قبل الخوض في الأسباب الذاتية الخاصة بجميع شركاء الإصلاح آنذاك والموضوعية المتصلة بالمواقف التي تفاعلت من خلالها القوى السياسية المتنفّذة، لنتّفق أولا حول أصل الإجماع المجتمعي العام في تونس اليوم المتصل بحتمية إجراء مراجعات جوهرية و جريئة و مستعجلة لكامل منظومتنا التربوية.
يتأتّى هذا الإجماع الواسع خاصة لدى عموم المواطنين المكتوين بنار الدروس الخصوصية و الكلفة الباهظة جدا لتسجيل أبنائهم بالمؤسسات التعليمية الخاصة و مستوى تشغيلية المتحصّلين على الشهائد الجامعية، يتأتى أساسا من حالة السقوط المُدوّي والثابت التي أضحت تميز المدرسة العمومية التونسية مقارنة بمثيلاتها في العالم وحتى بالبلدان الشبيهة من حيث مؤشرات النمو والتطور اقتصاديا واجتماعيا.
ويبرز ضعف الأداء خاصة في أهمّ العناصر التالية :
1)تراجع متانة التكوين القاعدي للتلاميذ وذلك في كل الطوابق التعليمية من التحضيري إلى التعليم العالي، ونلمس ذلك من خلال مشاركة أبنائنا في المناظرات المختلفة وطنيا ودوليا وكثير من المؤشرات الأخرى في ظل عدم وجود شبكات وطنية رسمية لقيس جودة أداء مدرستنا العمومية التونسية.
2)اتساع الهوّة بين المدرسة ومحيطها الاقتصادي بما أثّر سلبا على اندماج المغادرين لها بشهادة أو بدونها الذي أضحى عسيرا من سنة إلى أخرى، فتوقفت المدرسة عن لعب دورها التاريخي في تشكيل مصعد اجتماعي أوصل تاريخيا شرائح واسعة من المتمدرسين إلى أعلى المراتب الإدارية ومواقع القرار والقيادة المختلفة.
3)ارتفاع منسوب التسرّب المدرسي خاصة في سنّ دقيقة وحاسمة (مرحلة المرور من الإعدادية إلى التعليم الثانوي الطويل) أي في المرحلة العُمريّة التي يجد فيها أبناؤنا أنفسهم غير قادرين على استكمال مسارهم الدراسي لكنهم في نفس الوقت قادرين تماما على الانخراط في مسالك محفوفة بكل أنواع المخاطر لكونها لا تتطلب سوى اندفاعا شبابيا وشحنة من الأدرينالين للتغلب على الخوف والرهبة.
4)عجز خارطة المسالك والشعب الدراسية الحالية عن الاستجابة لتنوّع ملامح التلاميذ وذكاءاتهم المتعددة من ناحية وعن تلبية حاجيات المجتمع وسوق الشغل وانتظارات عروض التكوين في التعليم العالي خاصة من ناحية أخرى.
5)تصلّب الحدود بين مختلف أضلع المنظومة التكوينية الوطنية أي التربية والتكوين المهني والتعليم العالي بدلا من إضفاء أكبر قدر من المرونة على العلاقات بين هذه المكوّنات من خلال إيجاد المعابر الضرورية بينها والتضييق بالتالي أكثر ما يمكن من نسب الانقطاع.
6)التدني اللافت لمستوى نتائج الباكالوريا خلال السنوات الماضية واختلال التوازن بين الشعب الدراسية فيما بينها وبين الجهات وحتى بين المؤسسات التربوية داخل نفس الجهة مما يشكل ضربا سافرا لمبدإ تكافؤ الفرص الذي تقوم عليه السياسات التربوية في كل بلدان العالم.
7)إخلالات بالجملة جعلت الجميع يقتنع بأن الإصلاح لم يعد خيارا بل ضرورة ملحّة بدونها سيتواصل الانهيار ويستمر النزيف وتصبح المدرسة خزّانا مواتيا لتغذية العنف والإدمان والغش والتسيب والتطرف بدلا من تحويلها إلى خزان لإنتاج المعرفة والمهارات المختلفة والقدرة على التكيف مع التحولات العالمية المتسارعة ومعانقة التكنولوجيات الرقمية الحديثة كمفتاح لأي تقدّم في المستقبل.
أعود إلى سؤال البدء : لماذا تأخّر الإصلاح رغم الطابع الملحّ للتغيير والمراجعة وبالرغم أيضا من إجماع الخبراء وسائر المهتمين بالشأن التربوي واتفاقهم على أهم عناصر التشخيص وبلورة الحلول العاجلة ومتوسطة المدى الكفيلة بالخروج من نفق تدنّي مستوى مردود المدرسة التونسية وتراجع أدائها ؟
إنطلق الحوار سنة 2016 من خلال مقاربة تشاركية تصورا وتنظيما وإعدادا (إنطلاقا من أن التربية خيار وطني استراتيجي) تجسدت في بعث لجنة وطنية لقيادة الإصلاح ضمّت ممثلين عن وزارة التربية والاتحاد العام التونسي للشغل و شبكة عهد للثقافة المدنية التي تتألّف من المعهد العربي لحقوق الانسان والرابطة التونسية لحقوق الانسان والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين والهيئة الوطنية للمحامين وعديد الجمعيات الأخرى…
عُقدت عشرات بل مئات جلسات العمل العامة والمختصة في كل الجهات وفي كل مجالات الاختصاص وصيغت ورقات عمل في كل المجالات المتصلة بالتربية والتعليم ووُضعت التصورات وتم اقتراح الحلول في تفاصيلها وصيغ القانون التوجيهي للتربية والتعليم وعُرض على لجنة التربية بمجلس نواب الشعب قبل عرضه على الجلسة العامة للمصادقة… ثم لا شيء ! نعم لا شيء.
أقيل الوزير آنذاك ووجدت أطراف عديدة بمن فيها بعض النقابات المؤثرة كل الذرائع لإسقاط مشروع الإصلاح والعودة به إلى مربّع الصفر.
معركة انتصر فيها الجميع ولم تنتصر التربية والتعليم.
إن العوامل الأساسية التي حالت حسب تقديري دون عرض القانون التوجيهي للتربية على مجلس نواب الشعب والمرور إلى إنفاذ مختلف الإجراءات الإصلاحية المقترحة من قبل اللجان المختصة هي بصورة عامّة وقوع الإصلاح في “عيْن” عواصف تصفية الحسابات السياسية الهوجاء وسطوة الأهواء النرجسيّة لدى بعضهم آنذاك ورغبة العديد في محاولة إذكاء معارك قديمة وعقيمة حول الهوية وتدريس العلوم باللّغة العربيّة من عدمها الخ…
وكأن الأحزاب السياسية قامت باختطاف أهم الملفّات الاستراتيجية (مثل المحكمة الدستورية وإصلاح الصناديق الاجتماعية والإصلاح التربوي والتكويني وباقي القطاعات الحيوية مثل النّقل والصحّة العموميّة) وباتت تُوظّفها في معاركها ومناوراتها وحساباتها السياسوية التي لا تعني التونسيين في شيء لا من بعيد ولا من قريب… حتى لو بقيت دار لقمان على حالها وأعداد المنقطعين عن الدراسة بعشرات الآلاف وجهات بأكملها تعجز عن إرسال ولو حاصل جديد واحد على الباكالوريا إلى شعب مرموقة يتطلب الالتحاق بها معدلات عالية مثل الطب والصيدلة وطب الأسنان والدراسات التجارية العليا والأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية …
ما العمل، والحال على ما هي عليه من تعطّل لمسار الحوار حول الإصلاح التربوي واستمرار النخب السياسية الماسكة بسلطات القرار في التحلي بعدم المسؤولية واللامبالاة ؟
لا بد حسب اعتقادي من ضغط مجتمعي عارم (تشارك في تأثيث فعالياته المنظمات الوطنية والجمعيات التربوية والمنابر الإعلامية المختلفة والقوى السياسية المؤمنة بالطابع الاستعجالي للمشروع) يفرض على السلطة التنفيذية والتشريعية الشروع فورا في وضع الإصلاح على طاولة الحوار التأليفي السريع والانطلاق في تنفيذ مُخرجاته دون تأجيل.
ومن ناحية أخرى، أصبحت أؤمن شخصيا أن على وزارة الإشراف الأخذ بزمام الأمور وضمان حدّ مقبول من التشاركية “في غير إفراط” مع أهل الذكر من أجل إجراء مجموعة من الإصلاحات الموضعيّة السريعة الكفيلة بإيقاف النزيف وكسب بعض النقاط على مستوى مقاومة الفشل المدرسي على سبيل المثال ومظاهر الجنوح المختلفة وتحسين نتائج الباكالوريا في عديد الجهات المنكوبة…إلى حين خروج البلاد من نفق التردّد والمناكفة والتجاذب وسياسة الفرجة على سقوط المدرسة العمومية وتجاوز منطق “دعها حتى تقع” !
“تعاظمت التفاوتات الاجتماعية حتى انحسرت المراتب وتفكك السُلّم الاجتماعي؛ فـَعِلْيَة القوم لم يعودوا في قمّته بل يحلّقون فوقه، والمهمّشون لم يعودوا في أسفله، بل سقطوا دونه، معلّقين في فراغ اجتماعي. ” ألان توران
حضرتُ، يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025، إطلاق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمؤلَّفه الجماعي “الهامش، المقاومة الاقتصادية، والديناميكيات غير المرئية على تخوم التنمية…”[1]. غير أنّ هذه المتابعة لا تكتفي بتوثيق الحدث، بل تتوقف عند لحظات الإرباك التي ميزت النقاش، خاصة في الحوار الذي تلا عرض نتائج البحوث الميدانية، حيث انكشفت فجوة واضحة بين التحليل النقدي الميداني الذي قدّمه الفريق البحثي، وبين تصوّرات راسخة في الفضاء العام ما تزال تُسوَّق باعتبارها “واقعية اقتصادية” أو “حلولاً جاهزة”.
وقد كشف النقاش عن رؤيتين متناقضتين عجزتا عن استيعاب نتائج البحث الميداني:
الأولى: تقنوية-ليبرالية تشرعن الوضع القائم باسم “الواقعية” و”التوازنات الاقتصادية”؛ كما بدا في الدفاع عن “إجبارية الوسيط”، والاكتفاء بالدعوة إلى “تقنين دوره”، وهو توجه يحمي في جوهره مصالح أصحاب الأعمال ويحوّل المطالب العمالية إلى تهديد لاستقرار المنظومة.
والثانية أيديولوجية-شعبوية: تعتمد حلولاً جاهزة وشعارات قطعية، كشعار “الإسلام هو الحل” الذي لمّح إليه أحد المتدخلين، مما يجعله خطاباً عاجزًا عن تقديم بدائل ملموسة تعالج تعقيدات الواقع الميداني وتحدياته.
إن هذا التقابلَ بين خطابٍ يشرعنُ السوقَ وآخرَ يرفضه بلغةٍ شعاراتية، دون مساءلةٍ جدّية لشروط إنتاج الهشاشة وآلياتِ اشتغالها، هو بالتحديد أهمُّ ما استدعى فتحَ هذا النقاش وصياغةَ هذا النص.
في تقديري، تكمن قيمة بحوث الندوة، الموثّقة في الكتاب الموزّع على الحاضرين، في اختياراتها المنهجية بالأساس. فقد اعتمدت هذه البحوث المنهج الكيفي والمقاربة الإثنوميثودولوجية ضمن دراسة طولية امتدت على ثلاث سنوات، ما أتاح فهم الهشاشة من داخل الواقع المعيش لا من خلال الخطابات الجاهزة.
وقد قام هذا التمشي المنهجي على الجمع بين السرديات الحياتية، والملاحظة الميدانية، والمجموعات البؤرية، قبل الاستعانة بالاستبيانات المنظمة، وهو ما مكّن الباحثين من تفكيك آليات التهميش كما تُعاش يوميًا، لا كما تُوصَف في التقارير الرسمية. فبعد “الفصل التمهيدي” لريم الشتيوي، تضعنا سمية المعمري أمام إشكالية مفصلية في بحثها “بين التمثلات المؤسّسية والوقائع المعيشة: إعادة التفكير في الاقتصاد انطلاقا من الواقع الاجتماعي“، وهو ما يكسر القوالب الجاهزة حول مفهوم “الواقعية”.
كما يغوص العمل في مناطق ظلّ اقتصادية وبيئية عبر بحث إلياس شعبان حول “الهشاشة الخفية في الوسط الغابي بتونس“، وبحث أيوب منزلي “بين القيمة المهمّشة والقيمة المضافة: إعادة اكتشاف دور البرباشة البيئي في اقتصاد تونس“. وتكتمل هذه الرؤية الميدانية بتحليل سمية المعمري لـ “تقاطع ديناميات التهميش الاجتماعي والاقتصادي والتغير المناخي واستراتيجيات الصمود“، لتختم أمل الجماعي ببحثها حول “الفرص المتاحة للتحسين في إطار التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية: قراءة استراتيجية للديناميكيات الاقتصادية في الحضر، الريف والساحل“، وصولاً إلى “الفصل الختامي” لريم الشتيوي.
لم تقتصر الندوة على عرض نتائج البحوث، بل أتاحت فضاءً نادرًا لسماع شهادات حية لنماذج من نساء الريف العاملات في القطاع الغابي كشفن عن معاناة يومية مركّبة: استغلال مزدوج، غياب للحماية الاجتماعية، يوم عمل شاق يبدأ من الثالثة فجرًا وينتهي بعد العصر، مقابل أجر لا يتجاوز عشرين دينارًا، في ظل مخاطر النقل، والتغير المناخي، وشحّ المياه، وهيمنة الوسطاء. كما عرضت الندوة شهادات مصوّرة لبحارة من المهدية والمنستير، ونماذج من شهادات البرباشة المشاركين في البحث، لتؤكد أن الهشاشة ليست رقمًا إحصائيًا، بل تجربة معيشة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف المسافة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس.
هذه الأصوات لا تطلب صدقة، بل تطالب بـ عدالة سوسيو-إيكولوجية وبحقها في تثمين مواردها خارج منطق الاحتكار والوساطة. وبهذا المعنى، يُعاد تعريف الهامش لا كمجال ضعف أو عجز، بل كـ فضاء مقاومة وصمود، قادر على مساءلة النموذج الاقتصادي القائم والمطالبة بالحق.
من هنا، يكتسب التقابل بين التمثلات المؤسسية والوقائع المعيشة، الذي يشكل أحد محاور المؤلف الجماعي، بعدًا يتجاوز الإشكال الاقتصادي المحلي. فنحن إزاء واقع لم تعد الأدوات النظرية التقليدية قادرة على الإحاطة به، بعد أن شهد السلم الاجتماعي تفككًا بنيويًا حوّل التفاوتات إلى انقسامات عميقة. ففي الوقت الذي اندمجت فيه النخب في فضاءات معولمة، ظلّت فئات واسعة خارج دوائر الاعتراف والحماية، لتصبح “غير مرئية” في ما يسميه آلان توران “التعليق في الفراغ“. لذلك، لا يمكن لأي تحليل جاد للهشاشة أن يكتفي بالأرقام أو المؤشرات، بل يقتضي استحضار سياقات إنتاج التهميش، وتمثلات أصحاب الحق لمعاني العمل والكرامة والعدالة، والتفاعلات غير المتكافئة التي تنظّم السوق خارج الخطاب الرسمي. وفي هذا الإطار، يظهر دور الوسطاء لا كحلقة تقنية محايدة، بل كآلية بنيوية لإعادة إنتاج الهشاشة وحرمان المجتمع والدولة من عدالة التوزيع.
إن إعادة التفكير في الاقتصاد انطلاقًا من الواقع الاجتماعي لا يقتصر على تعديل المصطلحات، بل يعني استرجاع الإنسان من تحت ركام الأرقام، وإعادة الاعتبار لوجوده وواقعه اليومي الذي لا يمكن اختزاله في مؤشرات وجداول: أن نرى في البرباشة فاعلين في التدوير البيئي، لا هامشًا غير منظّم، وأن نفهم أن أية سياسة لا تنطلق من معاناة الهامش وقدرته على المقاومة، محكوم عليها بالبقاءمعلّقة في الفراغ.
ورغم أنّ الاعتراف بالهشاشة في الخطاب الرسمي التونسي بلغ اليوم مستوى غير مسبوق من حيث الحضور والتسمية، فإن هذا الاعتراف لا يوازيه تفكيك فعلي للشروط البنيوية التي أنتجت الهشاشة ورسّختها. فالهشاشة في تونس ليست طارئة ولا ظرفية، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل رافق تراجع الدور الاجتماعي للدولة، وانتقالها التدريجي منذ منتصف سبعينات القرن العشرين من دولة الرعاية الاجتماعية التي تبلورت ملامحها في ستينات القرن الماضي، إلى دولة فئوية أعادت توجيه السياسات العمومية لخدمة مصالح محدودة.
وقد أظهرت عديد الدراسات، أنّ هذا التحوّل تجسّد في اختلالات هيكلية مزمنة، مثل معضلة الدعم غير الموجّه لمستحقيه، ونمو الاقتصاد الريعي[2] وترسخ روتين بيروقراطي معطل، وهي اختلالات لم يُغفلها أي خطاب رسمي أو سياسي بعد 2011، حيث استمر رفع شعار مواجهتها، غير أن أنماط التدبير اليومي للسياسات العمومية تُكرّس عمليًا التعامل معها على أنها أمور راسخة، في إطار ما يُسمّى الواقعية الاقتصادية. هذا الاستخدام الانتقائي للواقعية يتجاوز مجرد وصف الوضع، ويوسّع الفجوة بين القول والفعل ويزيد شعور الناس بعدم الثقة والرضى، كما عبّرت عنه غالبية المشاركون في كافة البحوث الميدانية التي غطتها الندوة.
إن هذا التحوّل لم يكن مفاجئًا، بل ترسّخ في أذهان الناس عبر عقود من التهميش الخفي، والخطاب الذي يحمّل المهمشين مسؤولية وضعيتهمويحوّل دعمهم إلى صدقة تُمنح لهم بدل أن يكون حقًا مكتسبًا. وفي ظل هذه التمثلات الراسخة، يبقى الاقتصاد التونسي، بصيغته الحالية، مولّدًا للهشاشة أكثر من كونه وسيلة للاندماج والحماية، بفعل سياسات غير ملائمة، وتراجع قدرة الدولة على التدخل، وتحولها من ضامن للعدالة الاجتماعية إلى طرف يعيد إنتاج اللامساواة.
تحت شعار “حين يتكلم الفن… يصمت العنف”، نظم المركّب الشبابي بالمهدية بالتعاون مع مجمع الصحة الاساسية بالمهدية، يوم السبت 20 ديسمبر 2025، يومًا دراسيًا خصص لموضوع السلوكيات المستجدة، ليكون فضاءً حيًّا للحوار والتفكير الجماعي حول التحوّلات السلوكية التي يشهدها المجتمع التونسي اليوم وانعكاساتها على الفرد والمجتمع، وبالأخص فئة الشباب. منطلق هذه التظاهرة قناعة مفادها أن العنف ليس ظاهرة معزولة أو سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نتاج تراكمات اجتماعية ونفسية وثقافية، وأنّ الفن يمكن أن يكون مدخلاً فعّالاً للفهم، التعبير، والوقاية.
تضمّن برنامج اليوم مداخلات تمهيدية ساعدت المشاركين على تبسيط هذه الظواهر وفهم خلفياتها، إلى جانب ورشات تطبيقية شملت صناعة المحتوى، التعبير الجسماني، المسرح، وورشة التربيةالتشكيلية. وقد أتاحت هذه الفضاءات للمشاركين فرصة التعبير عن ذواتهم وتبادل الآراء حول الظواهر المذكورة، وتوّج المسار بعرض إنتاجات الورشات المختلفة ونقاش جماعي مفتوح، ما جسّد التفاعل بين التعبير الفردي والمشاركة الجماعية.
في هذا الإطار، جاءت اللوحة الفنية المصاحبة التي أنجزتها مجموعة من الشابات التونسيات باعتبارها إحدى مخرجات ورشة التربية التشكيلية، تحت إشراف فني للمنشط والفنان محمد بوفريخة، الذي أرشد المشاركات في التعبير الفني وتوظيف الرموز البصرية، وإشراف تربوي وحواري للمربي والباحث مصطفى الشيخ الزوالي، لتعكس بذلك تجربة جماعية متكاملة تتجاوز حدود الورشة نحو قراءة أعمق للمجتمع والتحولات المستجدة.
تُقرأ اللوحة كنافذة مفتوحة على تحولات المجتمع التونسي. فهي تبني دلالاتها عبر طبقات يتجاور فيها الماضي والحاضر، وتتقاطع فيها الذاكرة مع الأسئلة التي يطرحها الزمن الراهن، ضمن تفكير جماعي في الظواهر المستجدة التي باتت تؤثّر في الحياة اليومية، وفي أشكال التوتّر والعنف التي ترافقها.
في أسفل اللوحة، تبرز البوابة التقليدية المزدانة بالورود كعلامة على الجذور الأولى: ذاكرة جماعية وروابط اجتماعية وموروث ثقافي شكّل على امتداد عقود إطار العيش المشترك. لا تحضر هذه العناصر بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كدعوة ضمنية إلى التمييز داخل هذا الموروث ذاته، بين ما يظلّ قادرًا على الإسناد وبناء المعنى، وما تحوّل مع الزمن إلى عبء يعيق الفهم والتجدّد. الماضي، كما توحي اللوحة، ليس كتلة واحدة صمّاء، بل فضاء مفتوحًا للاختيار والانتقاء وإعادة التوظيف، حيث وجدنا في التعبير البصري للعمل صدًى لما حاولنا طرحه خلال الحوار، وكأنّ الرسم أتمّ ما بدأناه بالكلمة.
مع الصعود في طبقات العمل، تتجلّى رموز تنتمي إلى مرحلة وسيطة من تاريخ المجتمع: الهاتف القديم، الدفاتر، إشارات المرور، وعلامات التنظيم المؤسسي. هذه العناصر تستحضر ملامح فترة تمتدّ لنحو خمسين سنة بعد تأسيس الدولة الوطنية عام 1956، أي زمن ما قبل الرقمنة والإنترنت والذكاء الاصطناعي، حين ساد منطق التنظيم والضبط، وسعت المؤسسات إلى تأطير السلوكات داخل فضاءات محدّدة، من بينها الفضاء المدرسي.
في قراءتي للوحة، أجد صدىً مباشرًا لما سعيت إلى تبليغه خلال الحوار؛ فالرموز، رغم ما توحي به من انتظام واستقرار، تحمل بين طبقاتها توتّرًا خفيًا، كأنها تُبرز حدود هذا النموذج حين يواجه تحوّلات لم تعد تُختزل في الأمكنة التقليدية، وتدعونا للتفكير في كيفية تكييف القديم مع تحديات الحاضر. وهكذا، يصبح الرسم امتدادًا بصريًّا للحوار، حيث يلتقي التعبير الفني بما حاولنا صياغته بالكلمة، في تفاعل ثنائي بين الرؤية والتجربة.
في المستويات العليا، ينفتح المشهد على عالم رقمي متسارع، تتداخل فيه منصّات التواصل، الشبكات، والتقنيات الحديثة. هنا، لا يبدو العنف، إن وُجد، محصورًا في الساحات أو الأقسام أو الشوارع، بل انتقل بقوة إلى الفضاء الرقمي، متخذًا أشكالاً جديدة وأكثر تعقيدًا، من قبيل التنمّر الإلكتروني، التشهير، وتداول مشاهد العنف. وفي قراءتي للوحة، أجد انعكاسًا لما سعيت إلى تبليغه خلال الحوار: فهذه الرموز لا تُقدَّم في صيغة اتهام مباشر، بل كإشارة إلى الفجوة المتنامية بين واقع التلميذ “الرقمي” وتجربة الحياة المدرسية، وبين منظومة تربوية ما تزال، في جانب منها، تشتغل بأدوات الأمس وتتصوّر العنف بوصفه ظاهرة محصورة في فضاءات مرئيّة قابلة للضبط.
