من غير المنطقي أن نقول بأن تصريحات قيس سعيد هي السبب في تخفيض وكالة موديز للترقيم الائتماني لتونس بل على العكس من ذلك يبدو أن تصريحه الساخر من هذه التصنيفات قد يكون استباقا منه للأمر باعتبار اطلاعه على مخاوف البنك المركزي و معرفته الدقيقة بواقع الاقتصاد التونسي ، و لا يعدو أن يكون محاولة منه لإضافة نقاط إلى رصيد شعبيه خاصة و هو يؤكد على ضرورة احترام إرادة الشعب، كما هو الحال تماما بالنسبة إلى استدعائه للسفير الأمريكي منذ يومين و تعبيره عن رفضه لوضع الملف التونسي على قائمة أعمال الكونغرس و هو الأدرى من غيره بأن الإدارة الأمريكية لا يمكن لها التدخل في شؤون السلطة التشريعية هناك و لا أن تحاسبها على قراراتها أو تتحكم في مواضيع اجتماعاتها …
<strong>عبير عميش<strong>
إذن أمر التخفيض كان متوقعا و منتظرا لأن الآفاق منذ آخر ترقيم في أواخر فيفري الماضي كانت سلبية و لكن عدم الاستعداد لهذا الموعد منذ أشهر إضافة إلى اضطراب الأوضاع السياسية في البلاد زاد الأمر تدهورا ، فوفق تقرير “موديز” و بعيدا عن الجانب الاقتصادي ، فإنّ من بين أسباب التصنيف السلبي غياب المحكمة الدستورية و غياب القدرة على فض النزاعات بين التنفيذي و التشريعي و الشكوك بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ التدابير التي من شأنها ضمان التمويلات اللازمة و التأخير الكبير في القيام بالإصلاحات
و لسائل ان يسأل هل كان بالإمكان تفادي ما وقع خاصة أنه نتيجة تراكمات لسنوات طويلة من سوء التسيير وضعف الحوكمة و انعدام الكفاءة و التعامل مع الدّولة بعقلية الغنيمة ؟
لست مختصة في الاقتصاد لأجزم بالإجابة و لكن يقول عديد المختصين أن ذلك كان ممكنا لو أن رئيس الجمهورية و البنك المركزي دخلا في حوار مع هذه الوكالات مباشرة بعد 25 جويلة و طلب منها تأجيل تصنيف تونس نظرا للوضع الاستثنائي و سارع بالتوازي مع ذلك في إرساء حكومة و بناء توجهاتها الكبرى فتكسب تونس المزيد من الوقت لتحقيق بعض الإصلاحات العاجلة التي تجنبها هذا المصير و تجنّب الاقتصاد التونسي هزّة جديدة قد لا يستطيع تحملها
و حتى لا أتهم بالتشاؤم فإنني أقول بأن باب الأمل مازال مفتوحا أمام بلادنا. فالتصنيفات مؤقتة و قابلة للمراجعة بصفة دورية ، ويكفي اتخاذ بعض الإجراءات في المجال المالي والاقتصادي و حسن إدارة الأزمة السياسية حتى يتم تحسين التصنيف حتى تستعيد الأسواق ثقتها فينا خاصة و أن لنا من المقوّمات الجغرافية و البشرية ما يسمح بذلك ..
