يحلّ بيننا هذه الأيام الكاتب الجزائري ياسمينة خضرا في إطار جولة ثقافية وأدبية تقودُة من العاصمة إلى سوسة وبعد ذلك إلى جربة قبل الهُبوط بساحة كليّة الآداب بمنوبة غدا الثلاثاء.
منصف الخميري
اختار الرّوائي الجزائري محمّد مولسّهول ابن ولاية بشّار اعتماد اسم قلم جديدا “ياسمينة خضرا” (مستلّ من اسم زوجته الذي كان يوقّع به كتاباته في الفترة الأولى) للإفلات من قبضة الرقابة العسكرية لأن والده (الممرض والمقاوم القديم) وضعه بالقوة، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز التسع سنوات، في المدرسة الحربية لطلاّبالثورة بتلمسان المختصة باستقبال أيتام الحرب الفرنسية الجزائرية. يقول ياسمينة خضرا بهذا الخصوص: “توقّفت عن أن أكون طفلا في اللحظة التي تخطّيت فيها أبواب هذه الثكنة… وفي أعين العسكريّين لم أكن محمد مولسّهول بل كنت مجرد رقم تسجيل 561”.
قاد بصفته ضابطا في الجيش الجزائري الذي عمل ضمنه لمدة 25 عاما، عديد العمليات العسكرية ضد الجماعات الاسلامية المسلّحة في الجزائر خلال العشرية السوداء (1990- 2000) وأفلت عديد المرات من كمائن نصبها له الإرهابيون.
في المدرسة الحربية لطلاب الثورة بتلمسان، كان الجندي الصغير يحلم بأن يصبح شاعرا في اللغة العربية وبها، ولم يكن أبدا ميّالا إلى الكتابة باللغة الفرنسية التي كانت أعداده فيها سيّئة. لكن يعتبر خضرا أن اللحظة المُوقدة لنباهته الروائية في اللغة الفرنسية حلّت عندما التقى بأستاذه الذي حفّزه ودفعه للكتابة بهذه اللغة.
تُرجمت كتبه إلى حوالي 40 لغة ونُقل العديد منها إلى السينما (مثل “سُنونوّات كابول” و “الصدمة” و “ما يدين به النهار للّيل”…)
لماذا قرّرت الاحتفاء على طريقتي بهذا الكاتب المتفرّد ؟
أعتقد أنه من حقّ الكتّاب المتميزين علينا أن نُسهم في التعريف بهم ونشر أثرهم خاصة في صفوف الأطفال واليافعين، لجعلهم يُدمنون تدريجيا منذ طراوة أنسجتهم الدماغيّة عبق النصوص المُذهلة وشذى المعاني الفاتنة، وذلك لكوني من المؤمنين بأن الكتب الأولى التي نقترحها على الطفل هي بمثابة الطُّعم الذي لا بدّ أن يكون آسرا وأخّاذا حتى يستمر في القراءة بحثا عمّا هو أكثر متعة وإقدارا على التحليق، ومن ناحية أخرى فإن جيلا تونسيا كاملا كبُر مع أدب ياسمينة خضرا المُستساغ لغةً والعميق في معانيه والمتأصّل في البيئة التي يُعمل معاويله فيها… وبالتالي فهو جدير بهذا الاحتفاء ترحيبا به في بلادنا وتثمينا لأدب نوعيّ مُقاوم كم عربُنا بحاجة إلى صعقاته اليوم.
أعتبر أن مسيرة هذا الرجل غير اعتياديّة بالمرة، إذ كيف لطفل غضّ في التاسعة من عمره أن يلتحق بمؤسسة عسكرية بقوانينها وجوْرها وعُتوّها ثمّ يصمد ويتأقلم ولا ينهار… وأن يستمرّ باصرار واستبسال نادريْن حتى التخرّج من شرشال في تيبازة برتبة ملازم… وخاصة أن يكتب ويتمرّن على الكتابة في أجواء كهذه (من بين كل كتبه، هناك مؤلّف “الكاتب” الذي يمكن اعتباره مؤثث بعديد العناصر من السيرة الذاتية التي تأتي على هذه الفترة من حياته)… لذلك أيضا وجب الاحتفاء.
بعضٌ من ياسمينة خضرا …
وفي سياق هذا الترحيب، ترجمتُ لكم بعضًا بسيطا ممّا كتبه هذا العسكري الذي وظّف بشكل ماهر جدا سجلّ الإمداد والإنزال والذخيرة والشيفرة السرية والاستطلاع والإبهار… في كتابة مؤلفات مدنية وإنسانية تنضح حرية وتحررا ومقاومة للانغلاق والتخلّف :
سأله أحد قرّائه ومتابعيه يوما على صفحته الخاصة :
المُتابع : السيد ياسمينة، أنا قارئ شغوف بكتبك، وكم وددت دائما أن أطرح عليك السؤال التالي: أنت تكتب ثلاث روايات في السنة، ما يدفعني للتساؤل كيف تتوصّل الى تخيّل كل هذه الروايات وكتابة كل هذه النصوص الجميلة، بينما يعجز كثير من الناس عن كتابة جملة واحدة ؟ هل هناك ملاكٌ يأتيك ليلا أو عند الفجر ليُنزل عليك هذه النصوص كما يحصل مع الأنبياء ؟ أم أن ذلك هِبة من الله … أو أنك تقول في نفسك ذلك نابع من كوني ذكيّ وهو ثمرة من ثمار نباهتي وليس هناك أي شخص وراء كل ذلك ؟ شكرا
ردّ ياسمينة خضرا : (لاحظوا تواضع الرجل وحدّة ردوده دون صلف وتكليف نفسه عناء الرد على أغلب من يعلّقون على صفحته الذين يُعدّون بالآلاف )
لِنقُل أنني أفضّل العيش مع شخصياتي بدلا من الأشخاص غير الجديرين دائما بالعطف وخاصة بالثقة الذي نُعبّر عنها تُجاههم. أنا أكتب لأن ذلك عشقي وولعي، وهو قُوّتي وألقي. أكتب لأن الخيال يثأر لي من بؤس الواقع وكآبته. أكتب لأنه يوجد عبر العالم أناس يتابعونني ويشُدّون أزري. من ناحية أخرى لا علاقة للحجم أو للوقت الذي نُقضّيه في الكتابة بعظمة أو جدية أثر أدبي مَا. قضّيتُ أربع سنوات في كتابة “نصيب المتوفّي” دون نجاح كبير. ولكن شهران فقط كانا كافيان لكتابة “الصّدمة” (الصّدمة هي ترجمة نهلة بيضون من لبنان لرواية l’attentat ) وهو الكتاب الذي مكّنني من الوصول الى ملايين القُرّاء اليوم.
ليس ثمة وصفة قاطعة ومقنعة. هناك 80 بالمائة من الموهبة و20 بالمائة من الحظ. أما بخصوص سؤال هل هناك ملاك يُمليني ما أكتب؟ يتعيّن عليك أن تسأله هو إن كان قد كتب روايات في السابق. ربّما الله، لأن كل ما نملكه هو مصدر له. أما عن إمكانية وجود شخص ما خلف هذه المعجزة، فلا أرى من هو جدير بذلك أكثر منّي أنا بالذّات. لأنني أنا من يتكبّد أرق الليالي ومَوْجات الصُّداع جرّاء التفكير وذُعر الأيام اللاحقة.
رسالة ياسمينة خضرا إلى أمّه في أفريل 2020 (النص الكامل على موقع فرانس أنتير، زاوية الثقافة)
عزيزتي أمّي الحبيبة،
أحاول منذ أيام، بحكم الحجر المفروض عليّ بسبب فيروس الكورونا، إنهاء الرواية الوحيدة التي كم تمنّيت أن تقرئيها، أنت التي لم يتيسّر لك أبدا لا القراءة و لا الكتابة، هي رواية تشبهُك ولا ترويك، لكنّها تحمل في طياتها القدر الذي كان قدرك. أدرك كم كنت تتشبّثين بمنطقة “الحْمادة” حيث كنتِ تتعقّبين اليرابيع وتتنمّرين على شجيرات السّدر من أجل بعض غلال العنّاب البائسة.
حاولتُ طيّ هذا الكتاب استدعاء الأماكن التي لها رمزية خاصة بالنسبة إليك، الكثبان الرملية هلالية الشكل وأثر أبطال حكاياتك. فأنت التي وهبتِني الشجاعة كي أواجه في النهاية هذه الملحمة التي تطاردني منذ سنوات.
قولي لي كيف هي أحوالك الآن هناك ؟ لا تودّين الرد عليّ ؟ بالتأكيد، لأنك تُفضّلين أن تبتسمي إزاء هذه الكتابة على حاسوبي التي لا تعرفين معاني لرموزها.
أعرف كم تحبّين الحكايات. كنتِ كل ليلة تسرُدين عليّ قصصا وحكايا، بينما كنت أنا أغالب نُعاسي رغبة في إطالة أمد التلذّذ بعذوبة صوتك. وكم كنت أتمنّى أن لا يتوقّف هديل صوتك أبدا عن مداعبة أنسجة روحي. كان يبدو لي أننا نشكل أنا وأنت العالم بأسره… أنت التي علّمتني كيف نصنع من الكلام سحرا ومن الكلمة ساحرا وكيف نُحوّل الجملة الى معزوفة وكيف يستحيل مجرد فصل من حكاية إلى ملحمة.
من أجلك أيضا أنا أكتب. من أجل أن يظل صوتك يسكن أحشائي. أنت التي تتصنّعين السّكينة عندما تصعدين فوق كثبان الرّمل وتمدّين يداك نحو الصحراء من أجل قطف كل أنواع السراب، أنت التي لا تُميّزين بين حصان يركض بعيدا في الخلاء وبين وحي ربّاني.
ستسعدين بوجودك في كتابي هذا وستُحوّلين علامات التعجّب فيه الى علامات خاصة بك.
عندما يحدث أن أعود إلى وهران، غالبا ما أجلس في مكاننا المعتاد واستدعي أحاديثنا وحواراتنا التي تسترسل حتى تنامي كطفلة. كان زمنا جميلا بالرغم من أنه لم يمرّ عليه سوى سنتين : سنتين لا تنتهيان كأنهما الأبد. كنّا نحتسي بعض الأشياء الطازجة في الشّرفة، أنت مستلقية على المقعد المُبطّن وأنا على إحدى درجات مدخل بيتنا ألتقم سيجارتي… وكنّا نتحاكى ونتبادل الطرائف والنوادر ضاحكين من براءتنا.
إلهي ! ما السبيل لاسترجاع لحظات النّعمة هذه؟ أيّ صلوات قادرة على إعادتها إليّ؟ بالرغم من اعتقادنا أحيانا أن الوقت مِلكٌ لنا، فيتضح أنه متعهّد بمهمة مُروّعة متمثلة في الفصل النهائي بين كائنين يتبادلان عشقا لا ينتهي. ولا تبقى إلا الذّكرى وفسح المجال لتداعبك الأوهام.
أمي الحبيبة، مذ رحلتِ، أراك في كل الجدّات، الشقراوات منهنّ والسمراوات والسوداوات، ثمة شيء ما منك في كل واحدة منهن. إذا لم تكن عيناك، يكون فمك، وإذا لم يكن صوتك تكون مشيتك، واذا لم يكن شيء من كل هذا، تكون جموع الانفعالات الشعورية التي تحدثينها فيّ دائما. أنت نيزك في سماء تكفهرُّ فجأة وأحيانا أخرى جزيرة وسط محيط من الحنان.
أنت أعجوبتي أنا.
إذا كان عليّ أن ألحق بك يوما يا أمي، أودّ أن يظلّ من بعدنا جزء منا نحن الاثنين لأن الحب وحده يقدر أن يحكينا إلى الذين يعرفون الإصغاء إليه.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