“خوذوني على ڨد عقلي” فأنا لا أفقه كثيرا في السياسة وفي خفاياها، فأنا كنت أظنّ أن محسن مرزوق هو لاعب كرة قدم بجمعية المحرس، ومصطفى بن أحمد مدلّك بجمعية الكرة الحديدية بالسبيخة، وعمّار عمروسية مطرب شعبي من صعيد مصر ممن غنوا “سلامتها أم حسن” ولم أعرف ابدا من تكون “ام حسن” هذه إلى يوم الناس هذا…
<strong>محمد الأطرش<strong>
أعود لأقول “خوذوني على ڨد عقلي” فمولانا أمير المؤمنين والمؤمنات المتزوجات منهن والعازبات أعلن لاءاته الثلاث، وزمجر في وجوهنا جميعا مهدّدا متوعّدا بوجهه الملائكي الصبوح المنعش، وصوته الذي يشنّف اذاننا، وخطابه الذي يغمرنا بالسعادة ويشعرنا بالارتخاء ويسبّب لنا الإغماء وأحيانا ننهمر بالبكاء…يقول مولانا تفسيرا للائه الأولى أن لا حوار إلا مع الوطنيين فطرت فرحا وطربا حتى أغمي علي فأنا وطني حدّ النخاع الشوكي وغير الشوكي وكيف لا أكون…أنا وطني حسب كل من يعرفني ومن عرفني ومن سمع عني ومن قرأ عني، يعني أنا “دبرتها ” بلهجتنا العامية…
يقول مولانا تفسيرا للائه الثانية أن لا حوار لمن حمل السلاح ضدّ الدولة وهنا أيضا أصابني الغثيان والدوران وبعض الأوجاع في الرأس و”المسلان” من شدّة فرحي وطربي بالخبر، فأنا لم احمل سلاحا ولا حتى حجرا كأطفال الحجارة ضدّ دولة مولانا، ولا حتى ضدّ صديقي سليم دولة ولا حتى ضدّ جمعية الترجّي أليست هي أيضا دولة كما يقول ويتغنّى بها جمهورها وأنا منه، يعني للمرّة الثانية “دبرتها”…”يا بمبك”…
يقول مولانا في تفسيره للائه الثالثة أن لا حوار لمن لا يقبل بإرادة الشعب وهنا قفزت عاليا في حضن صديقي الذي كان يقرأ على مسامعي المعوّذات من الشرور والآفات، عفوا اللاءات الثلاث فسقطت أنا وصديقي أرضا طولا وعرضا من شدّة الفرح والسعادة بما سمعت عن اللاء الثالثة لمولانا أمير المؤمنين و”حتى غير المؤمنين أحيانا”…فأنا من الذين يطالبون منذ ولادتي وحتى قبل ذلك باحترام إرادة الشعب وما يريده الشعب…خلاصة الأمر “دبرتها” للمرّة الثالثة…
أه من لاءات مولانا أدخلت البهجة علينا…واسعدتنا كما لم نسعد ابدا…لكن كل فرحي وطربي وإغماءاتي سقطت و”تبزعوا وطاحوا” في الماء بعد أن اعلمني صديقي أن مولانا وصانع تغيير جويلية الحزين لا يقصد ما قصدت فمفاهيم ومقاييس مولانا مختلفة عن مفاهيمنا ومقاييسنا نحن “الزواولة”…قال صديقي إن مولانا هو من يحدّد من يكون الوطني ومن لا يكون…وهو من يحدّد مقاييس الوطنية فمفهوم الوطنية عند مولانا قد يختلف كثيرا عمّا نتصوره نحن…كما أنه هو أيضا من يقول ويحدّد من حمل السلاح ضدّ الدولة…ومن يمكن اعتباره محترما لإرادة الشعب…قلت كيف؟ فقال…أما الوطنية فهي من يعترف ويدعم ويساند ويعلن البيعة لصانع تغيير الخامس والعشرين من جويلية الحزين…
أما من حمل السلاح ضدّ الدولة فذلك أمر لا يعنينا فهو يعني فقط الشيخ واتباعه واصهاره ومن جالسوه، ومن صافحوه، ومن غمزوه، ومن راودوه عن حركته، ومن اقتربوا منه لأقل من مترين أو قدمين، ومن ربّتوا على كتفيه، ومن استمعوا له، ومن جالسوا صهره، ومن درسوا عنده، وباستثناء من داسوا على قدميه … هؤلاء جميعا لن يشملهم الحوار ولن يركبوا ظهر الحمار، عفوا لن يجلسوا على كراسي الحوار…
أما عن احترام إرادة الشعب فهم أولئك الذين صفقوا وسعدوا وزغردوا واعترفوا بنتائج الاستشارة فالشعب الذي يعنيه مولانا هم اتباعه ومن أعلنوا له البيعة، ومن عاشوا وتذوقوا متعة ولوج منصة استشارة مولانا…دون ذلك فلا أحد سيكون معنيا بالحوار مع وعند مولانا…في نهاية الأمر اكتشفت ولأول مرّة أني وأمثالي ممن لا يعترفون بالخامس والعشرين من شهر جويلية الحزين لا يمكن اعتبارهم من الوطنيين الذين يعنيهم مولانا…فنحن قد نُصنّف رموز العمالة والخيانة عند مولانا… فأنا لست وطنيا عند مولانا حسب مقاييسه ولن أكون… فالوطنية عند مولانا هي فقط لمن قبّلوا يده ورأسه وبايعوه…الوطنية هي فقط لمن طأطؤوا رؤوسهم حين تكلم ويتكلّم ليوافقوه…
خلاصة القول وختامه وحسب مقاييس لاءات مولانا… “مولانا” سيجلس فقط مع “مولانا” في حوار سيقرران في ختامه كيف سيوفران لنا نحن الشعب، إن كنّا منه طبعا، “فطورنا وعشانا”…فلاءات مولانا هي “اشرب والا طيّر ڨرنك”…فلا نجيب الشابي وطني… ولا حمه الهمامي وطني… ولا الفاضل عبد الكافي وطني… ولا يوسف الشاهد وطني… ولا محمد عبو وطني… ولا الدساترة وطنيون…. ولا وزراء بورقيبة وبن علي وطنيون… ولا اتحاد الشغل وطني …ولا الشركة الوطنية للنقل الريفي وبين المدن وطنية… ولا حتى المنتخب الوطني وطني …ولا غير هؤلاء جميعا…قد يكون هيكل المكي فقط وثنيا عفوا وطنيا عند مولانا…
فالشعب الذي يعنيه مولانا هو من لا يأبه غدا “لفطورنا وعشانا” هم فقط من بايعوه وساندوه ودعموه وصفقوا له ومشوا وراءه دون أن يعلموا اين يأخذهم وأي طريق يسلكون…هم فقط نصف مليون ولجوا منصة الاستشارة بعضهم غصبا عنه وبعضهم لم يكن يعلم اين ولج وما تعنيه منصّة ظنّا منهم أنها تضاهي في أجرها صلاة الاستخارة…أمّا نحن وأمثالنا “لينا ربّي”…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.