكهة بل في ما يريده السمك…لذلك أقول لكم سيدي الرئيس، استعملوا نفس الإدراك لكسب الرجال زوّدوا الصنّارة بما يناسب السمك…وأضيف…حدّثوا شعبكم بما يرغب فيه لا بما ترغبون فيه أنتم…وأكشفوا له الحقيقة الكاملة عن وضع البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا…فهو ينتظر الكثير…في زمن قصير…فقد يهادنكم…ويصبر عليكم…إن أخبرتموه بوجع الوطن…هو يريد منكم أن تروا ما يرى…وأن تسمعوا ما يسمع…وأن تقولوا ما يقول…وأن تشعروا بما يشعر…دون ذلك فلن يهادنكم…ولن يصبر…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار