إن أجمل تعريف وجدتُه لفن الإفحام والبلاغة في الردّ l’art de la répartieهو الذي تُعبّر عنه قصّة رجل الدولة الفرنسي بيار منديس فرانس مع أحد معارضيه المنتمين إلى اليمين المتطرف في المجلس الوطني الفرنسي خمسينات القرن الماضي، لمّا صرخ في وجهه هذا الأخير “اخرس أيها المختون” (لأن منديس فرانس من عائلة يهودية تمارس خِتان الأطفال الذكور). فتماسك PMF كما كانوا ينادونه وردّ عليه : “من المؤكد أن زوجتك تعاني كثيرا من الثرثرة وإفشاء الأسرار” !
<strong>منصف الخميري<strong>
تدُرّ علينا اللغات الأجنبية أحيانا ببعض المصطلحات والتعابير التي لا نجد لها مرادفا مماثلا ودقيقا في لغتنا العربية من قبيل l’empathie أو la résilience في اللغة الفرنسية… أو كذلك – وهذا موضوع ورقتي الأسبوعية هذه المرة- مصطلح la répartieالذي يقابله حسب رأيي في العربية الإفحام أو إلجام الخصوم عن الكلام.
وأفحم الخصمَ في العربية أي أسكته بالحجّة وأعجزه عن الجواب.
كم حدث لنا جميعا أن قلنا في مناسبات عديدة بعد انتهاء الحوار مع شخص ما أو مجموعة من الأشخاص خاصة في لحظات التوتّر العالي (مثل الحوارات التلفزية أو النقاشات الفكرية مع الخصوم الخ…) “تبّا، كان عليّ أن أردّ عليه بهذا الشكل” ! والتعبير عن مثل هذا “الحرمان” مردّه أننا لم نكتسب القدرة التلقائية والآلية على الردّ المناسب والمُفحم في وضعيات تواصليّة نُستهدف فيها.
___اعتباران أساسيان يدفعانني إلى الحديث في فنون الردّ :
قتامة المشهد الإعلامي التلفزي والافتراضي الذي أصبح يُنعت بــ “التلفزة في بوبالة” وساحةً للمبارزة والتصادم مثله مثل مدرّجات الملاعب الرياضية حيث ينتشر الكلام البذيء بل وتُغدق عليه الأموال كي يُلحّن ويُغنّى حتى تَفحم الأصوات وتنقطع الأنفاس من شدّة التأثّر. فحديث القُمامة الذي نسمعه على منابر تلفزاتنا لا يختلف في شيء عن المقذوفات المتنوعة نحو الملاعب والركل الفاحش فوقها.
والسبب الثاني هو العقدة الشخصية التي كبُرت معي منذ تعرّفت إلى متعلّمين أجانب عن قرب وكان يدور بيننا حديث يومي حول شتى المواضيع والمسائل العادي منها والمتعلق بمهنة التدريس ومناخاته، ومن بين الاختلافات “القاعديّة” البيّنة التي كنت أقف عليها في كل مرة (عند ترك مسافة نقدية بيني وبينهم) هي سرعة البديهة لديهم ومهارة “البينغ بونغ الكلامي” التي يوظفونها في التواصل بشكل أفضل منّا بكثير وكذلك القدرة على الإحراج والإسكات في غير تجريح أو وقاحة.
ولكن ما يجب الانتباه إليه أن “فن الإفحام” l’art de la répartie ليس “موهبة ربّانية” كما يظن البعض أو معطى وراثيا، بل هو مهارة تُكتسب وتُنمّى وتُتاح لجميع الناس شرط أن نتدرّب عليها بانتظام ونُبدي استعدادا جديّا للاشتغال على ذواتنا وأن نُدرك أن الإبداع الشخصي وثراء اللغة والسيولة الشفوية والقدرة على المواجهة، هي خصال جوهرية في مسار التعلّم هذا وهذا التدريب (الذي يشبه الى حدّ كبير ممارسة الارتجال المسرحي).
يقول الدّارسون في هذا المجال إن “الثقة في النفس ومحاولة فهم طبيعة المشاعر التي تلفّنا في لحظة معيّنة وإطلاق العنان لخيالنا والإصغاء بشكل جيد لما يقوله الآخر وفرز الوضعيات التواصلية التي تستدعي “ردّا بديعا” وعدم محاكاة الآخر في أسلوبه وضرورة أن تسترعي الاهتمام قبل الردّ. مع الحرص الشديد على الردّ بشكل مرح وغير متشنج…” هي مكوّنات أساسية لضمان ردود مُفحِمة لا نندم على اقترافها في ما بعد.
إن افضل الردود “التي تُصيب في مقتل” هي تلك التي يمارسها الشخص وهو هادئ تماما وواثق جدا من نفسه مستغلا القوة العظيمة الكامنة في تجنّب استهلال الحديث بكلمة “لا” و “غير صحيح” و”هذا هراء وخور” … وأخيرا لا بد أن تجرؤ على القول. (وهي موازنة دقيقة بين القول واللاقول ومراوحة مُتقنة بين القبول الذكي ولو صوريّا برأي الآخر والإسكات الناعم له…).
وعليه، قد يكون من المُفيد لأطفالنا تدريبهم بشكل مبكّر على آداب المحاورة وحسن الإصغاء والتسلّح بقدر كبير من اللغة والثقافة العامة والثقة بالنفس وكبح جِماح الانفعال والغضب أثناء استهدافنا من قبل الآخر … وهو تمرين يومي حول طاولة الإفطار وأثناء السهر العائلي وخلال مشاهدة شيء ما بصفة جماعية أو مُعايشة خلاف أو شِجار في الطريق العام.
“السبّان والعيران والتحليب وتلقيش السماء والكشاكش الطالعة والهيجان والميجان والغسلان والتشليل وتسميع وسخ الوذنين وتمسح بيه القاعة وتتحلّف فيه وتتهدّد عليه ويفتّقو من بعضو ويكوّر بيه…” كلها عناوين لأدرينالين غير مسيطر عليه ومشاعر بدائية جيّاشة غير مروّضة ودليل على أننا نعاني من نقص حادّ في المُليّنات الذهنية مثل الثقافة والقراءة والسينما والمحاورات الهادئة وتجريب التلاسن مع المحيط والاطلاع على التجارب الإنسانية المختلفة وتصفّح حياة الكِبار الذين مرّوا من على هذه الأرض.
أنا حزين لكون لغة الڨبي ڨبي والشنقر ونقر وأمورو في الجبن وتسكرة التران في مكتوبو (بمعنى نازح) في شوارعنا أضحت عنوانا للـــ “فحولة” و “القفزة” وتجد صدى واسعا لها في وسائل الإعلام العمومية والخاصة فتُرسّخها وتُشرعنها وتزيد من انتشارها بدلا من أن تكون قاطرة للتدريب على لغة أرقى وفنون كلام أكثر علوّا وتوظيف فنون المعمورة وثقافاتها وكتبها وإبداعاتها في تهذيب لسان طفولتنا وشبابنا.
___من أمتع الإفحامات وأرقاها :
شاهدت ذات مرة مخرجا سينمائيا فرنسيا خلال حوار تلفزي يردّ على ناقد سينمائي شاهد فِلمَهُ واستعمل ألفاظا مُقزّمة في حق الشريط مشكّكا في قيمته الفنية ووجاهة الأفكار الواردة فيه…تركه صاحب الشريط يُكمل انتقاداته المُدمّرة حتى النهاية. حينها طلب منه بكل هدوء “هل أنهيت حديثك ؟” أجابه “ليس تماما ولكن سأكتفي بهذا القدر”.
اتجه نحوه المخرج وقال له : “وأنا سأكتفي بأن أجيبك بشكل بسيط من خلال حكاية الغراب والبلبل التي يعرفها الجميع” :
كان هناك في الغاب غراب مغرور ومفتون بصوته إلى درجة كان يسمح لنفسه بالتنمّر على بلبل مجاور كان يشدو أعذب الألحان التي يطرَب لها جميع الغابيّين. وذات يوم بادره الغراب : أيها الرفيق العزيز، إنشادُك الذي تعتبره غاية في الروعة والبهاء كان سيتفوّق على إنشاد كل ضيوف هذه الغابة… لولا وجودي أنا شخصيا لانتزع منك هذا النصر المزعوم، وإن أنت شكّكت في ما أقول، ما عليك إلا أن تختار حكَما بيننا.
(صمت سينمائي يُخيّم داخل الأستوديو التلفزي وبحضور جمهور منتبه جدا لأن المخرج السينمائي عرف كيف يشدّ انتباهه قبل بداية القصّ).
في تلك اللحظة كان يمرّ من هناك خنزير وحشي قبِل أن ينتصب حَكَمًا بين الغراب والبلبل.
أنشد البلبل بُرهة وغنّى الغراب حينا وبقيا ينتظران التصريح بالحُكم. فكّر الخنزير مليّا ثمّ أعلن أن صوت الغراب أكثر إطرابا وإمتاعا من صوت البلبل.
انفجر البلبل باكيا عند سماع الحكم، فقال له الخنزير : هذا طبيعي أنك تبكي، لأنك خسرت الرّهان لا أكثر ولا أقل.
صمت وجيز ثم تصفيق حارّ من قبل الجمهور الذي تابع القصة بكل انتباه… مُدركا أن المقصود هو كون الناقد السينمائي الحاضر هناك لم يكن مؤهّلا لتقييم الشريط المعروض.
ولكن ثمّة أيضا بعض القصص الأخرى التي لا تقلّ قوة ونموذجية في فنون الردّ الذي يُسكت الخصوم :
___مرّ شاعر بنسوة فأعجبه شأنهنّ، فقال فيهنّ: إنّ النساء شياطين خلقن لنا … نعوذ بالله من شرّ الشياطين فأجابته واحدة منهنّ، وقالت : إنّ النساء رياحين خُلقن لكم … وكلّكم يشتهي شمّ الرياحين
___دخلت إحدى العجائز على السلطان تشكو إليه جنوده الذين سرقوا مواشيها بينما كانت نائمة . فقال لها السلطان : كان عليك أن تسهري على مواشيك لا أن تنامي. فأجابته : “ظننتك أنت الساهر يا سيّدي فنمتُ” .
قبل أن أُنهي بهذه :
___يُذكر أن رجلا التقى أبا الطيب المتنبّي فقال له : رأيتك من بعيد فظننتك امرأة، فردّ المتنبي : وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلا !
هنالك تعبير في عاميّتنا التونسية التي تعبّر بشكل عجيب عن هذا الفنّ الخصوصي في الكلام : “عطاهالو بين العينين”.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.