تابعنا على

جور نار

ما لا نجرؤ على قوله في الباكالوريا… ولكن وجب قوله

نشرت

في

عندما يعود ابناؤنا صيفا من دول المهجر ويتقدمون إلى وزارة التعليم العالي من أجل الحصول على ما يُعادل باكالوريتهم والالتحاق بالجامعة التونسية، يعتريك بعض الفضول للاطلاع على أنماط تتويج المرحلة الدراسية الثانوية في العالم والرغبة في مقارنة باكالوريتنا التونسية من حيث المحتويات الدراسية وضوارب المواد مع الأبيتور الألماني أو الماتورا في بلجيكا وايطاليا وسويسرا أو الاختبار الوطني لدخول التعليم العالي في كوريا الجنوبية  أو الغاوكاو في الصين (الامتحان الكبير) أو الثانوية العامة في البلدان العربية…

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

و دون الدخول في تفاصيل ليس هذا مجالها، تُبيّن هذه المقارنة الانطباعية الأولى بأنه لنا باكالوريا تونسية تُوشّح صدور بناتنا وأبنائنا وتُثلج قلوب آبائهم وأمهاتهم منذ 1891 لا تقلّ قيمة علمية (من حيث طبيعة المواد التي يتم اجتياز الامتحان فيها ومستوى التعلّمات التي راكمها التلميذ طيلة ثلاث سنوات…) عن أخواتها في بلدان العالم. بل بالعكس يقع الاضطرار أحيانا إلى اعتماد صيغ حسابية حمائية للباكالوريا التونسية، حتى لا تتساوى مع بعض الباكالوريات الأجنبية التي يعلو في مكوناتها منسوب المواد التي لا علاقة لها ببرامج الدروس في التعليم العالي.

ولكن اعتزازنا هذا بباكالوريتنا التونسية لا يجب أن يحجب عنّا بعض الظواهر السلبيّة التي يلحظها ويعلمها الجميع والتي يتعيّن الالتفات ناحيتها، لتصويب النظر إليها وحماية صورتها في العالم والتصدّي لبعض الانحرافات (مهما كانت جزئية و لا تشمل الجميع) في سياق ضرورة “النظر بعناية شديدة إلى أنفسنا والالتفات بعفّة واستحياء نحو الآخرين” كما يُنسب الى كونفوشيوس.

أوّلا : الباكالوريا توزّع بشكل غير عادل بين تونس الواحدة

عدد الذين يبلغون درجة الباكالوريا من مجموع التلاميذ الذين يؤمّون المرحلة الابتدائية في الجهات ذات مؤشر التنمية المرتفع نسبيا، أكبر بكثير من نظرائهم في المناطق الداخلية لأنّ عدد المتعثّرين والمنسحبين أثناء السّباق في الجهات المنسيّة وفي الأوساط الفقيرة في باقي الجهات يبلغ أرقاما قياسيّة تؤثّر على حجم الكوكبة النهائية الناجية. وبالرغم من آليّة الارتقاء الآلي وغياب أية محطة انتقائية وسيطة قبل الباكالوريا، فإن ضعف المكتسبات الأساسية الفظيع (والمتمركز خاصة في السباسب والمرتفعات والمناطق ذات المناخ شبه الصحراوي) يمنع قطاعا واسعا من تلاميذنا من الوصول أصلا إلى مستوى الرابعة الثانوي وإن وصل فــ “بشقّ الأنفس” ووسائل التنفّس الاصطناعي… وعلى هذا النحو يصبح مجرد ولوج مضمار سباق الباكالوريا، حُلما ثمينا يشيح بوجهه عن “الوجوه الشايحة” و “النفوس اللايحة”.

ثانيا : مستوى النجاح في الباكالوريا، يفوز به الميسورون

الباكالوريا امتحان وطني نعم، أيْ يتحصل عليها من نال المعدّل المطلوب أو تحصل على ما أدنى منه بقليل وتوفّرت لديه شروط الإسعاف المستوجبة، لكن بمجرّد نيْلِها تتحول إلى مناظرة وطنية تُرتِّب الفائزين وفق اقتداراتهم الخصوصية (كل حسب شعبته الأصلية وكل حسب ما سيستهدفه من مسالك جامعية بالاختيار). وبما أن عدد الناجحين يكون أكبر في جهات وأوساط اجتماعية بعينها وعدد المعدلات المرتفعة بالنتيجة يكون أوفر فيها، فإن هذا الواقع المختلّ يقودنا إلى القول بأن “الحصول على الباكالوريا” هو عنوان دعائي وتعويمي يريد إخفاء سؤال مهم وهو “ما هو مستوى الباكالوريا التي تحصلت عليها ؟”. يبدو أنه من الممكن نقل ظاهرة التضخم المالي ويما ينجرّ عنها من ارتفاع مشين في الأسعار  إلى المجال المدرسي لكي نقول بأن التضخم المدرسي بنجاحاته وشهائده التي أضحت تطال قطاعا واسعا من التلاميذ، أدّى إلى “غلاء أسعار الولوج إلى مراتب معيّنة واستحقاقات جامعية مخصوصة تقتضي قدرة شرائية/مدرسية عالية”.

ثالثا : الجامعة التونسية نخبوية جدا

الدولة التونسية ديمقراطية جدا أو هكذا يبدو، لأنها “تُتيح مقعدا جامعيا خشبيا لكل ناجح في الباكالوريا” وهو مرة أخرى شعار سياسي ودعائي يُعتّم بشكل ماكر على حقيقة موضوعية سيؤدّي الكشف عنها إلى تحميلها مسؤوليات تاريخية هي ـ بحكم عجزها المتاصل فيهاـ  ليست قادرة على تحمّل تبعاتها. هذه الحقيقة المزعجة هي أنه حان الوقت لاستبدال الشعار الأول بشعار أكثر واقعية وهو “لكل متحصل على الباكالوريا الحق في مقعد بالجامعة التونسية … ولكن أصباع إيديك موش كيف كيف يا كبدي”. أصابع اليد في هذا السياق تنسحب على مستقيميْن :

  • مستقيم الطلبة الجدد أنفسهم الذين تمّ تصنيفهم وترتيبهم وتقييسهم بشكل دقيق جدا لا يقبل التساوي، إذ تصل صيغة المجموع النهائي إلى أربعة أرقام بعد الفاصل ! وبالتالي كل قدير وقدرو وعاش من عرف قدرو وذراعك يا علاّف واللّي ضيّع صباحو (ما يعادل المرحلة الابتدائية) ضيّع رباحو.
  • مستقيم المسالك الأكاديمية المعروضة للتناظر والتي لا تتساوى قيمتها في أذهان الناس في علاقة بالوهج الرمزي والتشغيليّة والآفاق العلمية ومجهود الجامعات نفسها في تثمين ما لديها (مثل الباعة الذين تتوفر لديهم غلال بجودة عالية لكنهم مكفهرّون وواجِمون ومُنفّرون)، فينتُجُ عن ذلك مسالك يحتدّ التنافس عليها فيرتفع مستوى اشتراطاتها، وأخرى ينفرها الناس فتظل شبه فارغة لكونها شبه عارية من أي تثمين أو أي برامج وآفاق مُحفّزة.

رابعا : التّهميش والفقر لا تتم مقاومتهما بالغش

الاعتقاد بأن الغشّ في الباكالوريا حق شرعي (حتى وإن كان غير قانوني) لا يعشّش في أذهان التلاميذ فقط بل تتقاسمه فئات واسعة من جميع المعنيين بهذا الامتحان (بمن فيهم بعض المربّين والمراقبين…) الذين يعتقدون أن عدم تكافؤ حظوظ التنمية المسؤول عن عدم تكافؤ حظوظ الحصول على الباكالوريا، يتعيّن تداركه بواسطة افتكاك هذا الحق والاستماتة في اقتلاعه بكل الوسائل.

لست بصدد التجنّي على أيّ كان بل أحاول النّبش في عقليّة عايشتها وقاومتها وعانيت منها، تمثّلت على سبيل المثال :

  • في توليَّ مرافقة زملائي من غير أصيلي الجهة التي عملت بها إلى محطة الحافلات أو سيارات الأجرة بعد الانتهاء من الامتحان، لأنهم كانوا مُلاحقين ومهدّدين في أجسادهم من قِبل تلاميذ كانوا يعتقدون أن حزم هؤلاء وانضباطهم في المراقبة سيمنعهم من النجاح،
  • وفي أدوات حلاقة حادّة توضع أمام المترشحين على الطاولة لترهيب المراقبين وتحذيرهم،
  • وفي سؤال يتردّد كل سنة “في أية جهة سيقع إصلاح مواضيع الباكالوريا لأبنائنا هذه السنة ؟” لكون العامّة تعتقد أن “الأساتذة المنتمين إلى جهات معيّنة” لا يريدون النجاح لغير أبنائهم وبناتهم،
  • إلخ…

في ألمانيا على سبيل المثال، أوراق الامتحان تحمل اسم المترشح والأساتذة يُصلحون أوراق تلاميذهم، تصوّروا حجم الكارثة لو تُعطى هذه الإمكانية للأساتذة التونسيين في الباكالوريا ؟!

خامسا : باكالوريا دون ثقافة عامة ودون تعبير شفوي

الباكالوريا التونسية بصيغتها الحالية لا ترتقي إلى اختبار ما به يتميّز التلاميذ بعد اجتياز هذا الجسر المهم، لأنها اختباراتها تقتصر على المواد التقليدية الرئيسية على أهميّتها لكنها لم تعد كافية لإقدار أبنائنا على مواجهة متطلبات التكوين الجامعي وسوق الشغل بعد ذلك. أعتقد أنه من المُفيد إضافة مادّتين أساسيتين كما في عديد بلدان العالم المتقدّم هما الثقافة العامّة والتعبير الشفوي (وما يتطلّبانه من إعداد جدّي على امتداد السنوات التي تسبق امتحان الباكالوريا) لأنهما مُعيقان كبيران يحولان دون التميّز في عديد الاختصاصات الجامعية ويقفان حاجزا أمام “تطوير كفاءة الإبهار” المطلوبة في محادثات الانتداب والتشغيل (حتى بالنسبة إلى خريجي العلوم والتقنيات والرقميّات).

سادسا : قط مكسور  و ناموس أعور و فلّوس يحمل بندقية يجري وراء نعجة ….

هذا “القط المكسور والناموس الأعور…” نموذج من إنتاجات تلاميذنا في مادة الفلسفة ومثله أو أشنع في سائر المواد الأخرى، بما يعكس أن شريحة كبرى من تلاميذنا لا علاقة لها أصلا بشيء اسمه “التفكير في حدّه الأدنى” أو “التعبير في أحلك درجاته” وحتى بالمدرسة نفسها. أعرف مؤسسة تربوية حيث لم يحضر تلاميذ شعبة الاقتصاد حصة الفلسفة إلا مرات قليلة جدا في بداية السنة الدراسية قبل مقاطعتها تماما منذ شهر فيفري ! ولا أحد يُحرّك ساكنا أو يزعج متساكنا.

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار