تابعنا على

سرديار

عام الباك

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

كنت مع بعض الأصحاب من الموسومين بالتمرد. ظهر ذلك منذ مراهقتنا الأولى، في اللباس والحلاقة والتدخين، ومطالعة الكتب اليسارية، والمشاركة في كل حركة تلمذية، والاطلاع على النشريات الممنوعة، إضافة إلى الميل إلى مناقشة كل شيء، وهذا ما كان يروق لبعض أساتذتنا المناضلين من أمثال محمد الطاهر شامخي, وعبد العزيز الحاجي ومسعود الرمضاني وشكري المبخوت وغيرهم..

وكنا إلى ذلك نثير حفيظة ٱخرين من الإطار التربوي وخاصة القيم العام الداخلي سي محمد الحامدي يذكره بالخير. كان يُنزل بنا، وبي خاصة، أقسى صنوف العقاب وهي استدعاء الولي. لم يكن في ذهني أشد من ذلك عقابا، حتى انه مرة استدعى أخي الأكبر الذي كان قاسيا جدا حرصا منه على تعليمنا ونجاحنا. دعاه وقد بلغه أنني اقترفت ذنب سب الحكومة في الطريق العام وقرب مركز الشرطة القديم. كان النظام يتهاوى أواخر أيام بورڨيبة، وكنا ناقمين وثائرين بما نستطيع .لم تكن التهمة باطلة. أعترف بذلك ولكن ما زاد الطين بلة أنه أخبره أنني كنت بحالة سكر !

هنا عليّ أن أذكر مزية المرحوم صالح السبوعي، طيب الله ثراه ونعّمه، فقد استطاع إقناع أخي أن التهمة باطلة وتعهد بمراقبتي.. المهم ، بعد أيام ترصدني القيم العام وزج بي باطلا في عمل احتجاجي على رداءة الأكل، والحقيقة أني كنت في الفوج الثاني في حين وقع الاحتجاج منذ الفوج الأول، وفي الأخير قرر رفتي من المبيت في أواخر شهر أفريل 87، أي قبل الباك بشهرين تقريبا..

ما الحل؟ أخفيت الأمر عن أسرتي، فأنا أول أفرادها الذي سيبلغ الباكالوريا بل أول أفراد “دوار الهذايلية”. وتلك السنة كانت سنة زواج أخي الثاني. لم يكن لي أقارب بمركز المعتمدية، وفترة المراجعة تتطلب استقرارا وتغذية و”سخط مسخط” مصاريف دخان وقهوة. تبرع صهر أخي بمنزله الحديث. جلبت حشِيّة (جرّاية) وشبه مخدة، الأكل ” ما تحكيش” هههه. ولكن أيضا لا انسى فضل بعض الاصدقاء في تلك الأيام. الحقيقة كانت أياما صعبة. كان نجاحي متوقعا فنتائجي لم تكن سيئة.

خلقت نظاما جديدا لحياتي في كل شيء: أقوم الرابعة صباحا ، أتجه للمقهى الوحيد آنذاك ،قبصان فيلتر من عند عمي العربي يرحمه ونرجع للدار ، أراجع حتى وقت الدرس بالمعهد، في المساء يزورني أحيانا بعض الصحب أو أزورهم ، ثم أقلعت عن ذلك لأن أصحاب المنزل يرفضون..صرت أنتشي بالوحدة. يساعدني الجوع أحيانا على السهر … بل والسفر أيضا.. وكي لا تحس به عليك بفيلتر عم العربي وما تيسر من سجائر .

حرمني السيد القيم العام حتى من المراجعة مع زملائي في القاعات… فقد كان متاحا لتلاميذ الباكالوريا حتى الخارجيين منهم المراجعة في قاعات المعهد حتى ساعة متأخرة خاصة إثر “فصعة مايو”، وهي العبارة التي نجدها في سبّورات كل القاعات :“5 ميّو هزو دبشكم وهيّو”. وفعلا يندر أن تجد غير تلاميذ الباك بعد ذلك التاريخ. والحملة عادة يبدؤها تلاميذ التكوين المهني الدارسون معنا بنفس المعهد آنذاك. ويتبعهم الغاوون من الثانوي حتى تفرغ المؤسسة..

وكان “عزيزي” الحارس اللطيف يجمع بين مراقبة المبيت ومراقبة القاعات ولا تفلت عينه شيئا، ولا فائدة أن تحاول “تعڨبها عليه”. لذلك لم أحاول وقصدته فلم يخيب ظني رغم إدراكه لنفوذ القيم العام آنذاك، فوافق على دخولي خفية بالقفز على السور الحديدي من الجهة المظلمة وأركن إلى أقرب قاعة مع زملائي، فإذا تكلم أو تنحنح هو بقوة تكون العلامة أن القيم العام جاء وعلي الفرار . ولم يحدث ذلك إلا مرة واحدة ، وهو ما جعلني أقفز بسرعة فكان سقوطي مؤلما بعض الشيء.. كنت خائفا من إحراج عزيزي أما الادارة فلم تعد تخيفني لأنني قررت النجاح ..

مرت الايام سراعا وكلما تقدمنا نحو الامتحان شعرت بضعف استعدادي ولكن كان علي أن اخفي ذلك..  أسرتي كانت منشغلة بإعداد حفل زفاف أخي الثاني، وهو نفسه كان غارقا في التزاماته وهو أمر طبيعي. حضر معي يوم ” الباك سبور ” وكنت قد اخترت الجري ألف متر .. وعطى الدخان مفعوله هههه ما جريت شطر المسافة كان الروح ماش تطلع رغم أني سريع. عاد يجري بجنبي مسكين ويرشّ فيّ بالماء.. أيّا وصلت وتحصلت على المعدل . وانا كان موش هبال علاش ما خذيتش المائة متر !!؟ . هذا بعد فضيحة   الجيمناستيك” .. ما نحكيهاش خير ههه ملخصها عديتو تكربيص وكل مرة طايح على جهة ..

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سرديار

مذكرات مدير سابق (7)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

أول المتصلين كان الشهيد شكري بالعيد، ويوم أتممنا التحقيق أعلمته فأكد لي أن لا مسؤولية لي في الحادثة

– ممثلون عن جمعيات مدنية 

– كثير من الأصدقاء زاروني بالمؤسسة، من بوحجلة ومناطق أخرى 

–  ولكن شذ عن هذا الموقف شخص واحد (نقابي “يصاري” عالاخر . اي نعم بالصاد موش بالسين للتأكيد ههه)  هاتفني أثناء جلسة خمرية مع “مناضلين نقابيين وسياسين” في غابة الأكاسيا قرب مزبلة البلدية وقال ضاحكا كي أفهم أنه يمازحني :“اشنوة مشيت لهم ضريتهم !” ثم مر الى التعزية وتمنى لي الخير هههه وقد يأتي اليوم الذي أروي عنه ما يجب.

***

 وهذه ختاما بعض الطرائف وإن شئت العجائب :

*عينت المندوبية أستاذ عربية معوضا لم يسبق له ممارسة التدريس وربما بعُد عهده بالمعرفة. كان كهلا، قدِم في شاحنته الإيسوزو الجديدة فقد اشتغل بتجارة الشاحنات من الخليج. كان علي أن أحضر حصة درس معه وفوجئ بذلك إذ كان خالي الذهن. لم يَخْف علي ارتباكه فلاطفته مؤكدا أن الزيارة على سبيل الود والمساعدة. قضى أغلب الحصة جالسا وكان مدار الأمثلة المقدمة هو السيارات والتجارة ههه ولم يتوان عن نهر التلاميذ وزجرهم.

ولا تسل عن مضامين الدرس وتمشياته فتلك حكاية أخرى. ذلك أنني كنت، قبل أن أبتلى بخطة مدير ، أقدم دروسا شاهدة مع المتفقدين المرحوم رضا بن سعيد والصديق مبروك الربيعي مع المرشدين الصديقين خليفة الطالبي وعبدالرحيم بواتم، كما حضر معي متربصون وساهمت في لجان الترسيم .. المهم : غادرت القاعة بنهاية الحصة فالدرس انتهى قبلها وتنفس صاحبنا الصعداء.

* كان ابني يدرس بالرابعة أساسي، وكان مثالا في الاستقامة و”العقولية”. خلال الأسبوع الثالث من دراسته روى لي الحادثة التالية: التلاميذ يتناولون بذور عباد الشمس خلال الدرس، تنهرهم المعلمة وتطوف عليهم فتجمعها من عندهم وتجلس إلى مكتبها تقشر وتدرس ههه.

* بعد أيام يعنفه المعلم دون أي سبب. فبكى بكاء مرا وكدت أقاضي المعلم ولكن… اعتذر وتدخل الأصدقاء.

*في يوم من أيام الربيع العربي جلب احد القيمين ثلاثة تلاميذ في حالة سكر مطبق. طلبت من القيم العام استجوابهم. كان والد أحدهم من الباعة خلسة، سرق الطفل بضع علب واحتساها مع صاحبيه فصاروا أبطالا لا يبالون بشيء. سألت أحدهم وانا ابتسم له لأطمئنه فقال: “سيدي، مُرة في الاول أما بعد تشيخ. ما جربتهاش مسيو ؟ ” وعندما رأى الثاني هول الصفعة جرى خارجا: “سيدي، التواليت، سيدي التواليت ” …

ـ تمّت ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (6)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

الخميس 2 مارس2012 : عودة الدروس واستئناف الامتحانات. عائلة أحد المصابين تقرر الاعتصام بالمؤسسة: “ما نروّح الا ما تعطيني ولدي” ولا تقتنع الا بعد جهد جهيد. كان ابنهم الوحيد فقد مات أخوه قبله بسنة. وكانت لوعتهم شديدة وكان القلب يعتصر دما ولكن ما باليد من حيلة.

وعلى هذه الوتيرة مرت باقي أيام الأسبوع، حتى جاء يوم الاثنين 6 مارس 2012 ويلقى احد المصابين حتفه وهو الذي يقيم في مستشفى القيروان رغم أن جروحه من الدرجة الثانية.. وستتناقل بعض الفيديوات بعد ذلك ظروف إقامته وصنوف الإهمال. فقد كان مثلا مغطى بغطاء منتف التصق صوفه بالجروح… ولم يتم نقله إلى سوسة إلا بعد فوات الأوان.

 وننتقل حينها إلى طور آخر من المعاناة وننزل درجة إضافية نحو الجحيم (راك في بوحجلة يا حنين). وتهيج الدنيا على رؤوسنا وتنهار أسرتي وجعا فأعيدها من حيث أتت. 

***

يتجدد إيقاف الدروس وكان يفترض ان نبدأ امتحانات الاسبوع المغلق ولكن .. صرنا كل يوم نستقبل أفواجا من أهل الفقيد وأقاربه: يأتون في شاحنات بأعداد هامة تعاون الأساتذة والقيمون والعملة والإداريون على إقناعهم في كل هجوم بأن حرق المؤسسة لن يرد الفقيد بل يضاعف الخسائر.. كثير من الأساتذة واظبوا على الحضور شأن كل الأسلاك وبما أن العملة من أبناء الجهة فقد كانوا يعرفون العناصر الخطيرة التي قد تتسرب وسط الجموع فكانوا يتلقونهم وخاصة من عملة الحضائر المعينين بعد الثورة .

يوم الخميس 9 مارس 2012 على ما أذكر ازداد الموقف تأزما ذلك أن عنصرا ملتحيا قيل إنه خال الضحية رافق المحتجين بل تقدمهم وبيده وعاء بلاستيكي به بنزين ودخل أقرب قاعة إلى الباب الخارجي، وكنا خصصناها للمسرح ، فسكب بعضه على السبورة وبعض الطاولات واضرم فيها النار ولم يستطع العملة منعه ثم توجه نحو الادارة وكنت بالداخل حين جاءني عامل يجري صارخا : “هام حرقوا قاعة وصبوا الايسونس على محمد” . خرجت مسرعا فاذا بالعامل قد فر هاربا بجلده وشرعت فورا في امتصاص غضبهم: “تحبوا تحرقوا ابداو بيّ أنا “ فقفز أحد الحاضرين إلى الملتحي واختطف منه الوعاء وأجبره آخرون على الابتعاد .. حينها لان خطابي فورا (والحق الحق استعنت بشوية قدرات خطابية امتكتها كي كنت ناشط في الجامعة): “أنا إلي حليتو الدرتوار . على جال اشكون؟ التعب لاشكون؟ ماو كان مسكر وانتم وصغاركم تاعبين…”  وهكذا تدرجت إلى خطاب ميتافيزيقي.. حتى تراخت الجموع وبدأ الانسحاب تدريجيا.. ولكن لم تتوقف الهجومات..

الجديد انه بعد سكب البنزين على الحارس، صار الجميع ينسحب قبيل وصول المحتجين فإذا وصلوا ألتفت فلا أجد أيا كان، صدقا لا أحد غيري بالمؤسسة.. ومع ذلك لم يمسسني منهم سوء ولو لفظيا. كنت أتصل بالأمن فيعتذر لأنه لا يملك سيارة للتنقل الى المؤسسة !! وهذا ربما كان أفضل فقد كانت الأوضاع متوترة في كل مكان.

 ***

المهم لا أذكر كم طال الأمر، وقررنا زيارة المصاب الثاني بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس، انا والأختان وداد ومفيدة مع أستاذ بالمؤسسة لأن سيارتي كانت معطبة. وجدنا بعض أهل المصاب هناك وأثناء الزيارة اتصلت بأحد الأطباء فأخبرني أن حالته لم تتحسن وقد لا ينجو. كتمت الأمر عن مرافقيّ وليسامحوني على ذلك وعدنا والذهن يشتغل على احتمالات أسوأ، فهو من “عرش كبير” وقد يكونون أعنف !!!

عدنا إلى الدراسة وشرعنا في إجراء الامتحانات التأليفية واتفقت مع المندوبية على أن يكون الإصلاح بعد العطلة. كنت أتابع حالة التلميذ باستمرار فموته في تلك الأيام يعني حتما حرق المؤسسة. ولكن تعاطف معنا عزرائيل واختطف روحه نهاية الأسبوع أي بداية العطلة فنجونا.. وهذا لا يعني انهم لم يهاجموا بل جاؤوا وعندما لم يجدوا غيري ولّوا على أعقابهم .. وكان يمكنني بعد ذلك أن أنال قسطا من الراحة ولكن مسألة أخرى لا بد من حلها 

                                                ***

مسألة التحقيقات : رجحت الحماية المدنية أن يكون عطب في الكهرباء هو سبب الحريق، ولعلكم ستجدون هذا السبب نفسه في كل الحرائق تقريبا، الخطير أن المسؤولية حينها تلقى عليّ أساسا باعتبار أن النيابة العمومية ستعتمد تقرير الحماية المدنية في حال انعدمت امكانية اثبات الجناية،  لذلك كان التحقيق الإداري نافذتنا إلى الحقيقة فقد أفاد التلاميذ أن ثلاثة منهم غادروا المؤسسة نهارا ولم يفطن اليهم الحارس وجلبوا قارورة بنزين في محفظة أحدهم وأخفوها حتى ساعة متأخرة بعد مغادرة القيم، وسكبوها على بعض الاسرة الخاوية واضرموا النار التي سرعان ما انتشرت وكان ما كان..

السبت ، منتصف النهار استكملنا التحقيق وعرفنا كل التفاصيل، أحمل كل شيء وألتحق بالمندوبية بعد إعلامها، المندوب يتصل بوكيل الجمهورية الذي يطلب حضوري فورا.. وهكذا أخذت التحقيقات مجرى آخر .

 والان هلا تكهنتم بالمدبر الرئيسي؟ لا ترهقوا اذهانكم لأنه… ذلك التلميذ الذي أثار شفقة ابني. والغريب أنه من ذوي النتائج الحسنة، فمعدله يقارب 15 وسيرته عادية !!!

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (5)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

[نزولا عند رغبة صديق صميم سأكتب ما تبقى بالفصحى]

كنت قد أعلمت المندوب ما إن أخرجنا التلاميذ. سي عبدالجليل صيود يذكره بالخير. وكنت بالمكتب  أهاتف المسؤولين لمتابعة حالة المصابين وكان معي ابني. كانت الدموع تنهمر من عينيه عندما دخل علينا تلميذ في حالة قصوى من الهلع. وجهه ممتقع ولباسه خفيف. قفز ابني الى المنزل وجلب له من ملابسه ما يدفئه. هدأته قليلا. كان يهذي بكلام غير مفهوم …

هبّ الأهالي جميعا للمساعدة وكل يبذل ما استطاع من جهد. منهم من قدِم من بعيد لأن ابنه بالمبيت. تحولت الإعدادية إلى خلية نحل، كلفت العمال بالحرص على مراقبة كل تحرك والتصرف بحكمة فهذا الجمع يصعب التحكم به لذلك لا بد من اللين حفاظا على المؤسسة. وهكذا كان.. وعندما حل ركب الوالي والمسؤولين الجهويين، كانت الحماية المدنية قد سيطرت على الحريق وكان التلاميذ في قاعة محميين وقد تناولوا وجبة الصباح. طفت عليهم ومعي من حضر من القيمين وحاولنا تهدئتهم.