بهذا التدرّج البصري، تقترح اللوحة تأمّلاً في العلاقة بين الأزمنة، لا من زاوية القطيعة، بل من زاوية الموازنة والمسؤولية. فهي تلمّح إلى أن التعامل مع الظواهر المستجدة، بما فيها مظاهر العنف في الزمن الرقمي، لا يمرّ عبر إنكار التحوّل ولا عبر القطيعة مع الجذور، بل عبر قدرة جماعية على إعادة التفكير، حيث يلتقي ما يُرى في اللوحة بما حاولنا تبليغه بالكلمة، في تجربة مشتركة تُوازن بين القديم والحاضر، وبين الموروث والتحديات الرقمية.
في المحصّلة، لا تُفهم هذه اللوحة بمعزل عن ساعة ونصف من الحوار والنقاش الجماعي الذي رافق إنجازها. خلال هذا الوقت، إذ تداخلت الملاحظات المستمدة من الواقع مع محاولات التأطير التربوي والفني، لتنتج لغة بصرية تعبّر عن تجربة تفاعل مستمرة. وهكذا، يظل المعنى مفتوحًا، يترك لكل مشاهد حرية قراءة اللوحة وتأويلها وفق طبقاتها ودلالاتها، مع إدراك أن ما يظهر في الصورة يعكس تمازجًا بين التعبير الفني والإشراف الفني وما حاولنا إبلاغه بالكلمة في الحوار والتوجيه التربوي
قدم لي الصديق والزميل مصطفى الشيخ الزوالي إهداءً لكتابه “بن علي والنخبة التونسية، دراسة في الثقافة السياسية وخطاب المثقفين”، وهو عملٌ قدّمه الحقوقي التونسي أحمد كرعود وصدر عن المؤلّف نفسه عن المغاربية لطباعة وإشهار الكتاب سنة 2024، في خمس،وسبعين ومائتي صفحة.
أعرف سلفا أنني لن أفيه حقه من التمحيص لغزارة ما تضمنه من معطيات أولا ولأنه يضرب عميقا في المفاهيم السوسيولوجية الحديثة ومقولات علم الاجتماع ثانيا، ولجلالة نهجه القائم أساسا على الدقة والحذر من المطبات في موضوع مطروق، وهذا يضاعف صعوبته إذ المطلوب في التأليف هو الطرافة والجدة، ولذلك نراه يستهل المبحث باستعراض الدراسات السابقة موضحا مرجعيته النظرية والمنهجية (ص17) باعتماد مؤلفات لشخصيات وازنة معرفيا وسياسيا .فقد استند المؤلف على الدكتور عبدالسلام المسدي وكتابه “تونس وجراح الذاكرة” ، والدكتور الهادي التيمومي في كتب عديدة، أهمها “خدعة الاستبداد الناعم: 23 سنة من حكم بن علي”، إضافة إلى دراسة الأستاذ الجامعي عادل بن يوسف بعنوان “المثقفون والسلطة زمن حكم بن علي: الجامعيون نموذجًا 1987-2011”. كما اعتمد على كتاب “حقائق عن شخصية بن علي وأسلوبه في الحكم” الذي اشترك في تأليفه كل من صلاح الدين الشريف، الكاتب العام لرئاسة الجمهورية بين 1999 و2011، ومحمد المنصف القصيبي، الموظف السامي بالوزارة الأولى سابقًا.
وقد جمع المؤلف بين زبدة القول في هذه المؤلفات وبين بيان خصالها أو هناتها، مستفيدًا من المراجع المعرفية والنقدية في تحليل مسار النخبة التونسية. ومن الواضح منذ البدء أن المؤلف محكوم بهاجس “وضع المعلومات والمعطيات في سياقها التاريخي حتى يكون لها معنى” (ص70و 105) وأنه تنقل بين كم هائل من المصادر والمؤلفات التي وضعها أصحابها مدحا أو قدحا وما بينهما من تغيير الموقف من “رجل التغيير” وهؤلاء إما نخبة وإما نخبة النخبة من خيرة أكاديميي الجامعة التونسية، دون ان يجامل ولا يتحامل بل مستندا إلى مفاهيم ومقولات دقيقة في المجال (ص74 و85) مثلا : نخبة النخبة، أو خبراء الشرعنة عند غرامشي…).
وتتواتر قبل ذلك وبعده مفاهيم توظف في سياقها على سبيل الأجرأة مثل مفهوم الانزلاق (ص 68و71) النخبة والتصنيف الى Intelligentsia و Intellectuels مما استدعى تدقيقات كثيرة خاصة ان الامر يتعلق بالحديث عن أساتذة/مراجع في اختصاصاتهم الأكاديمية يترفع الكاتب عن ذكر أسمائهم مكتفيا بمواقفهم من مواقعهم الجديدة، ولذلك نجد جهازا مفاهيميا مبثوثا في ثنايا الكتاب لا يفتأ الكاتب يعود إليه كلما رام توضيح رؤية أو شرح طرح أو بيان موقف أو حتى إبداء رأي في مسار بعض من كان يراهم نماذج ورموزا للفكر والبحث الأكاديمي خاصة.
ولا يخفى هنا شعور الخيبة والإحباط نستشفه خاصة في اعتماد السرد وبعض مقاطع السيرة الذاتية، كاللقاءات والاجتماعات مع وزراء وشخصيات نافذة وللتجربة المهنية حضورها الوظيفي في كشف ما قد يخفى على العموم (ص 94 و 105 مثلا). فجاء القول كاشفا بعض الزوايا المعتمة وحوله إلى شاهد على العصر في مجالات متنوعة نذكر منها الإعلام والفن والتعليم لكن بعين عالم الاجتماع ووسائله ومنهجه لا رجل السياسة بتكتيكاته ومصالحه وأهدافه.. ولعل ذلك أتاح له مثلا محاصرة شخصية رمز إليها بحرفي ص.ش بحكم دورها البارز في إخضاع النخبة للسلطة القائمة وأكاد أقول إنه التاريخ يحاكم كلا بما كان ليديه من أفعال ولسانه من أقوال وتلك لعمري محاكمة ” معرفية” مُثلى باعتبارها منظارا دقيقا يكشف الفاصل القيمي بين ما تروج له النخبة نظريا وما تمارسه عمليا. وفي ذلك برأيي استحضار للوضع المفارق تاريخيا la Situation historiquement paradoxale لسلم القيم بين المنشود والموجود.
ومن جهة أخرى لم يخل الكتاب من طرائف في تسابق أعلام في ما سماه ” التجويق” في مجالات الثقافة والفن والإعلام ، مستعرضا أمثلة على فقر المشهد الثقافي والإعلامي وظفه الساسة وذراعهم الإعلام في ترذيل الفن بالترويج لنماذج توغل في البذاءة وتزيد الطين بلة .. على انه لم ينس الإشادة الضمنية بموقف استثنائي خارج عن السرب في هدوء واختزال لا يقدر عليه الا العظيم الراحل توفيق بكار في خطابه لزميله المسدي عن بن علي :”لا تنتظر منه خيرا كبيرا يا عبد السلام” (ص179) ممهدا بذلك ربما لبيان أسباب التصحر السياسي بعد 2011 (ص189) إذ رده إلى هيمنة مقولات الاستبداد على النخب السياسية ” الجديدة” نفسها في مختلف الاقطاب (ص195) .. ليخلص إلى خاتمة عامة عنوانها تساؤلات واستنتاجات من أجل المستقبل متبوعة بقائمة طويلة من المصادر والمراجع يحيلنا في بقية الكتاب على مقاطع منها تراوح بين الجد والهزل إذ جعلها تنطق عن ذاتها فتثير سخريتنا نحن القراء من أصحابها حينا واشمئزازنا حينا آخر دون أن ينفي عنا إمكان التقدير والإجلال لبعضها الآخر.
يقدّم كتاب “بن علي والنخبة التونسية” قراءة دقيقة للمسافة بين القول والفعل في النخبة التونسية، كاشفًا التناقضات في علاقات المثقفين بالسلطة، ويشكل، كما أشار أحمد كرعود في تقديمه، إضافة قيّمة بتحليل معمّق لتواطئهم مع السلطة، ويفتح نوافذ للتأمل في حاضر الثقافة السياسية واستشراف مستقبلها.