تمرّ البلاد بأسوأ مرحلة في تاريخها…ولا حياة لمن تنادي…وكأني بهذا الشعب انقسم إلى قسمين…قسم داعم يمدح مولاه ليلا نهارا ويوهم نفسه بأن السماء زرقاء، وبعض الحمامات تزقزق، وبعضها الآخر ” يزقّ ” على المارّة بين أشجار شارع الزعيم الخالد بورقيبة ليقول بعضهم “هذا فال حسن” فحتى “زقّ” الحمام أصبح فالا حسنا في زمن تعاني فيه البلاد من تمزّق على مستوى الأربطة الصليبية …ويعدّد “الإنجازات” الوهمية التي لا أحد يراها…وقسم آخر مخدّر…”مزطول” اختار الصمت والبكاء والبقاء على الأطلال…وهذا أمر يخيفني شخصيا…فماذا يقع لهذا الشعب حقّا؟ هل قبل الجميع بالأمر الواقع وأعلنوا البيعة لمولاهم أمير المؤمنين خلسة كما يقع كل شيء في هذه البلاد…أم هو الصمت الذي يسبق العاصفة؟
محمد الأطرش
شبابنا ووقود حياة هذه البلاد بين “حارق” بآلاف الدنانير…باعت عائلته من أجله منزلها وسيارتها حتى تضمن له خروجا آمنا من وطن أصبح مجهول الهويّة…و”حارق” بحرا سيكون محظوظا لو وصل سواحل إيطاليا… تونس اليوم تعيش أكبر موجة “حرقة” أو هروب من “الجحيم” عرفتهما على مرّ التاريخ، فالبلاد بما تعيشه أصبحت فعلا جحيما لا يطاق، فلا شيء تحقّق منذ سنة 2011 فحتى بعض الحريات التي افتكها الشعب بدأت تتآكل وتنحسر تحت مفعول ضربات أتباع مولاهم ورابطات “الشعب الذي لا يريد ما الشعب يريد”…هذه الموجة لم نشهدها حتى في آخر عهد الرئيس بن علي رحمه الله…فهل اختار الشعب ترك الوطن بحثا عن وطن أجمل على أن يخرج كما فعل آخر سنة 2010 ولسان حالهم يقول “أقعدوا فيها وحدكم” ويقصد بهم أنصار مولاهم طبعا؟ وهل أصاب اليأس هذا الشعب فتعب وملّ من الخروج مطالبا بحقوقه ومطالبا برحيل حكامه الذين خذلوه؟
فمنذ خروج بن علي إلى رفقة الصحابة حيث دفن وهم يخدعون الشعب…فلا هم كانوا في مستوى وعودهم…ولا هم دافعوا عن الشعب بشراسة…جميعهم كذبوا وخدعوا الشعب…جميعهم أوهموا الشعب بأن هدفهم الوحيد خدمته وخدمة الوطن من أجل ضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة لكنهم لم يفعلوا شيئا…جميعهم علّقوا فشلهم على شماعة الماضي…جميعهم لعنوا الماضي فلعنهم حاضرهم…ولا أحد منهم خرج ليقول نعم فشلت واعتذر من الشعب…نعم جميعهم حتى ساكن قرطاج الحالي…أحاط نفسه بمن بايعوه وخدعوه وأوهموه أنه الصادق الأمين وأنه الفاروق…وأنه على حقّ في كل ما يفعل…فصدّقهم ونسي من صادقوه…ومن لخير البلاد نصحوه…
ماذا تعني هذه الموجة الرهيبة من “الحرقة” الشرعية عبر مسالك بآلاف الكيلومترات؟ هل هي عملية إفراغ لكل الطبقة القادرة على العمل ولم يقع تشغيلها أم هو إفراغ للبلاد ممن يشكلون خطرا على الحكام لو خرجوا عليهم مطالين برحيلهم بعد فشلهم في إصلاح حال البلاد والعباد أم هي ثلاثة في واحد… أولها التخلص من عشرات الآلاف من العاطلين وتسجيل ذلك انخفاضا في نسبة العاطلين كما قالها وزير التشغيل المكلف بغير الشغيل، وثانيها التخلّص من عشرات الآلاف من المشاغبين القادرين على الخروج في حراك جماهيري شعبي يربك حكام اليوم، وثالثها كسب ما سيرسله هؤلاء من عملة صعبة في قادم السنوات لعائلاتهم؟
موجة الهروب من جحيم البلاد تشبه موجات الهروب من بؤر التوتّر والحروب، والحال أننا لا نعيش حربا في هذه البلاد…فما الذي يحدث فعلا لهذا الشعب ولم كل هذه الاستكانة والسكوت عن وضع أصبح لا يطاق؟ كيف سيكون حال البلاد غدا لو أفرغت تماما من طبقتها الكادحة وتمّت إحالة نسبة كبيرة من الشغالين على التقاعد ببلوغهم السن القانونية؟ هل ستضطرّ البلاد إلى استيراد اليد العاملة وشعبها خرج هاربا من جحيم البطالة والتهميش الذي يعانيه، أم هل نصبح نحن أيضا بلد استقبال للــ”حارقين” من بلدان جنوب الصحراء فنقتسم الرغيف الذي قد لا نجده في قادم الأشهر مع الوافدين علينا هربا من جحيم أوطانهم؟
أظنّ أن حكامنا اليوم يمارسون مع الشعب سياسة الإحباط والدفع به لمغادرة ارض الوطن، فهم لا يريدون الاستماع لأوجاع الشعب، ويستنتجون من ردّ فعل هذا الأخير ما يليق بمخططاتهم، ويفعلون به ما يريدون…وهم يرون انهم دائما على حقّ وأن الشعب ومن يعارضهم هم دائما على خطأ…فنصف الشعب عندهم فاسد…ونصفه الآخر مشارك بالفساد…هكذا يفكّرون وكأنهم نزلوا يوم الخامس والعشرين من شهر الاستفتاء ملائكة من السماء…وكأنهم هم الأبرياء ونحن الشعب المشبوه فيه حتى اشعار آخر…أظنّ أن على هذا الشعب بعد رحلة طويلة مع الخذلان والوعود الواهية أن يقول “لا”…”لا” بطريقته المعهودة التي لا تفسد للودّ قضيّة، ألم يقل مولاهم “لا” لمن كان يشاركهم حكم البلاد، فلِمَ يمنعها عن الشعب وهو الذي فشل في تحقيق أي من وعوده الذي ملأ بها أنصاره البلاد صراخا وضجيجا…فهذا السكوت الذي نعيشه سيشجّع حكامنا على المضي قدما في إذلالنا وفرض سياسة الأمر الواقع وقد نجوع…ويطالبنا مولانا بالابتسامة للصحافة الأجنبية حتى نظهر للعالم أننا نضحي ونجوع من اجل أجيالنا القادمة…ومن أجل الوطن وشعارنا “نموت، نموت، ويحيا الوطن”…أي وطن هذا الذي نموت من أجله ونجوع فيه، ويرسلنا للموت غرقا في المتوسط ليخفّض من نسب البطالة…وطن بلا شعب ليس وطنا…بل جحيم لا يطاق…
في بعض الأحيان تحتاج البلاد أن يقول الشعب “لا”…وإلى حاكم يقول لنفسه أيضا “لا”…لكن مشكلة هذا الشعب أنه لا يعرف متى يقول “لا” ولا لمن يجب أن يقولها …”لا” هي كلمة بسيطة بحرفين وجب قولها من الشعب يوم يفشل حكامه في تسيير شؤون البلاد وإصلاح أوضاعها…وهي أيضا كلمة بسيطة وجب أن يقولها الحاكم لنفسه حين يسلك طريقا خاطئة…فحكامنا الذين أغرقونا بــ”لا” منذ استحواذهم على السلطة عليهم اليوم أن يقبلوا بــ”لا” التي قد يقولها الشعب لهم…وعليهم قبل ذلك أن يلملموا بعض شجاعتهم اليوم ليقولوا “لا” لأنفسهم، ولمن هم حولهم ونصحوهم بما أساء للبلاد والعباد…فكلمة “لا” “ما تجيب بلاء” …سواء كان قائلها الشعب أو حاكمه…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.