سرديار

مذكرات مدير سابق (5)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

[نزولا عند رغبة صديق صميم سأكتب ما تبقى بالفصحى]

كنت قد أعلمت المندوب ما إن أخرجنا التلاميذ. سي عبدالجليل صيود يذكره بالخير. وكنت بالمكتب  أهاتف المسؤولين لمتابعة حالة المصابين وكان معي ابني. كانت الدموع تنهمر من عينيه عندما دخل علينا تلميذ في حالة قصوى من الهلع. وجهه ممتقع ولباسه خفيف. قفز ابني الى المنزل وجلب له من ملابسه ما يدفئه. هدأته قليلا. كان يهذي بكلام غير مفهوم …

هبّ الأهالي جميعا للمساعدة وكل يبذل ما استطاع من جهد. منهم من قدِم من بعيد لأن ابنه بالمبيت. تحولت الإعدادية إلى خلية نحل، كلفت العمال بالحرص على مراقبة كل تحرك والتصرف بحكمة فهذا الجمع يصعب التحكم به لذلك لا بد من اللين حفاظا على المؤسسة. وهكذا كان.. وعندما حل ركب الوالي والمسؤولين الجهويين، كانت الحماية المدنية قد سيطرت على الحريق وكان التلاميذ في قاعة محميين وقد تناولوا وجبة الصباح. طفت عليهم ومعي من حضر من القيمين وحاولنا تهدئتهم.

***

مر المسؤولون الى المبيت مباشرة، وهذا مؤشر على صحة ما توقعت من الوالي لأن في الأمر سوابق سأذكرها بإيجاز حتى لا يتم تأويلها أكثر من اللزوم وهي مايلي:

(ذات 6 افريل 2011، مر الباجي قايد السبسي من الترحم على بورقيبة إلى القيروان للاجتماع بالجميع، وكنت ممثلا لحزب ما، وتم توزيع الكلمة واستثنوني فافتككت المصدح وتدخلت عنوة وملخص تدخلي تبرئة اتحاد الشغل من أحداث صفاقس انذاك، والتأكيد على أن القيروان مهمشة منذ عهد بورقيبة لا من عهد الزين فقط، وهو ما ساء الوالي والسبسي وكل المسؤولين الجهويين الحاضرين، لأني قلت عنهم إنكم تعملون بنفس ماكينة الفساد ووو. المهم كان تدخلي مستفزا حتى لممثل اتحاد الشغل حينها ههه).

وأظن، قلت أظن وليس كل الظن إثما،  ان السيد الوالي تذكر الحادثة أو ذكّرته بها الحاشية لذلك دخل إلى المؤسسة دون انتظار المدير، وكنت بالمكتب على الهاتف ولم ألتحق بهم فإذا بالجميع يدخل عليّ، فحييتهم وامتلأ الرواق والمكتب بكل الأصناف ومنهم مواطنون. تنحنح الوالي وبدأ خطابه بالأسف ولم يطل كلامه كثيرا حتى قال :“وهذي مسؤولية المدير” وهنا قاطعه المندوب فورا قائلا حرفيا  :“سيدي الوالي في المؤسسة هذي احكي علّي تحب، إلا عالمدير . أنا جيت بيدي نتفقد دون إعلامه نلقاه فوق طاولة يصلّح في الضوء”. وهذا حدث فعلا، وطبعا الوالي بعد ذلك لن يغفرها له وقد يكون، قلت قد يكون، كلامه ذاك احد أسباب تشغيل الماكينة ضده فتمت إقالته بعد مدة. ومما ساءه أيضا قول أحد الحاضرين بصوت مرتفع:“صحيح سيدي الوالي. المدير ولد حلال”  ثم انصرفوا واعدين بالحرص على إنقاذ المصابين ووو

وأغلقنا المؤسسة لمدة يومين لأننا كنا في بداية الأسبوع المفتوح وليس يسيرا بل ليس ممكنا إلغاء الامتحانات.

***

كان الجميع في حالة من الذهول، كل يحاول الفهم والتفسير وكان لا بد أن يبدأ الحديث عن الأسباب والكيفيات ، وكان لا بد من تعدد الاجتهادات لكن والحق يقال لا أحد اتهمني شخصيا بشيء بل على العكس تماما لم أجد إلا الدعم والمساندة من كل الإطار التربوي والمجتمع المدني والنقابة والأصدقاء، والكل يعرض المساعدة من موقعه وهذا بحد ذاته يرفع المعنويات رغم هول الكارثة. ومر اليوم الأول ثقيلا مشحونا لم نهدأ فيه إلا ليلا. ومن الغد جاءت عائلات المصابين وهم من ضعاف الحال فشرعنا في جمع تبرعات تساعدهم على التنقل لأبنائهم والعناية بهم. وبذلك مر اليوم الثاني بعد أن جاء فريق من الحماية المدنية لمعاينة المكان ومحاولة معرفة أسباب الحريق وفي نفس الوقت محققون جعلوا يفتشون في كل شيء ويسألون الجميع. وانصرفوا مرجحين أن يكون السبب خللا كهربائيا !!! فهذا المبيت كان مغلقا (مالة إلبِسْ يا .مدير )

***

بعد مغادرتهم أسرّ إلي أحدهم أنه يشتبه في أن يكون الأمر مدبّرا وألح على إجراء تحقيق سري في أوساط التلاميذ واخترنا بعض الأسماء الموثوق بها، وهكذا كان على أن نؤجل الأمر قليلا حتى تهدأ الأمور، وخططنا لذلك كأن لا يكون التحقيق مباشرا ولا شفويا بل إجابة كتابية، وكل تلميذ على حدة وعلى فترات متباعدة حتى لا يفطن أحد إلى أن التحقيق يجري. ونجحنا في ذلك فجاءت الشهادات متقاربة بل متطابقة…

ـ يتبع ـ

انقر للتعليق

صن نار

Exit mobile version