فليت الرئيس قيس سعيّد يغيّر من أسلوبه التواصلي و طريقة تعامله مع الشعب فيدعو التونسيين إلى العمل ومقاومة الكسل والتواكل بدل الحديث عن الثروات المنهوبة و عن الأموال المسلوبة و عوض التوعّد و التهديد و الخطاب المتشنج عن التنكيل بقوت الشعب فخطاب كهذا قد يجد هوى في نفوس أنصاره و لكنّه لا يخرج البلاد من أزمتها … كفانا وقوفا على الأطلال و حديثا عن الماضي ( لحظة 17 ديسمبر 2010 ) و محاسبة للماضي، و لننظر إلى المستقبل و كيفية بنائه حتى لا نعود إلى مربعات الصراعات القديمة
سيدي الرئيس إن السيادة الوطنية ليست خطبا رنانة تلهب مشاعر الجماهير فقد جرب ذلك قبلك عبد الناصر و القذافي و صدّام حسين و لكنّهم فشلوا في تجسيدها على أرض الواقع .. إنّ السيادة في ظلّ العولمة هي اقتصاد قوي وعمل متواصل و تشجيع على الاستثمار والإنتاج والتصدير …السيادة الوطنية هي شعب يأكل مما يزرع و يصدّر بأكثر مما يستورد و تقل ديونه عن ناتج دخله القومي ..السيادة الوطنية هي التخلّص من البيروقراطية القاتلة وتطوير التعليم و تحسين الخدمات الصحية و زرع الثقة في الشباب و انتشاله من البطالة و دخول فعلي للعالم الرقمي و بناء استراتيجيات للأجيال القادمة …
إنّ للكلمة يا سيدي الرئيس وقعا و سحرا في النفوس فاجعل كلماتك بنّاءة مجمّعة ، ابتسم في وجوهنا و كفانا توتّرا … ألا يكفينا ما نعانيه من ضنك في يومنا حتّى تطلّ علينا متجهّما في كلّ مرّة .. اتركنا نحلم بتونس أفضل دون أحقاد أو تصفية حسابات …
اترك لنا مجالا لنحلم بمستقبل أفضل خاصة بعد أن تشكلت هذه الحكومة التي يبني عليها الكثيرون آمالا كبيرة و يعتبرون أنها حكومة الفرصة الأخيرة لتونس
تمّ تنصيب الحكومة منذ يوم الاثنين الماضي و لكننا مازلنا بانتظار التعرف إلى برنامجها و أولوياتها فحتى الكلمة المقتضبة التي ألقتها رئيسة الوزراء ساعة الإعلان عن التركيبة الحكومية لم تكن إلاّ كلاما إنشائيا عن ضرورة استعادة الثقة دون خطة عمل واضحة و بالتالي لا يمكننا اليوم أن نحكم على حكومة لم ينطلق أفرادها في العمل بعد فإنجازاتهم هي التي ستتحدث عنهم في نهاية الأمر، و لكن من حقنا أن نطرح مجموعة من الأسئلة نراها هامة في هذه المرحلة من تاريخ تونس
ما هي الاستراتيجية المطروحة لمحاربة الفساد؟ هذا الملف الذي طالما تحدّث عنه رئيس الجمهورية و أوصى وزيرته الأولى بأن تجعله في أعلى سلّم أولوياتها ؟
كيف سيقع تمويل عجز ميزانية 2021 و تعبئة موارد ميزانية 2022 ؟
هل هناك خطة لتعاون ثنائي مع بعض الدّول التي ساعدتنا سابقا و تبرّعت لنا بمئات الآلاف من جرعات التلقيح ؟
كيف سيتم إقناع صندوق النقد الدولي بالرجوع إلى طاولة المفاوضات؟ و ما هي الإصلاحات التي ستتعهّد بها الحكومة من أجل ذلك و كيف سيكون وقعها على المواطن ؟ و ما مدى قدرة الحكومة على تنفيذ هذا البرنامج، خاصة وهي حكومة وضع استثنائي؟
كيف ستكون العلاقة مع الشركاء الاجتماعيين ( اتحاد الشغل و اتحاد الأعراف )، خاصة أنهم بدؤوا في المطالبة بتطبيق الاتفاقيات السابقة
كيف سيتمّ التعامل مع ملف العاطلين عن العمل و خاصة تفعيل قانون عدد 38 ؟
ما هي الخطة المعتمدة لحماية القدرة الشرائية المتدهورة للتونسيين بإصلاح اقتصادي حقيقي و دون التهديد بالالتجاء إلى القوات المسلّحة ؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة و غيرها من شأنها أن تعطينا فكرة عن توجه الحكومة و عن مستقبل البلاد في قادم الأيام
أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..
لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟
إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …
حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..
المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …
إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف
في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..
نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …
منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.
و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..
لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..
كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.
تمّ منذ يومين تسريب وثيقة سرّية تتضمّن أسماء 25 شخصيّة بين سياسيين و أمنيين و مسؤولين سابقين و حاليين و إعلاميين و فنّانين و شخصيّات عامّة بتهم التآمر على أمن الدّولة و تكوين و فاق إجرامي و ربط اتصالات مع أجانب للإضرار بالبلاد و التّدليس و مسك مدلّس …
<strong>عبير عميش<strong>
هذه تهم ـ إن صحّت ـ كفيلة بأن ترسل مقترفيها وراء الشّمس. لكنّ التهمة التي شدّت انتباهي أكثر من غيرها هي “ارتكاب أمر موحش ضدّ رئيس الدّولة” (و هي تهمة قديمة لم يستحدثها نظام 25 جويلية لكنّه كثيرا ما لجأ إليها في الفترة الأخيرة لمحاكمة خصومه رغم ادّعائه القطع مع الماضي و ابتكار مقاربات جديدة) و لكنّي كلّما قرأت هذه التهمة أخذت أتساءل عن شكل الأمر الموحش ضدّ رئيس الدّولة ؟ و ما الفرق بين رئيس الدّولة و باقي المواطنين فما هو إلا موظّف يسيّر دواليب الدّولة لخدمتهم ؟ و أخذت أتساءل أكثر عن معنى الأمر الموحش ؟
أ ليس تكبيل الأجيال القادمة بالديون و الاتفاق مع صندوق النّقد الدّولي على ترفيع الأسعار و رفع الدّعم دون تعديل في الأجور أمرا موحشا ضدّ فئات كبيرة من الشّعب التّونسي و استهدافا لقدراتهم الشّرائيّة ؟
أ ليس قتل الأمل في نفوس أجيال من الشّباب و دفعهم إلى الهجرة بكلّ الوسائل المشروعة و غير المشروعة أمرا موحشا ضدّ الشّعب و ضدّ مستقبل البلد ؟
أ ليس غياب المواد الأساسية و الاضطرار إلى ملاحقتها و اللهث وراءها أمرا موحشا في حق الشعب و ضد؟ كرامته و إنسانية؟
أ ليس وضع مستشفياتنا العموميّة و تدهور الخدمات الصّحّية أمرا موحشا في حق المرضى و استهزاء بحقهم في الصحة و الحياة ؟
أ ليس فقدان الأدوية الحياتية و طول فترات انتظار المرضى للحصول على أدويتهم الحياتية أمرا موحشا في حق الشعب و استنزافا لجهده و صحته ؟
أ ليست صفقات اللوالب الفاسدة و البنج المنتهي الصلوحية و أطفال الكرذونة و غياب لقاحات الكوفيد في ذروة الأزمة أمرا موحشا في حق هذا الشعب و تدميرا لكل جميل في الوطن ؟
أ ليست حالة طرقاتنا الكارثية و اهتراء وسائل نقلنا العمومي و اضطراب توقيت سفرات الحافلات و المتروات و القطارات و حتى البواخر و الطائرات أمرا موحشا في حق الشعب و حق ضيوف البلد؟
أ ليس تأخر ترتيب جامعاتنا و ضعف تصنيف بلادنا و تدهور منظومتنا التربوية أمرا موحشا في حق الشعب و مستقبل أبناء الشعب ؟
أ ليس قطع المياه لأيام طويلة في عزّ الصيف عن جهات بعينها أمرا موحشا في حق الشعب ؟
أ ليس انتشار القمامة و غياب الحلول الجذرية للنفايات في صفاقس و برج شاكير و غيرها أمرا موحشا في حق الشعب و تهديدا لصحّته و سلامته و سلامة بيئته ؟
أ ليس أمرا موحشا أن لا يعرف أهالي الحرّاقة مصير أبنائهم و لا مكان دفن جثثهم و أن تقابل احتجاجاتهم بالغازات المسيلة للدّموع و بالرّدع الأمني العنيف ؟
أ ليس التلاعب بقائمة لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم و التكمبين و تغليب مصلحة بعض السماسرة و الجمعيات و الجهات و فساد الجامعة و ضعف المدرّب أمرا موحشا في حق هذا الشعب و حرمانا له من لحظة فرحة و اعتزاز طال انتظارها ؟
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب أن يقوده إعلاميون مأجورون و كرونيكورات تافهون و أن تؤثث لياليه و صباحاته ببلاتوهات الدّجل و الشعوذة و البحث عن الإثارة و البوز؟
أ ليس أمرا موحشا في حقّ هذا الشعب ترشّح البعض لعضوية مجلس النواب الجديد ؟ أ ليس أمرا موجعا الاستماع إلى بعضهم و التفكير في ما “يبشّرون” به من تشليك للبرلمان القادم ؟
أ ليست بعض الخطابات و ما فيها من تحقير لفئات من الشعب أو من اتهامات و تخوين و توعّد و تهديد فعلا موحشا ضدّ هذا الشعب و أمرا موتّرا للأوضاع و مسمّما لأجواء الوطن ؟
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب، جزء كبير من الشعب أن تتلاعب البنوك بموارده فيثري أصحابها على حسابه ؟
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب أن تتحكم المافيات و بعض العائلات النافذة بقوته و بمصيره و أن تفرض عليه قوانينها و تستغله لمزيد الإثراء و نفخ حساباتها
أ ليس أمرا موحشا في حق الشعب أن يرى أبناء المسؤولين يصولون و يجولون فيحطمون سيارات الدّولة أو يتنقلون بين بلدان العالم و يستمتعون بأموال الشعب دون حسيب أو رقيب ؟
أ ليس أمرا موحشا أن يرى الشّعب أنّ من ساهموا في تدميره أحرارا طلقاء يطلعون عليه عبر بلاتوهات الإعلام مواصلين السخرية منه ؟ أو يجولون بين عواصم العالم و يتمتّعون بخيراته فيما يبقى هو هنا يعاني الويلات ؟
أ ليس تعيين مسؤولين من أصحاب الولاء و ولاة ضعفاء و وزراء غير أكفاء أمرا موحشا ضدّ الشعب و استسهالا للحكم و تقزيما للنّخب ؟
أ ليس أمرا موحشا في حقّ الشّعب أن تُسلَب منه أحلامه وطموحاته و أن يفقد في 12 سنة ثقته في ما حصل و أمله في التغيير الإيجابيّ ؟
أ ليس أمرا موحشا في حقّ الشّعب أن يجد أغلب الشعب نفسه وحيدا في مواجهة منظومة تفرمه فرما و نظام يسحقه سحقا ؟
و كم من أمر موحش تمّ و يتمّ ضدّ هذا الشعب فإلى من يشتكي و إلى من يلجأ؟
فلا محكمة دستورية لتنصفه و لا محكمة إدارية قادرة على إنفاذ قراراتها و لا مجتمع مدنيّ قادر على تمثيله و لا صاحب عصمة آبِه له و لهمومه ؟
يقول الخبر : “رئيس الجمهورية يصادق على قرض جديد من البنك الأوروبي بقيمة 150 مليون يورو لدعم الصمود الغذائي”
<strong>عبير عميش<strong>
قرض الصمود الغذائي .. يا لها من شقشقة لغوية و عبارة تتواءم مع الشعارات الرنانة و الكلمات الفخمة و الفذلكات اللغوية التي مافتئت تتواتر في خطابات الرئيس و بياناته و التي تذكرنا خاصّة بفترة الستينات وبشعارات القومية و الوحدة العربية و الأفكار الطوباوية و الخطابات النّاريّة التي لم تصحبها قدرات فعلية و لم ترافقها استعدادات واقعية، فلم تعد على أصحابها و بلدانهم و سائر الأمة العربية إلا بالوبال و الهزائم و الخيبات والانتكاسات ..
ألم يؤكد الرئيس مرارا أنّ الأزمة داخلية و ذاتية و مردها الاحتكار و سوء التحكم في مسالك التوزيع و “وضع العصا في العجلة” و العمل على تعطيل الحكومة من أطراف يعلمها الجميع على حدّ تعبيره؟
ألم يؤكّد في عديد المناسبات أنّ خزائن الدولة تفيض بالأموال و لكن انعدام العدل و سوء توزيعها هو العائق؟
فلماذا الالتجاء إلى القرض الخارجي لتمويل استيراد الحبوب أساسا ؟ أليس هذا اعترافا ضمنيّا بخطأ تفسيرات الرئيس و اتهاماته؟ أليس اعترافا ضمنيّا بعدم توفّر السيولة الكافية من العملة الصعبة لتأمين حاجياتنا من الأسواق العالميّة؟
كم قرض (داخليّ و خارجيّ) أمضى الرئيس على مراسيم الحصول عليه منذ انفراده بالسلطة ؟
و هل يأتي يوم نحصل فيه على قرض الصمود الطاقي حتى لا تتعطل مصانعنا و مؤسساتنا وعرباتنا ومولّدات الطاقة لدينا؟
و هل يأتي يوم نحصل فيه على قرض الصمود الدوائي بعد أن صار عدد كبير من الأدوية الحياتية مفقودا من الصيدليات ،و عجز المواطنون عن توفير أدوية لأمراض خطيرة و أمراض مزمنة و علاجات للمسنين الذين خدموا الدولة طيلة عقود، و ساهموا في صناديق الحيطة الاجتماعية على أمل الحصول على تقاعد مريح، فوجدوا أنفسهم يتمنون الموت مائة مرة في اليوم و يعيشون تقاعدا كريها قاتلا يستنزف كل ما بقي لديهم من جهد و طاقة، في طوابير الانتظار أمام مراكز البريد و مقرات ” الكنام ” و مستشفيات الضمان الاجتماعي …
مسؤولون من الحكومة و من البنك المركزي سيتوجهون بعد حوالي أسبوع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لمواصلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد أقترح على الرئيس أن يطلق عليه تسمية ” قرض الصمود الحكومي ” أو ” قرض الإنقاذ الإخشيدي ” فهو الأمل الذي مازالت تعيش به هذه الحكومة و الرئيس من ورائها ، قبل أن يثور الشعب من جديد و هو يرى كل يوم مواد رئيسية تختفي من الأسواق و يرى قدرته تنهار و أحلامه تتلاشى …
و لكن لا أحد فكّر في أن يُطلِع هذا الشعب – الذي يريد و يعرف ما يريد – على فحوى المفاوضات و بنود الاتفاق و خاصة مدى تأثيره – إن حصل – على حياتنا و معيشتنا و قدرتنا الشرائية مثلما لم يطلعنا أحد على بنود اتفاق قرض الصمود الغذائي و شروطه و نسبة الفوائد فيه و مدّة سداده ..
أين الشفافية و الوضوح ؟؟ لماذا تواصل هذه الحكومة (كالحكومات التي سبقتها) معاملتنا كرعايا لا كمواطنين ؟
و لماذا نتحدث عن قرض للصمود الغذائي بدل أن نتحدّث عن العمل لتحقيق الصمود الغذائي، و بدل أن نتحدّث عن زرع المساحات المهجورة لتحقيق الصمود الغذائي، و بدل أن نبادر إلى تغيير نوع الزراعات و إلى حسن الّتصرّف في الموارد المائية لتحقيق الصمود الغذائي
لماذا لا يبادر الرئيس إلى إصدار قوانين جديدة و هو يحكمنا بالمراسيم منذ أكثر من سنة تضمن النماء والتطوّر الاقتصاديين؟ لماذا لا يستعين بلجنة تضمّ خبراء من الشبان ذوي النّظرة المجدّدة و التفكير البديل ورجالا ممن خدموا الدّولة في سابق الفترات و حققوا إنجازات مازلنا نعتمد بعضها كمرجعيات إلى اليوم، بدل الترويج لحلول شعبويّة ليس لها من فائدة غير إثارة حقد السكّان على بعضهم البعض و لا يمكن أن تمثل حلولا حقيقية لوضعنا الاقتصادي فما نسبة العطور و مواد التجميل و أطعمة الحيوانات المستوردة التي يقترح التوقف عن استيرادها من مجموع وارداتنا ؟ إنها لا تبلغ نسبة 1% من إجمالي الواردات …
و إن كنّا لا ننكر أهميّة الحلّ الحمائي في كلّ المجالات للحفاظ على العملة الصعبة و مراعاة ظروف البلاد وحماية المؤسسات التونسية، فإنّ حلولا أخرى ممكنة هي أكثر جدوى و فاعليّة و لكنّها تحتاج شجاعة القرار والتنفيذ و كان بوسع الرئيس تطبيقها بما لديه من سلطات مطلقة تحت ظلّ حالة الاستثناء التي نعيشها، فبدل البحث عن الأموال المنهوبة في الخارج و هو ملف شائك يتطلب حله سنوات طويلة .. و بدل التركيز على الصلح الجزائي و هو ملف استهلكته الحكومات السابقة و لم يعد تلك الدّجاجة التي تبيض ذهبا، لماذا لا يبحث الرئيس عن تغيير نمط الاقتصاد و فتح الأبواب في كلّ المجالات أمام المستثمرين الجدد؟ لماذا تبقى مجالات بعينها حكرا على عائلات و شركات دون سواها و لا يمكن لأي مستثمر جديد أن يفكّر مجرّد تفكير في اقتحامها أو الاقتراب منها ؟ لماذا تبقى الرّخص حكرا على أسماء بعينها و كراسات الشروط لا تتواءم بنودها إلا مع أسماء بعينها؟
إنّ أي تطوّر أو إصلاح للاقتصاد التوّنسي لا يمكن أن يتمّ دون محاربة هذه “الكارتيلات” التي تسيطر على مجالات بعينها ودون تغيير للقوانين التي وضعت على مقاسها لتجعلها دوما المتحكّم الوحيد في الأسواق
فهل يفعلها الرئيس و يغيّر قواعد اللعبة الاقتصادية بجرّة قلم أو بجرّة مرسوم مثلما فعل مع قوانين اللعبة السياسية و الانتخابية ؟؟