***

مر المسؤولون الى المبيت مباشرة، وهذا مؤشر على صحة ما توقعت من الوالي لأن في الأمر سوابق سأذكرها بإيجاز حتى لا يتم تأويلها أكثر من اللزوم وهي مايلي:

(ذات 6 افريل 2011، مر الباجي قايد السبسي من الترحم على بورقيبة إلى القيروان للاجتماع بالجميع، وكنت ممثلا لحزب ما، وتم توزيع الكلمة واستثنوني فافتككت المصدح وتدخلت عنوة وملخص تدخلي تبرئة اتحاد الشغل من أحداث صفاقس انذاك، والتأكيد على أن القيروان مهمشة منذ عهد بورقيبة لا من عهد الزين فقط، وهو ما ساء الوالي والسبسي وكل المسؤولين الجهويين الحاضرين، لأني قلت عنهم إنكم تعملون بنفس ماكينة الفساد ووو. المهم كان تدخلي مستفزا حتى لممثل اتحاد الشغل حينها ههه).

وأظن، قلت أظن وليس كل الظن إثما،  ان السيد الوالي تذكر الحادثة أو ذكّرته بها الحاشية لذلك دخل إلى المؤسسة دون انتظار المدير، وكنت بالمكتب على الهاتف ولم ألتحق بهم فإذا بالجميع يدخل عليّ، فحييتهم وامتلأ الرواق والمكتب بكل الأصناف ومنهم مواطنون. تنحنح الوالي وبدأ خطابه بالأسف ولم يطل كلامه كثيرا حتى قال :“وهذي مسؤولية المدير” وهنا قاطعه المندوب فورا قائلا حرفيا  :“سيدي الوالي في المؤسسة هذي احكي علّي تحب، إلا عالمدير . أنا جيت بيدي نتفقد دون إعلامه نلقاه فوق طاولة يصلّح في الضوء”. وهذا حدث فعلا، وطبعا الوالي بعد ذلك لن يغفرها له وقد يكون، قلت قد يكون، كلامه ذاك احد أسباب تشغيل الماكينة ضده فتمت إقالته بعد مدة. ومما ساءه أيضا قول أحد الحاضرين بصوت مرتفع:“صحيح سيدي الوالي. المدير ولد حلال”  ثم انصرفوا واعدين بالحرص على إنقاذ المصابين ووو

وأغلقنا المؤسسة لمدة يومين لأننا كنا في بداية الأسبوع المفتوح وليس يسيرا بل ليس ممكنا إلغاء الامتحانات.

***

كان الجميع في حالة من الذهول، كل يحاول الفهم والتفسير وكان لا بد أن يبدأ الحديث عن الأسباب والكيفيات ، وكان لا بد من تعدد الاجتهادات لكن والحق يقال لا أحد اتهمني شخصيا بشيء بل على العكس تماما لم أجد إلا الدعم والمساندة من كل الإطار التربوي والمجتمع المدني والنقابة والأصدقاء، والكل يعرض المساعدة من موقعه وهذا بحد ذاته يرفع المعنويات رغم هول الكارثة. ومر اليوم الأول ثقيلا مشحونا لم نهدأ فيه إلا ليلا. ومن الغد جاءت عائلات المصابين وهم من ضعاف الحال فشرعنا في جمع تبرعات تساعدهم على التنقل لأبنائهم والعناية بهم. وبذلك مر اليوم الثاني بعد أن جاء فريق من الحماية المدنية لمعاينة المكان ومحاولة معرفة أسباب الحريق وفي نفس الوقت محققون جعلوا يفتشون في كل شيء ويسألون الجميع. وانصرفوا مرجحين أن يكون السبب خللا كهربائيا !!! فهذا المبيت كان مغلقا (مالة إلبِسْ يا .مدير )

***

بعد مغادرتهم أسرّ إلي أحدهم أنه يشتبه في أن يكون الأمر مدبّرا وألح على إجراء تحقيق سري في أوساط التلاميذ واخترنا بعض الأسماء الموثوق بها، وهكذا كان على أن نؤجل الأمر قليلا حتى تهدأ الأمور، وخططنا لذلك كأن لا يكون التحقيق مباشرا ولا شفويا بل إجابة كتابية، وكل تلميذ على حدة وعلى فترات متباعدة حتى لا يفطن أحد إلى أن التحقيق يجري. ونجحنا في ذلك فجاءت الشهادات متقاربة بل متطابقة…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار