أرست الأمم المتحدة سنة 2012 تقليد إصدار تقرير سنوي حول توزّع منسوب السعادة في العالم وتصنيف البلدان حسب جملة من مؤشرات البهجة كما يتمثّلها الناس.
وللسنة السادسة على التوالي أُعتبر الفنلنديون الأكثر إحساسا بالسعادة في العالم يليهم الدانماركيون والإيزلنديون والسويسريون والهولنديون. أما أفغانستان فقد احتلت الرتبة الأخيرة من حيث إحساس عامة المواطنين بالقحط والجدب وتعكّر المزاج مع لبنان والزيمبابوي ورواندا وبوتسوانا، وذلك إثر مسح شمل 150 دولة تولاّها معهد غالوب المتخصص في الإحصاء والاستبيانات اعتمادا على سؤال المواطنين حول كيفية تقديرهم لمستوى سعادتهم الذاتية، وجعل الأجوبة عنه تتقاطع مع جملة من المعطيات الموضوعية التي تهمّ وضع البلد برُمّته.
لِمَ كل هذا الشعور بالسعادة في فنلندا ؟
من ضمن المؤشرات المعتمدة في تحديد مِحرار السعادة نجد معدّل الحياة بصحة جيدة، وإجمالي الدّخل المحلّي المُتاح لكل فرد، ووقع السّند الاجتماعي، والمستوى المنخفض للفساد، ودرجة الرضى عن أداء مرفق التعليم، وقيم التّضامن، وحرية التعبير إلخ…
احتلت فنلندا رغم شتاءاتها الطويلة والصعبة سنة 2023 المرتبة الأولى عالميا بنتيجة 7.82/10 متقدمة على فرنسا على سبيل المثال التي تحتل المرتبة 21 . والشعور بالسعادة لدى الفنلنديين بالنسبة إلى بعض المتابعين هو شعور خاص جدا باعتباره أقرب إلى إحساس بالاكتفاء والارتياح البسيطين أكثر منه وعي بالسعادة المكثفة والدائمة، في علاقة بعلامات البذخ والترف التقليديين. فبالنسبة إليهم ليست السعادة بالضرورة ذلك “الشعور الأوحد والحاد بل هو شعور أبسط من ذلك وكأنه شيءٌ في متناول جميع الناس مثل الماء والهواء” .
تقول مُدوّنة شعرهم في هذا الخصوص: “لا تقارن سعادتك ولا تجعلها محلّ تفاخر”.
الفنلنديون ينامون كثيرا ويأكلون ويشربون بشكل جيد ويُغذّون ما يُسمّونه بـ”السّيزو” SISU الذي هو مصطلح فنلندي أصيل متوارث منذ عصور قديمة ويعني حسب السياقات إما مبدأ معيّنا أو قيمة أو أسلوب حياة أو كذلك النحو الذي تتحوّل بموجبه الصعوبات إلى فرص للحياة والمتعة. وهو مصطلح غير قابل للترجمة نحو لغات أخرى، فهو قوة الروح أو نوع من السلطة النفسية التي تمكّن من استجماع القوة ذهنيا وجسديا لمواجهة التحديات والصّعاب.
من أسباب سعادتهم أيضا تميّز علاقتهم العضوية مع الطبيعة والتمتع بعديد الأنشطة في الهواء الطلق في بيئة نظيفة وجذابة، وُلوجها مُتاح لجميع الناس : قرابة 90 بالمائة من الفنلنديين يعتبرون أن الطبيعة عنصر أساسي في حياتهم وتمضية الوقت وسط الغابات والمنتجعات والحدائق والمحميات يرفع من حيويتهم ورفاههم وشعورهم بالامتلاء الشخصي. بالإضافة إلى التوازن البنّاء الذي أوجدوه بين الحياة الخاصة والحياة المهنية مما سمح للعائلة الفنلندية بالمحافظة على تماسكها والاستثمار في ما يصنع “السعادة العامة المشتركة” عائليا ووطنيا، حيث أن جزءا كبيرا من السعادة يبنيه الفنلنديون على نحو جماعي من خلال المراهنة على التربية المُيسّرة للجميع والتقليص من اختلال التوازن بين الجنسين وبين الفئات الاجتماعية مع تعزيز الروابط الاجتماعية وإنماء الشعور بالأمان.
تذكر تفاصيل التقرير أن :
97 % من الفنلنديين راضون عن جودة مياه “السبّالة” التي يشربونها.
96 % منهم يعتبرون أن لدى لكل واحد فيهم “شخصا على الأقل يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة“.
69 % منهم على الأقل يشاركون في المسار السياسي والانتخابي.
82 سنة هو معدل الحياة في فنلندا.
68 % من الفنلنديين يجيبون بنعم عن سؤال : هل أنت بصحة جيدة ؟
88 % يقولون إنهم يشعرون بالأمان عندما يسيرون لوحدهم في الطريق العام ليلا، في ظل تدنّ كبير لمعدّلات الجريمة والانحراف التي هي الأضعف في العالم.
يُذكر أيضا أن الفنلنديين يُولُون أهمية كبرى لقيمة الصدق والنزاهة. ففي “تحقيق المحافظ المفقودة” الذي أجرته إحدى المجلات التاريخية “ريدرز ديجست” والمتمثل في إضاعة محافظ أوراق في عديد بلدان العالم واحتساب عدد “الإرجاعات التلقائية“، كانت المدن الفنلندية في كل مرة هي من تفوز بالمرتبة الأولى عالميا بمعدل إرجاع 11 محفظة على 12. كما تُعدّ فنلندا من ضمن الثلاثة بلدان الأقل فسادا من قبل الهيئات العالمية المختصة. هي بعيدة عن أن تكون المدينة الفاضلة وإنما تؤشر هذه الأرقام على أن الفنلنديين “ميّالون” إلى التحلي بالنزاهة والاستقامة مقارنة بالشعوب الأخرى (وخاصة تلك التي تعرفون!).
ملاحظتان على هامش تقرير مؤشرات السعادة :
أولا : في أعلى الترتيب
من الأكيد أنه لا يمكن أن تكون سعيدا ومُبتهجا بقرار ذاتي كما تقول تعويذات التنمية البشرية، بل إن تضافر جملة من العوامل الموضوعية (الوضع الاقتصادي والسياسي العام ومستوى المعيشة وجودة الخدمات في مجالات التربية والصحة والنقل، والشعور بالانتماء إلى بلد نعتزّ بالانتماء إليه والإحساس بالأمن…) مما له تأثير مباشر على “الشعور الذاتي بالسعادة”. وفي الحالة الفنلندية والبلدان المرافقة لها فأعتقد وحسب ما تؤكّده كل المعطيات التي اطلعت عليها أن مستوى الرفاه العام المتأتّي أساسا من حوكمة جيدة لمُقدّرات البلد “المتواضعة” نسبيا مقارنة ببلداننا العربية على سبيل المثال، فنقاط قوة الاقتصاد الفنلندي تتركز على تصدير الخشب (77 % من مساحة فنلندا تغطيها الغابات بـ 23 مليون هكتار من الغابات) وتصدير الخبرة الهندسية والاتصالات والإلكترونيك والمفاعلات النووية وآلات التسخين والمعدات الميكانيكية والورق والجرّارات والنيكل والمنتجات الصيدلية والمطاط والمنتجات الكيمياوية العضوية …وبالتالي فإنه باستثناء الخشب المتوفّر طبيعيا تكاد تكون كل المنتجات الأخرى المُصدّرة إفرازا لعقل ذكي عرف كيف يوظف المعرفة والتكنولوجيا والطبيعة في خدمة سعادة الناس وهنائهم.
وما هو لافت في هذا المجال أن دولة الكيان الغازي تحتل إحدى المراتب العشرة الأولى بما قد يعني أن المستوطنين الغاصبين لأرض غيرهم يتمتّعون بمستوى عيش ومستوى خدمات عامة تجعلهم يطمئنون إلى مستقبلهم، رغم شعور شريحة واسعة منهم أن لا مستقبل حقيقي لمن يتوقّع انفجار اللغم الفلسطيني تحت قدميه في كل لحظة. تقديري أن نجاح منظّريهم في إشاعة فكرة الاستقرار الأزلي بعد عهود من “التشرّد والمعاناة” ولو فوق أرض ليست أرضهم، ساهم بشكل كبير في استبطان ذاك الشعور بالأمن الكاذب.
ثانيا : ماذا ينقصنا في تونس لنصبح أسعد من الفنلنديين ؟ !
حاولت الاطلاع على أكثر من مصدر قصد التعرّف على الأسباب الكامنة وراء “سعادة الفنلنديين” التي تُرجعها كل المصادر إلى حسن التدبير الحكومي ورجاحة السياسات العامّة المتّبعة هناك، وتوفيقها في طمأنة المواطن الفنلندي على مستقبل بلاده ومصير أولاده، في ارتباط وثيق بالتقديس الرسمي لمكانة المعلّم ولياقة السكن و استدامة الشغل وإشاعة العدل بين الجميع وإرساء حق الاستمتاع بالطبيعة للجميع…
واكتشفت بكثير من الشعور بالغُبن أن بلدنا يتوفّر على أكثر بكثير مما يتوفّر لفنلندا والفنلنديين على مستوى المُقدّرات الطبيعية والامتيازات المناخية وإجمالي عدد السكان الذي لا يتجاوز بعض الملايين، يعمل جزء كبير منهم بمختلف أصقاع العالم ويضُخّون أموالا كبيرة في خزينة الدولة وكذلك على مستوى المخزون الهائل من الكفاءة العالية لبناتنا وأبنائنا في أهم المجالات الصّانعة لمجد المجتمعات اليوم في العالم… ولكن يُعيق تحويل هذه القوّة الكامنة إلى واقع جديد من التقدم والرخاء أمران اثنان حسب رأيي : أولا قُدرة حُكّامنا العالية عبر التاريخ على النظر دائما في الاتجاه الخطأ والتعامل مع تونس على كونها بلدا صغيرا ليس بإمكانه إغراء العالم بأكثر من حُبيبات الرمل الحزين على شواطئنا. ويتمثل الأمر الثاني في مضاعفة الأول بعقلية متأصلة في أغلب مواطنينا عِمادها الاكتئاب الدائم والمزاج القاتم وترذيل النجاحات والعجز عن تلذّذ المذاقات التي لدينا، إلا متى عبرنا الحدود واكتشفنا وهمنا الباطني اللامحدود بأن سعادتنا عبرت المتوسط مع آخر جندي كان يحرس خيرات بلاده في بلادنا .
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