سرديار

مذكرات مدير سابق (6)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

الخميس 2 مارس2012 : عودة الدروس واستئناف الامتحانات. عائلة أحد المصابين تقرر الاعتصام بالمؤسسة: “ما نروّح الا ما تعطيني ولدي” ولا تقتنع الا بعد جهد جهيد. كان ابنهم الوحيد فقد مات أخوه قبله بسنة. وكانت لوعتهم شديدة وكان القلب يعتصر دما ولكن ما باليد من حيلة.

وعلى هذه الوتيرة مرت باقي أيام الأسبوع، حتى جاء يوم الاثنين 6 مارس 2012 ويلقى احد المصابين حتفه وهو الذي يقيم في مستشفى القيروان رغم أن جروحه من الدرجة الثانية.. وستتناقل بعض الفيديوات بعد ذلك ظروف إقامته وصنوف الإهمال. فقد كان مثلا مغطى بغطاء منتف التصق صوفه بالجروح… ولم يتم نقله إلى سوسة إلا بعد فوات الأوان.

 وننتقل حينها إلى طور آخر من المعاناة وننزل درجة إضافية نحو الجحيم (راك في بوحجلة يا حنين). وتهيج الدنيا على رؤوسنا وتنهار أسرتي وجعا فأعيدها من حيث أتت. 

***

يتجدد إيقاف الدروس وكان يفترض ان نبدأ امتحانات الاسبوع المغلق ولكن .. صرنا كل يوم نستقبل أفواجا من أهل الفقيد وأقاربه: يأتون في شاحنات بأعداد هامة تعاون الأساتذة والقيمون والعملة والإداريون على إقناعهم في كل هجوم بأن حرق المؤسسة لن يرد الفقيد بل يضاعف الخسائر.. كثير من الأساتذة واظبوا على الحضور شأن كل الأسلاك وبما أن العملة من أبناء الجهة فقد كانوا يعرفون العناصر الخطيرة التي قد تتسرب وسط الجموع فكانوا يتلقونهم وخاصة من عملة الحضائر المعينين بعد الثورة .

يوم الخميس 9 مارس 2012 على ما أذكر ازداد الموقف تأزما ذلك أن عنصرا ملتحيا قيل إنه خال الضحية رافق المحتجين بل تقدمهم وبيده وعاء بلاستيكي به بنزين ودخل أقرب قاعة إلى الباب الخارجي، وكنا خصصناها للمسرح ، فسكب بعضه على السبورة وبعض الطاولات واضرم فيها النار ولم يستطع العملة منعه ثم توجه نحو الادارة وكنت بالداخل حين جاءني عامل يجري صارخا : “هام حرقوا قاعة وصبوا الايسونس على محمد” . خرجت مسرعا فاذا بالعامل قد فر هاربا بجلده وشرعت فورا في امتصاص غضبهم: “تحبوا تحرقوا ابداو بيّ أنا “ فقفز أحد الحاضرين إلى الملتحي واختطف منه الوعاء وأجبره آخرون على الابتعاد .. حينها لان خطابي فورا (والحق الحق استعنت بشوية قدرات خطابية امتكتها كي كنت ناشط في الجامعة): “أنا إلي حليتو الدرتوار . على جال اشكون؟ التعب لاشكون؟ ماو كان مسكر وانتم وصغاركم تاعبين…”  وهكذا تدرجت إلى خطاب ميتافيزيقي.. حتى تراخت الجموع وبدأ الانسحاب تدريجيا.. ولكن لم تتوقف الهجومات..

الجديد انه بعد سكب البنزين على الحارس، صار الجميع ينسحب قبيل وصول المحتجين فإذا وصلوا ألتفت فلا أجد أيا كان، صدقا لا أحد غيري بالمؤسسة.. ومع ذلك لم يمسسني منهم سوء ولو لفظيا. كنت أتصل بالأمن فيعتذر لأنه لا يملك سيارة للتنقل الى المؤسسة !! وهذا ربما كان أفضل فقد كانت الأوضاع متوترة في كل مكان.

 ***

المهم لا أذكر كم طال الأمر، وقررنا زيارة المصاب الثاني بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس، انا والأختان وداد ومفيدة مع أستاذ بالمؤسسة لأن سيارتي كانت معطبة. وجدنا بعض أهل المصاب هناك وأثناء الزيارة اتصلت بأحد الأطباء فأخبرني أن حالته لم تتحسن وقد لا ينجو. كتمت الأمر عن مرافقيّ وليسامحوني على ذلك وعدنا والذهن يشتغل على احتمالات أسوأ، فهو من “عرش كبير” وقد يكونون أعنف !!!

عدنا إلى الدراسة وشرعنا في إجراء الامتحانات التأليفية واتفقت مع المندوبية على أن يكون الإصلاح بعد العطلة. كنت أتابع حالة التلميذ باستمرار فموته في تلك الأيام يعني حتما حرق المؤسسة. ولكن تعاطف معنا عزرائيل واختطف روحه نهاية الأسبوع أي بداية العطلة فنجونا.. وهذا لا يعني انهم لم يهاجموا بل جاؤوا وعندما لم يجدوا غيري ولّوا على أعقابهم .. وكان يمكنني بعد ذلك أن أنال قسطا من الراحة ولكن مسألة أخرى لا بد من حلها 

                                                ***

مسألة التحقيقات : رجحت الحماية المدنية أن يكون عطب في الكهرباء هو سبب الحريق، ولعلكم ستجدون هذا السبب نفسه في كل الحرائق تقريبا، الخطير أن المسؤولية حينها تلقى عليّ أساسا باعتبار أن النيابة العمومية ستعتمد تقرير الحماية المدنية في حال انعدمت امكانية اثبات الجناية،  لذلك كان التحقيق الإداري نافذتنا إلى الحقيقة فقد أفاد التلاميذ أن ثلاثة منهم غادروا المؤسسة نهارا ولم يفطن اليهم الحارس وجلبوا قارورة بنزين في محفظة أحدهم وأخفوها حتى ساعة متأخرة بعد مغادرة القيم، وسكبوها على بعض الاسرة الخاوية واضرموا النار التي سرعان ما انتشرت وكان ما كان..

السبت ، منتصف النهار استكملنا التحقيق وعرفنا كل التفاصيل، أحمل كل شيء وألتحق بالمندوبية بعد إعلامها، المندوب يتصل بوكيل الجمهورية الذي يطلب حضوري فورا.. وهكذا أخذت التحقيقات مجرى آخر .

 والان هلا تكهنتم بالمدبر الرئيسي؟ لا ترهقوا اذهانكم لأنه… ذلك التلميذ الذي أثار شفقة ابني. والغريب أنه من ذوي النتائج الحسنة، فمعدله يقارب 15 وسيرته عادية !!!

ـ يتبع ـ

انقر للتعليق

صن نار

Exit mobile version