اخترقت ذهني مؤخّرا خلال حديث مع بعض الأصدقاء في لقاء حول “إصلاح التعليم في تونس” فكرة أن من يبتهجُ لمجلس أعلى للتربية ويُناقش بنوع من الترف والتنعّم أيّ المقاربات البيداغوجية أنفعْ لمنظومتنا التربوية وأي الكفايات والتمشيات أنجعْ، دون التفكير المتيقّظ في التوجه سريعا وبكل ما أُوتينا من قوّة إرادة وطنية نحو تحديد عدد صغير من الأولويّات العاجلة … هو كمن يُعاين مشدوها شخصا عزيزا عليه ينزف بغزارة ولا يُبادر بفعل أيّ شيء في انتظار إجراء كشف طبّي شامل وانتظار نتائجه وتجمّع كامل الفريق من كبار الأطبّاء ليرسموا بروتوكولا طبّيا متوسّط أو بعيد المدى لمُعالجة الأسباب العميقة التي أدّت إلى ذلك النزيف… بدلا من إيقاف النزيف أولا وعاجلا وإنقاذ حياة المُصاب قبل الشروع في مرحلة جديدة تستدعي التشخيصات الأساسية والعلاجات الضرورية المُستوجبة.
<strong>منصف الخميري<strong>
لا أعتقد أن هذه الصورة البلاغيّة تُبالغ في توصيف الوضع الراهن الذي تعيشه مدرستنا ومراكز تكويننا وجامعاتنا التونسية لأن مستويات تراجع أداء المرفق المدرسي العام وتردّي مُخرجاته بلغت درجات مُخيفة، وسأدفع في هذه الورقة بأدلّتي الملموسة المؤكّدة لكوننا نشهد اليوم نزيفا حقيقيا تذهب ضحيّته أجيال بكاملها وتتبدّد بموجبه طاقات وطنية ثمينة وتتعمّق جرّاءه الشروخ الرهيبة الموجعة بين الجهات والفئات والأجيال.
ولا غرابة في نظري أن يُراهن أغلب التونسيين على مُخرجات الاستشارة الوطنية للتربية والتعليم وعلى فكرة بعث المجلس الأعلى للتربية والتكوين والتعليم العالي، وما قد يعقُب ذلك من خطوات عملية على طريق إصلاح مدرستنا التونسية (بمفهومها الشامل، أي على معنى كونها حاضنة وطنية للتنشئة الأساسية والمهارية والمعرفية في مستويات أكاديمية وبحثية عالية) لأنه لا ملاذات واقية أخرى بديلة لديهم. ولا يمكنني شخصيا إلا أن أكون من ضمن أولئك المُندّدين بسُبات الدولة والمُنادين منذ عديد السنوات وبإلحاح شديد بضرورة فعل شيء مَا (أيّ شيء أيها الخاملون) يُعيد عقارب الساعة إلى سالف اشتغالها قبل فوات الأوان وإحالتنا نهائيا على هامش الزمن العالمي.
لكن كل مجتمعات الدنيا جرّبت الإصلاحات التربوية “الشاملة والعميقة والجوهرية” قبل أن تقف في النهاية على حقيقة أن النهايات الإيجابية الكبرى تنطلق دائما من بدايات جُزئية لا يختلف حول وجاهتها عاقلان، وأن الإصلاحات العظمى تبدأ من جراحات موضعيّة يتطلبّها إيقاف الهدر المُريع، وأن التهرّم والانخرام عندما يتمكّنان من كامل جسم المنظومة يتعيّن تحديد أولويّات بارزة يُباشر الاعتناء بها فورا… في انتظار فتح الملفات التي تقبل الانتظار.
فعندما :
تبلغ نسبة الالتحاق بالتعليم العالي الخاصة قرابة الـ 15 % وهي نسبة متزايدة سنويا (73 مؤسسة تعليم عال خاص حاليّا مقابل 203 عمومي، و38 ألف طالب في الجامعات الخاصة مقابل 232 ألف طالب في العمومي). ومن العوامل التي قد تفسّر هذا “الانفجار” في فقاعة هذا القطاع نذكر انعدام ثقة شريحة واسعة من العائلات التونسية في مسارات جامعية عمومية لم تعد تستجيب لا إلى ملامح المُحرزين على الباكالوريا المتنامية، ولا إلى ما تتطلّبه سوق الشغل من مهارات دقيقة وتكوين أكاديمي عالي الجودة. كما يؤشّر هذا التحوّل العميق في خارطة التعليم العالي في تونس على أنه أصبحت لدينا منظومة تعليمية بسُرعتين متباعدتين : سُرعة خاصة بالطرقات السيّارة لأبناء العائلات الميسورة، وسُرعة حلزونية مُتاحة لأبناء العائلات المقهورة. أقول هذا مع تسجيل استثناء يتعلق ببعض المسارات الجامعية العمومية التي مازالت قادرة على تأمين تكوين جيد للغاية، إلا أنها وبحكم حدّة التنافس على ولوجها بعد الباكالوريا، فقد ظلّت حِكرا على أصحاب المعدّلات العالية التي لا تلينُ بصورة عامة إلا للقادرين على الاستثمار في الشحن المدرسي وتعاطي المنشّطات…
وعندما :
يقتصر الانتماء إلى مؤسسة جامعية “انتقائية جدا ومُوفّرة لإمكانيات كبيرة في الاندماج والتكوين بالتداول” مثل المعهد العالي للإعلامية بتونس المنار على الحائزين على الباكالوريا من 5 ولايات فقط مقابل صفر مقاعد لباقي الولايات بدعوى أن هذه الأخيرة حاضنة لمؤسسات جامعية شبيهة بإيزي المنار وبالتالي لا يتمتّع أبناؤها بنقاط آليّة التنفيل الجغرافي الجائرة وغير العادلة في مجموعهم فيعجزون عن دخول هذه المؤسسة، والحال أن مستوى التكوين في الولايات الداخلية في مجالات الإعلامية وتطبيقاتها لا علاقة له لا من بعيد ولا من قريب بما يُدرّس داخل بعض مؤسسات العاصمة…
وعندما :
تستحوذ أربع ولايات فقط سنة 2023 على 72% من طاقة الاستيعاب الجملية لمؤسسة عريقة مثل كلية العلوم القانونية بأريانة …
وعندما:
يتعيّن على 15 ولاية تجميع كل نُجبائها ونجيباتها لتصل إلى مستوى ولاية واحدة من حيث عدد الذين توصّلوا إلى افتكاك موقع في معهد تونس للأعمال المعروف بانتقائيته الشديدة واتساع آفاق الاندماج أمام المتخرجين من صفوفه…
وعندما :
يُحرم أبناء ولايات بأكملها من الظفر ولو بمقعد يتيم في عديد المؤسسات مثل كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية باهظة المجموع المطلوب وبعض مؤسسات التصرف والتجارة…
وعندما:
تتخصّص الولايات الفقيرة باحتضان شعبة الآداب وشعبة الاقتصاد والتصرف، وبعض المعاهد الثانوية في الجهات الأخرى بإيواء الشعب العلمية وانعكاس ذلك على جودة التخرّج بعد الباكالوريا ونصيب الجهات الداخلية من الكفاءات العالية (طبيا وهندسيا وخدميّا وتنمويّا…) بعد التخرّج من الجامعة…
وعندما:
يكاد ينعدم تدريس اللغات الأجنبية في بعض مدارسنا ومعاهدنا (بالإضافة إلى الإعراض عن اللغة العربية فذلك أمر حزين مفروغ منه) ويصل عدد التلاميذ المتحصلين في الباكالوريا على أعداد هزيلة ومُخزية في هذا المجال إلى عشرات الآلاف ويصل آلاف تلاميذ الابتدائي إلى مستوى المرحلة الإعدادية بصفر مكتسبات أساسية ويُزجُّ بهم رغم أنوفهم في مسار عملاق … فيكدحون ويتعثّرون وتُعتقل ألسنتهم ويتلعثمون وتزلّ أقدامهم…
وعندما :
لا يتبقّى شاب تونسي واحد لم يضع جميع أحلامه وطموحاته ومشاريع مستقبله في قارب الهجرة الموعودة…أو سفنها وطائراتها…
و”عندمات” أخرى كثيرة ومتنوّعة !
عندما تتجمّع كل المؤشرات المُخيّبة ومع كل مؤشّر تتعاظم جمهرة المتروكين لحالهم بعد أن لفظهم حضن لم يعرف كيف يشدّهم إليه ويمضي بهم إلى ما به يحفظون كرامتهم ويحققون سعادتهم، وعندما تتسرّب المياه إلى داخل السفينة وتكثر ثُقوبها وشقوقها، يتحتّم على جميع المُبحرين التوقّف لبعض اللحظات (لا لبعض العقود كما تفعل دولتنا الأبيّة) حتى لا تعمّ الفوضى والذّعر والخبط العشوائي في كل الاتجاهات دون فائدة…من أجل رصد ما يتوفّر من إمكانيات وتحديد أهم الثقوب الواجب سدّها واختراق العاصفة بأخف ما يمكن من أضرار… قبل أن تحلّ ساعة الاستقرار والرّجاحة وتنطلق عمليات الإصلاح الثابت والمتماسك والمُستدام.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.
تعليق واحد