تابعنا على

جور نار

عشرُ حكايات طريفة احتفظت بها دفاتر التوجيه عبر السّنين

نشرت

في

هذه ورقة تُريد لنفسها أن تكون مرِحة صرفة لا غرض من وراء نظمها سوى التّرويح على النفس وتهوئة أيّامنا المُعوزة وتمضية بعض الوقت مع حكايات طريفة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

هذه الحكايات هي من الواقع عشتُها شخصيا ولا مجال فيها للتركيب أو التأليف وأشعر أنه قد يكون من المُفيد تقاسمها معكم…والدليل على طرافتها أن ذاكرتي الهرِمة مازالت تحتفظ بها إلى يوم الناس هذا. وقد حذفت منها بطبيعة الحال الأسماء الحقيقية وكل التفاصيل الغادرة حفاظا على خصوصية أصحابها وتأكيدا على براءة مقصدها.

الحكاية الأولى : تضمن الدولة مقعدا لكل طالب جديد

كان شغفها مثل آلاف التلاميذ التونسيين كبيرا بشعبة الطب وكانت مسيرتها الدراسية متميزة جدا خلال كل المراحل إلا أن مجموعها النهائي خذلها وحال دون تحقيق طموحها الأكبر في تلك السنة… فكتبت مطلبا وضعت فيه كل ما تملك من قوّة تعبير ومن فِطنة وذكاء كذلك، قالت فيه “… كنتُ الأولى دائما منذ السنة الأولى ابتدائي ولولا هفوة صغيرة في اختبار الفيزياء يوم امتحان الباكالوريا لتحصّلتُ على أفضل المعدّلات… أرجو أن تراعوا هذا وأن تُمكّنوني من دراسة الطب حلم حياتي وأنا مستعدّة لأن أجلب معي كرسيّا خاصا أجلس عليه أو حتى أفترش الأرض داخل القسم حتى لا آخذ مقعد طالب آخر…”.

الحكاية الثانية : القيام ببحث سرّي

“…أقسم لكم سيدي الوزير أن لي رغبة ملحة في الصيدلة مع إمكانية الحصول على اختراع brevet إثر البحث الذي سأقوم به في أطروحتي والخاص بنبات برّي تونسي جرّبه والدي بصفة سرية ضد الروماتيزم.”  هكذا علّلت إحدى الناجحات في الباكالوريا مطلب إعادة التوجيه الذي تقدّمت به للحصول على شعبة الصيدلة.

الحكاية الثالثة : بين ضحيّة وعُشاها

سي عبد المُعطي قرّر فجأة العودة من ألمانيا بعد أن قضّى فيها سنوات عديدة مع عائلته وكان من أوّل الصعوبات التي واجهتهُ تسجيل أصغر أبنائه (مستوى باكالوريا) بالمعاهد التونسية وتمييزه بإجراءات خاصة جدا تُمكّنه منها وزارة التربية لاجتياز امتحانات باكالوريا رياضيات، خاصة بالنسبة إلى مواد الفلسفة والفرنسية والعربية … وبعد رحلة طويلة تمكّن (فائز) من النجاح في الباكالوريا ولكن بمعدّل متوسط لم يسمح له بالحصول على شعبة “اللغة والآداب الألمانية “، فعاد إليّ مذعورا ورافقته في توجيه ملف خاص إلى وزير التعليم العالي وبقينا في انتظار الرد.

تأخّر ردّ وزارة التعليم العالي نسبيا لكن صديقنا لم يتردّد في التعبير عن انشغاله خاصة مع اقتراب موعد انطلاق السنة الجامعية الجديدة فقال لي : سامحني سي فلان

ça devient vraiment « inquiétable » على خاطر المشاكل هاذي في ألمانيا تتحلّ بين ضحية وعُشاها.

الحكاية الرابعة : الشيميك فيزي

كان السيد “ش” موظفا بمصلحة التجهيز بإحدى المندوبيات الجهوية للتربية وكان مسؤولا عن تزويد مخابر الفيزياء والكيمياء بمستلزمات التجارب والمستحضرات من مجاهر ومحركات مغناطيسية ونماذج للقلب البشري وعدسات بصرية ومعدّات مخبرية… راجعني مُدافعا بشراسة عن ملف إعادة توجيه مدرسي لتلميذة من عائلته وأجهش بالجملة التالية : والله صدقني طول عمرها باهية في les matériels scientifiques وخاصة في الشيميك فيزي لكن هذا العام للأسف تراجعت أعدادها قليلا ونجحت بمعدل متوسط.

الحكاية الخامسة : المعهد الوطني للنخيل بقابس

كنت بصدد تنشيط حصّة إعلامية مع تلاميذ الباكالوريا في أحد معاهد الوطن القبلي وكان يُرافقني مدير تلك المؤسسة. وفجأة قاطعني هذا الأخير مستغلاّ إشارة مني إلى التنافسية الشديدة التي تشهدها بعض شعب التعليم العالي وما يُحتّمه ذلك من ضرورة العمل الجادّ بشكل مبكّر من أجل الحصول على أفضل المعدلات … وتوجّه إلى التلاميذ : ما قاله الأستاذ صحيح لكن هاني باش نزيد نفسّرلكم أكثر، راهو كان ما تخدموش على أرواحكم من توّة يا إمّا ما تنجحوش جِملة وإلا تنجحو بمعدل ضعيف وترصّيلكم تقراو في المعهد الوطني للنخيل بقابس !

أكّدت له بعد انتهاء الحصة أنه لدينا معهد عال للغابات والمراعي بطبرقة لكنه لا يوجد معهد وطني للنخيل بقابس. فردّ عليّ مازحا : أنا متأكد أنهم سيبعثون مثل هذه المؤسسة طال الزمن أم قصر ! فمازحتُه بدوري قائلا “وأنا متأكد مثلك أنهم سيبعثون المعهد العالي للرمّان بتستور قريبا”.

الحكاية السّادسة : تقنيات علوم القضاء

كان لدينا منذ 20 سنة تقريبا شعبة جامعية قصيرة أُطلق عليها تسمية “تقنيات علوم القضاء” وهي شعبة تنتمي إلى مجال الحقوق والعلوم القانونية لكنها كانت مُمَهننة أكثر ويتخرّج منها (نظريا) أعوان المحاكم ومساعدو المحامين وعدول التنفيذ والإشهاد والمترشحون للعمل بمكاتب الاستشارات القانونية، الخ…

بعد انتهاء جميع عمليات التوجيه الجامعي وعند فتح دورة النّقل وإعادة التوجيه، زارني تلميذ تونسي حاصل على الباكالوريا من أحد المعاهد الفرنسية بتونس وكان محتجّا على الشعبة التي تحصّل عليها مُطالبا بتمكينه من شعبة جامعية أخرى بدلا عنها. فسألته عمّا يُزعجه في الاختصاص الذي تحصل عليه والحال أن ذلك هو ما طلبه في الرتبة الأولى على بطاقة اختياراته (بعد مراجعتها في السجل الإلكتروني لباكالوريا ذلك العام)… لم ينفِ كونه عمّر ذلك الاختيار في المقام الأول لكنه أكّد لي أنه لا يُتقن اللغة العربية وبحكم أنه لا توجد ترجمة فرنسية لشعب التعليم العالي “خِلتُ أنكم تقصدون “تقنيات علوم الفضاء” techniques spatiales les  وليس علوم القضاء !

الحكاية السّابعة : من الوريد إلى الوريد

هذه مهنٌ رصدتها في مطالب بعض الطلبة المترشحين لدورات إعادة التوجيه :

  • مهنة الوالد : عون مخابرات (والمقصود حارس غابات مكلف بالإشعار في حالة نشوب حرائق)
  • مهنة الأب : تصليح الدراجات العادية والنارية أحيانا
  • الأب تاجر نباتات برية نافعة وغير ضرورية (والمقصود نباتات غير ضارة)
  • أبي لا يعمل بصفة مسترسلة وسلوكه مضطرب جدا مرة هكة ومرة هكة ما تعرفش عليه من الوريد الى الوريد.  
L’attribut alt de cette image est vide, son nom de fichier est عشرُ-حكايات-طريفة-احتفظت-بها-دفاتر-التوجيه-عبر-السّنين-2.jpeg.

الحكاية الثامنة : 3 مطالب إعادة توجيه باسم نفس الفتاة

ورد على الإدارة العامة للشؤون الطالبية بوزارة التعليم العالي ذات سنة ثلاثة مطالب إعادة التوجيه باسم نفس الطالبة الجديدة الناجحة في الباكالوريا، وما كان لافتا للانتباه أيضا أن الشعب المطلوبة كانت مختلفة ومتواجدة بجهات مختلفة وأن المطالب كانت مكتوبة بخطوط مختلفة. وبعد التثبّت اتّضح أن المطلب الأول كان من وضع والدها القاطن بالدندان والراغب في إعادة توجيه ابنته إلى كلية الآداب بمنوبة غير بعيد عنه ونِكاية في والدتها المُطلّقة، والمطلب الثاني حبكته والدتها القاطنة بالمنزه والراغبة في إعادة توجيه ابنتها إلى المعهد العالي للغات بحي الخضراء بالقرب من مقر سكناها، والمطلب الثالث من صنع التلميذة نفسها التي أرادت التمرّد عليهما معًا فطلبت شعبة بجامعة المنستير للإفلات من “حبّ لأبويها لم تعد تعرف كيف توزّعه” كما قالت أو ربّما لمُعاقبتهما – حسب رأيي-  على ما فعلاه بها.

الحكاية التاسعة : انعدام الثقة في مصداقية الإدارة وضرورة مُراوغتها

تلك ظاهرة حقيقية يتقاسمها الشباب الناجح في الباكالوريا ولمستها شخصيا لدى عدد غير قليل من المترشحين للتوجيه الجامعي، وتتمثل في قولهم بأنه يستحيل على الإدارة التونسية أن تُمكّنك من اختيارك الأوّل حتى وإن كان لك الحقّ في ذلك، وبالتالي هم يلجؤون إلى ما يسمّونه “مُراوغة الإدارة” بوضع الشعبة المرغوب فيها بشدّة في الترتيب الثاني … فيتحصلون أحيانا من سوء حظهم على الاختيار الأول الذي لا يرغبون فيه في الواقع.

الحكاية العاشرة : المُعرّف الوحيد

كان يُطلب من المترشحين لإعادة التوجيه الجامعي ضمن الملفات الاجتماعية، رقم المعرّف الوحيد للأب المنخرط في صندوق الضمان الاجتماعي أو صندوق التقاعد للتأكد من حقيقة الوضع الاجتماعي للعائلة. ففي إحدى المرّات بدلا من وضع رقم أو رمز الانخراط كتب أحد الأولياء : 

المعرّف الوحيد : زوجتي.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار