تابعنا على

جلـ ... منار

لن يتغيروا أبدًا

نشرت

في

في أعوام الكلية – أتذكر – قمت مع رفاقي بعمل مجلة حائط. على سبيل الدعابة ألصقت زهرة من البلاستيك على فرخ المجلة، وكتبت إنني أراهن أن هذه الزهرة سوف تبقى حيث هي أسبوعين دون أن تُمس، لأننا سنبرهن على أننا شعب متحضر راق. علقنا المجلة.. ذهبت لأشتري سجائر.. عدت بعد ربع ساعة فوجدت أن الزهرة غير موجودة!.. لقد دام التحضر ربع ساعة فقط

أحمد خالد توفيق


السؤال هنا هو: ماذا يمكن عمله بزهرة بلاستيكية رخيصة ؟.. لا شيء فى الواقع.. لكن هناك قاعدة رئيسة تقول إن أي شيء يمكن أن يُسرق سوف يُسرق. السرقة على سبيل (الاستخسار) لا توجد إلا فى مصر على قدر علمي. ثم أن هناك لذة التحدي والتخريب ورفض أن يختبرك أحد.. عملية نفسية معقدة جدًا


كانت هذه بدايات التغير المرعب فى الشخصية المصرية، ومع الوقت عرفت أمثلة عديدة فى السنوات التالية وعلى مدى 25 عامًا. قد يبدو المثال شخصيًا جدًا لكنى فعلاً لا أفهم مبرر سرقة أي كتاب لي بعد ربع ساعة من ظهوره فى السوق، وفى الغالب يتم هذا مع كتب رخيصة جدًا. لكنها طبيعة الاستخسار.. والأهم أن كل منتدى على النت يسرق كتاباتي يكتب صاحبه: (نسألكم الدعاء !), فيردون عليه: (جعل الله هذا فى ميزان حسناتك !)و (بارك الله فيك يا أخي). متدينون جدًا هؤلاء اللصوص. لاحظ التناقض الغريب.. فلو كنت أنا شيطانًا رجيما يريدون تدميره بسرقة أعماله، فلماذا يقرؤونها ؟.. ولو كنت أنا مجرد كاتب جيد فلماذا السرقة منه؟


كل هذا مقبول ويمكن أن نعتبره نوعًا من الظرف المصري المبالغ فيه، لكن الأمر يتنامى بشكل مروع وبين لحظة وأخرى.. وفى كل الأحوال هناك ذلك التناقض الرهيب بين الأفعال والأقوال، وبين جوهر الدين وبين التدين الظاهري
جلست منذ عام فى ميني باص، وكان السائق يريد تشغيل أغان تروق له. هنا صاح أحد الجالسين فى المقعد الخلفى بصوت مزق آذاننا: “شغل قرآن يا أسطى !”… تجاهل السائق الطلب. هنا انفجر الراكب بسيل من الشتائم الفاحشة ضد السائق، وكلها تتعلق بسلوك الأم الجنسي.. وتوعده بأنه (حيشيل وشه) لو لم يفعل.

تأملت الراكب ورأيت أثر المطواة الواضح على خده وتساءلت: ماذا سيفعله بسماع القرآن مع كل هذا الفحش؟؟. لكن السائق على كل حال شعر بالرعب وأدار شريط قرآن فعلاً، فانشغل الراكب فى الكلام مع جاره وقد اطمأن.. وأؤكد أنه لم يصغ لآية واحدة
هذا الموقف فى رأيى يلخص مصر اليوم.. كلام كثير جدًا عن الدين لكن الأخلاق تنحدر بلا توقف


منذ أيام رأيت مشهد التحرش بسونيا دريدى مراسلة قناة فرانس 24 فى ميدان التحرير… حدث هذا يوم جمعة (مصر مش عزبة)ـ فتاة مصرية (أكرر أنها مصرية) أنيقة محترمة تقف وسط الجماهير وتتكلم مخاطبة الكاميرا، يحيط بها الجمهور المعتاد الذي (بلا شغلة ولا مشغلة) سوى النظر للكاميرا بعدوانية وبلاهة. أكرر هنا أنهم مواطنون عاديون ولا يبدون كبلطجية. وفجأة لاحظتْ أن من حولها يلتصقون بها أكثر من اللازم.. بدأت تتوتر وتقلق. ثم فوجئت بأن معظمهم يمدون أيديهم عليها، وأحدهم مد يده إلى شعرها يتحسسه… نفس السيناريو الدائم. وعندما حاولت الابتعاد لحقوا بها فى جدية وصرامة كأنهم يؤدون واجبًا مقدسًا. أنقذها زميلها بأعجوبة، وقد اكتشفت بعدها أن أزرار البلوزة مفتوحة لكنها تؤكد أن حزامها المعدني أنقذها

في اليوم التالى تجد الخبر والصور فى كل المواقع الغربية.. مع تحذيرات متوالية للغربيين أن يأخذوا الحذر.. المصريون شعب غير متحضر.. المصريون جائعون جنسيًا فابتعدوا عنهم.. إلخ
من قبل هوجمت مراسلة قناة سي تي في ماريان عبده فى ميدان التحرير.. القصة معروفة للجميع. مواقع الإنترنت الغربية مليئة بقصة المراسلة لارا لوجان التى تعمل بقناة “سي بي أس” والتى أصيبت بانهيار عصبي، بعد ما أحاط بها 300 رجل فى ميدان التحرير يوم 11 فبراير 2011 لحظة الاحتفال برحيل مبارك،

وبعد هذا تعرضت الصحفية المصرية منى الطحاوي لتحرش عنيف فى شهر نوفمبر. وهناك صحفية فرنسية اشتكت من التحرش فى الشهر ذاته. ثم جاءت قصة ناتاشا سميث الصحفية البريطانية (21 سنة) التى تدرس الصحافة الدولية فى كلية فالموث بكورنوول. التي وجدت مئات الأيدي تجرها وتعتصر جسدها فى ميدان التحرير، ليلة الاحتفال بفوز مرسى بالرئاسة. ثم شعرت بأيد عابثة تتوغل فى كل جزء من جسدها مع تمزيق شعرها..وكان هناك رجال كثيرون يحاولون حمايتها أو عمل سور بأجسادهم يحميها، وجربوا أن يخبئوها فى خيمة.. لكن العابثين كانوا أكثر. عرفت من النساء أن هذا كله نتيجة إشاعة تزعم أنها جاسوسة. لكن هذا في رأيها كلام فارغ.. مجرد حجة للعبث بجسد فتاة غربية شقراء. بينما غطتها بعض النساء ببرقع ورحن يقلن لها: هذه ليست مصر.. ليس هذا هو الإسلام.. أرجوك لا تعتقدي أن هذا هو الإسلام !ـ

تأمل الدعاية التي لا تقدر بثمن، عندما يظهر المقال فى جريدة ميل بتاريخ 12 يوليو 2012، والعناوين تقول: “مجموعة حيوانات تهاجم ناتاشا سميث، وقد جردتها من الثياب ولم تهرب إلا بعد ما أعاروها ثياب رجل وبرقعًا”. والله لو دفعت إسرائيل مليارًا لما نالت هذه الدعاية ضد مصر والمسلمين. أتساءل دومًا لماذا لا يغار المصريون على مصر وصورتها فى الخارج ؟.. ولماذا يسمحون للمجلات الغربية والمنتديات أن تسلقهم بلسانها ؟.. لماذا لا يحافظون على صورة الثورة الحضارية الجميلة التي لم يتركوا منها شيئًا…؟ أعتقد أن أى صحفية تقصد ميدان التحرير بعد اليوم مجنونة.


الشيء الذي لاحظته فى معظم حوادث التحرش، هو أن رجل الشارع يتصور أن التحرش بالمرأة واجب ديني يقربه من الله.. يجب أن تعاقب لأن ثيابها خليعة.. فإن كانت ثيابها محترمة فيجب أن تعاقب لأنها خرجت من البيت.. وهذا ما يبررون به تحرشهم بالمحجبات والمنقبات.. العقاب ستقوم به أنت، وهو يتمثل فى امتهانها وبعثرة كرامتها وجمش ما تصل له يدك من جسدها. هناك سبب لا يقوله أحد هو أنهم يتحرشون بها لأنها امرأة..هذا سبب كاف.. إن كراهية المرأة (الميزوجينية) واحتقارها شيء ثابت لدى رجل الشارع اليوم.


هكذا نجد ظاهرة أخرى غريبة لا نقابلها إلا فى مصر: التحرش الذى يعتقد صاحبه أنه يؤدي واجبًا دينيًا. كل سائحة تأتي لمصر تعرف أنها إذا مرت أمام رجال فسوف يزِنونها بأعينهم ويسبونها أقذع السباب بالعربية التى لا تفهمها، وفي الوقت نفسه يشعرون بأنهم قاموا بما عليهم دينيًا.


لم أعد أفهم الناس فعلاً.. كل هذه التناقضات الغريبة والادعاء وخداع النفس… تعبت.. ثقتي عالية بالشباب المثقف المتزن الذى قام بالثورة، لكن هؤلاء الذين يمزقون ثياب النساء فى التحرير ليسوا من هؤلاء، وهم الأكثر عددًا والأعلى صوتًا والأقوى قبضة، وهم لا يقرؤون، ويؤمنون أنهم على حق تمامًا.. وبالتالي لن يتغيروا أبدًا. تعبت فعلاً من محاولة الفهم وأنتظر معجزة ما 

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار