تابعنا على

جور نار

ما يُمكن أن يُقال …في مفتتح سنة أخرى للنجاح ومراكمة المعارف

نشرت

في

“مساعدة مبالغ فيها يمكن أن تؤدّي إلى الحلول محلّ أبنائكم حتى تجدوا أنفسكم تقومون بالواجبات المدرسية اليومية عِوضًا عنهم، ولكن مساعدة باهتة أو منقوصة أو منعدمة يمكن أن تُبقيهم سجناء صعوباتهم وفاقدين للقدرة على اللّحاق بقطار التعلمات السريع.”

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

قصّة الطفل لويس مهمّة، لكنها بحاجة إلى التنسيب :

طفل فرنسي يُدعى لويس كان لا يحب المدرسة وتميّز دائما بكونه خجولا وميّالا إلى العزلة ولا يتمتّع بأية سيولة في الكلام وأداء السّلام. كان لا يحب اللغة الفرنسية ولا مادة الرياضيات. عائلته الميسورة اجتماعيا “دخلتها غولة” لأن لويس سيكون في أسفل السلّم العائلي، خاصة أن شقيقه الأكبر زاول تعلمه العالي الهندسي بشكل متميز وأصبح يمثل مفخرة العائلة وحامل لوائها ؟ ظنّت عائلته في البداية أنه ضحية المقارنة بأخيه، لا شيء من هذا لأن لويس لا تعنيه المقارنات والنياشين المدرسية. خيّر في سنّ مبكّرة أن يُهيّئ لنفسه ما يُشبه الورشة الصغيرة في زاوية من منزلهم العائلي يفكّك فيها ويركّب ويتأمّل ويُجرّب… وعوض الذهاب إلى المدرسة اختار لويس أن يكون عاملا متربّصا في معامل سربولي للميكانيك الشهيرة.

هو لويس رينو Louis Renault الذي قدّم أول براءة اختراع وعمره لم يتجاوز 22 سنة وستتلوها 500 براءة أخرى … حتى أصبح على مرّ السنوات على رأس إمبراطورية لصنع السيارات ومحركات الطائرات والمدافع الحربية. لكن اسمه شاع خاصة بفضل سيّارات رينو التي غزت العالم بأسره.

وهو الذي قال سنة 1934 أمام التطوّر الهائل في شركة أندريه سيتروين “أنا سعيد جدا بأن يكون السيد سيتروين منافسا لي، لأنه يدفعك للعمل ويُجبرك على المُصارعة”.

هذا يعني أن لويس كان قادرا على “التعلّم” وبشكل جيّد … في 1908 حين كان العالم خاليا من الكتب والأدلّة المتخصّصة ووسائل الاتصال الحديثة واليوتيوب والهاتف المحمول … كانت طريقا وعرة وشاقّة جدا تنعدم فيها الإنجادات والمساعدات وتتكدّس فيها أطنان من المصاعب والتضييقات، إذ كان عليه أن يتعلم لوحده قوانين علم الميكانيكا ومبادئ التصرف والمحاسبة وإدارة الأعمال وقواعد اللغة الفرنسية وأساليب الرّسم والتصميم الفنّييْن (دون مساعدة الحاسوب كما هو الشأن اليوم).

المدرسة لم تكن بالنسبة الى لويس رينو السياق الأمثل لتعلّم ما كان مهووسا به ومُدركا أن فهمه للنجاح غير فهم المدرسة له وأن الذي كان يشغل ذهنه باستمرار لم يكن مشغل المدرسة التي تردّد عليها لبضع سنوات.  كان في حاجة إلى مربّع تعلّمي مختلف لكوْنه كان مختلفا. وكانت قوّته الأساسية تكمن في أنه اكتشف ذلك مُبكّرا وتجنّب بالتالي الوقوع في فخّ ” أعدادي ضعيفة ولم استطع التعلّم وفق انتظارات المدرسة والمدرّسين، إذن أنا سيّء وفاشل”. وهو نمط سلبي للتفكير غالبا ما تعتمده شريحة واسعة من التلاميذ الذين يعانون من صعوبات مدرسية مُعيقة ومهدّدون بالانقطاع في أية لحظة.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أن المدرسة لا لزوم لها، وإنما ذلك يعني :

___ أن لكلّ واحد طريقته في التعلّم، لكن المدرسة بصورة عامة مازالت متشبثة بفلسفة للتربية تَنشُد عرْضا مُوحّدا ومنهجا موحّدا ونموذج نجاح موحّدا للجميع… فيتأقلم البعض ويتعبُ البعض الآخر حتى يتأقلم، وينسحب جزء آخر عدده غير قليل لأنه استحال عليه التأقلم.

___ أن المدرسة أفضل ما اكتشفته الانسانية إلى حدّ اليوم من أجل “تعليم المبادئ الأساسية للحياة الأخلاقية ونشر العلوم والمعارف” كما يقول المؤسّسون، لكنها في نفس الوقت إذا كانت إطارا جيدا وملائما بالنسبة إلى البعض من الذين نجحوا في التماهي مع متطلبات المدرسة واشتراطاتها، فهي ليست بالضرورة كذلك بالنسبة إلى البعض الآخر من الذين يرتبط القِسم في أذهانهم بالضّجر والملل وإضاعة الوقت.

وعليه، فإن المستقبل لن يكون لتدمير المدرسة وتجاوزها والادّعاء أن “اليوتيوب” أصبح أفضل مدرّس في العالم، وإنما على المدرسة أن تُغيّر فلسفتها للتربية وتُجهِد نفسها بدلا من إجهاد الآخرين وتحاول التكيّف مع خصوصيات الأفراد الذين يؤمّونها بدلا من إجبار المتعلّمين على “تكيّف” هم غير قادرين عليه.

ولها في لويس رينو وريتشارد برونسون (مؤسس شركة فيرجين) وستيف جوبس (مؤسس العملاق  آبل) وغيرهم… أمثلة لتلاميذ على قدر استثنائي من الذكاء والنّبوغ استبعدتهم المدرسة بــ “غبائها” وحكمت عليهم بالفشل ومسالك الانحراف المختلفة… لولا بعض الإصرار الذاتي والقدرة الفائقة لديهم ولدى أوليائهم على تحييد أصوات الإحباط وإبطال مفعولها.

ويبقى السؤال جاثما على صدور جميع المهتمّين بمثل هذه المفارقات المدرسية :  بأية وتيرة وأي انتظام وأي تواتر تَقدر المجتمعات على إنجاب نوابغ وذكاءات و”فلتات” تستطيع تحدّي المدرسة التقليدية/المعاصرة وانتهاج “السُّبل البِكر” كما يقول محمود المسعدي لإحراز النجاح والتفرّد ؟ وما هو العدد التقريبي لمن يستطيعون النجاح دون شهائد ؟ وما هي نسبة العلماء والمكتشِفين وروّاد الأعمال والرياضيين العالميّين الذين تألّقوا خارج أسوار المدارس والجامعات من مجموع ملايين المتعلّمين ؟

النسبة ضئيلة جدا بكل تأكيد والواقع يؤكّد العكس تماما، أي أن نسبة الذين يرتقون اجتماعيا بفضل المدرسة أكبر بكثير من الذين يرتقون بدونها. زد على ذلك أن أغلب الذين قاطعوا التعليم التقليدي ونجحوا كان لديهم ما يُعوّض بشكل قوي على غياب المدرسة : إمّا ذكاء وقّاد ومهارة استثنائية في مجال مخصوص أو مسالك تكوينيّة غير تقليدية أو عائلة عارفة جيدا كيف تُصقل المواهب وتُنمّى المهارات (عالم الرياضيات والفيزيائي آمبير  مُكتشف التليغراف الكهربائي كان والده مصرّا على تعليمه بنفسه، وبيار كوري صاحب جائزة نوبل في الفيزياء كانا والداه ثم صديق للعائلة وراء صعوده…)

فأي درس يمكن استنتاجه من خلال كل هذا في سياقنا التربوي التونسي ؟

في مجال التربية والتعليم بالذات، لا يمكن الادّعاء ـ دون السّقوط المُدوّي في أتون التنمية البشرية- بأن هنالك وصفات جاهزة للنجاح ومناويل أفضل من أخرى لتأسيس مدرسة خالية من العيوب وقادرة على إنجاح كل مرتاديها… ولكن بعد هذه المسيرة الطويلة لتجربة المدرسة العمومية والإلزامية وفي علاقة بما كنّا بصدده أعلاه، يمكن الاحتفاظ بالفكرة التالية :

غالبا ما يُبالغ المجتمع في مطالبة الأطفال والشباب بالعمل والتصرف والتفكير بشكل ينسجم تماما مع ما تطلبه المدرسة، ولا يُلحّ كثيرا في مطالبة هذه الأخيرة بتغيير أساليبها ومقارباتها حتى تنسجم تماما مع انتظارات وحاجيات كل المتعلّمين باختلافاتهم وتنوّعهم.  وانطلاقا من هذا، يمكن القول إنه لا يجب أن تكون المدرسة “فضاءً نموذجيا للمتفوّقين” ولا “مجرد منطقة عبور للناشئة يُحصّلون فيه ما (كْتِبْ من ربّي)” وإنما عليها أن تتحوّل إلى حقل واسع تُزهر في تُربته جميع النباتات ـ كلّ حسب حاجاتها وخصوصيّتها-ـ ولا يُترك فيه أحد على حافّة الطريق.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار