سرديار

من أيام الكفاح: رجل في الشعّال

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معمر بن عمر:

الزمان: فترة الاستعمار الفرنسي لتونس. المكان: إحدى ضيعات المركب الفلاحي بالشعال.

كان وكيل الضيعة (جيرون بالفرنسية) واسمه “كريستول” يقف في الصباح الباكر بالمدخل الرئيسي يستنهض العمال الوافدين من كل النواحي، يصرخ في وجه هذا ويحذر ذاك ويطرد ثالثا بسبب تأخره عن العمل أو دون سبب.. في وجهه قسوة وفي تصرفه استعباد للمالكين الحقيقيين للأرض… ولكن ما باليد حيلة… كلهم محتاجون إلى العمل ووراءهم عائلات تقتات من أجر هذا العمل… شغل شاق مقابل فرنكات قليلة…

متى تزول الغمة وينبلج فجر الانعتاق!

العمال في تلك الفترة هم جيران هذه الأراضي التي اغتصبها البايات من أهاليها وسلّموها لقوات الاحتلال بأبخس الأثمان وربما لقاء بقائهم على العرش… وفي العمال أيضا من جاؤوا من قرى أو حتى من مدن أبعد، سكناهم أحياء شعبية وأكواخ عبارة عن غرفة ومطبخ وماجل ودورة مياه -أكرمكم الله – وكل ذلك في حوش يمسح 30 مترا مربعا على الأكثر… الأعمال فلاحية كلها.. جميع ما يحتاجه الزيتون…حراثة على الإبل أو البغال، جمع الصابة، زبيرة… إضافة إلى الأشجار المثمرة الأخرى من لوز وفستق ومشمش وخوخ…

ذات مساء بينما كان كريستول مع عائلته في منزله داخل الفيرمة إذ بالباب يقرع… يفتح المستعمر الباب فإذا به أمام قامة فارعة… بلوزة تونسية وشملة بيضاء تخفي الشاشية الحمراء… كان الرجل متلثما بطرف الشملة وبندقيته على ظهره.. وقبل أن يحاول كريستول الكلام أزاح الرجل لثامه قائلا: أنا “ح” الفلاڨ حاجتي بمليون… سمعت؟ تلعثم الفرنسي وحاول بلع لعابه الذي جف… ماعندي في الوقت الحاضر، ولكن أعدك، تجد المبلغ غدا… فأشار إليه “ح” بإصبعين قائلا: مالا زوز ، فهمت؟ غدوة نحب نلقى زوز ملاين. ثم استدار كالجندي وغادر مسرعاً، تاركا الجيرون الفرنسي في خوف وحيرة واضطراب. دخل كريستول على زوجته قلقا فأعلمها بكل ماحصل فأشارت إليه بالاتصال بالجهات المسؤولة في الحال ففعل…

طلع صباح اليوم التالي كاشفا عن طوق من الجندرمة يحيط بالفيرمة مدججا بالأسلحة… بث في قلوب العمال الرعب… ظل الجندرمة يراقبون المكان ويرقبون مجيء الفلاڨ المدعو “ح”… كان يوما عصيبا على الجميع دعي فيه العمال وجيران الفيرمة إلى البحث والاستنطاق وتعرضوا فيه إلى العنف بكل أشكاله علّ الكوميسار يظفر بمعلومة أو خيط يوصله إلى الفلاڨ الخطير.. مر ذلك اليوم مرور دهر ، ومالت الشمس للغروب، وعامل الفيرمة عمك محمد بين أكوام التبن المصففة وراء الفيرمة كقباب أضرحة في ذلك الزمان ، يضع التبن للحيوانات على الكريطة ولم يبد من جسمه سوى القفا…

أحس عمك محمد بوكز مؤلم فاستدار مذعورا ، فإذا به أمام تلك القامة الفارعة:

– ع ع..ع..عم “ح” يامرحبا !!!

– ياوصيف! تدخلني إلى الفيرمة ؟؟

تمدد “ح” على العربة وغطى وجهه بشملته وأخفاه عمك محمد بالتبن وأمسك بلجام البغلة وقادها داخل الفيرمة التي لاتزال محاطة بالقوة الفرنسية. وأخذ يوزع العلف على الحيوانات في الداخل… فانسل “ح” واختبأ في الاسطبل بين الخيول. وقبل انتصاف الليل، خرج من مخبئه واتجه بحذر تجاه منزل كريستول وطرق الباب بلطف.. فتح كريستول الباب فلم ير أحدا… أطل بنصف جسمه إلى الخارج فدفعه “ح” بفوهة بندقيته إلى داخل البيت مشيرا إليه بالتزام الصمت… وطلب منه إحضار ما اتفقا عليه البارحة مع لحاف من زوجته محذرا إياه بشدة أن لا يخبر أحدا. وماهي إلا لحظات حتى أتى كريستول بالمال واللحاف -عبارة عن سفساري أهدي إلى زوجته ذات مناسبة – تخفى “ح” في اللحاف وجذب إليه كريستول موجها فوهة البندقية إليه من تحت اللحاف وقال له بصوت خفيض: أخبر الجندرمة في الباب أن “المدام ” قلقة وتريد أن تتمشى قليلاً في الخارج!

وحينما ابتعدا عن الفيرمة وضعف الضوء المنبعث من مدخلها ، أمسك “ح” كريستول وربطه باللحاف وفر خلف الفيرمة ،لمح شجرة توت كبيرة تسلقها واختفى بين أغصانها. أما كريستول فقد ظل يتخبط في رباطه وينادي الجندرمة الذين هبوا إليه في الحال… فأعلمهم بكل ما جرى وانتشروا راكبين سياراتهم وراجلين يبحثون عنه في غابات الزياتين… ولما أحس “ح” بابتعادهم وعمّ الهدوء المكان نزل من الشجرة واتحه عكس اتجاه الجندرمة وظل يسير في الظلام يهرول تارة ويتوقف أخرى… وخرج من غابة زيتون ليدخل حقل مشمش ثم حقلا آخر لأشجار خوخ ، ثم وجد نفسه في تلة أقيمت عليها خيمة -بيت شعر – وأكواخ فعلم بعد ذلك أنه في منزل عمك خليفة…

حكى له كل ماجرى باقتضاب وسرعة. وفي الحال أدخله الشيخ إلى الخيمة، وكان داخلها أكياس القمح والشعير ، فطلب منه أن ينام بينها ويغطيه. عمك خليفة يعمل حارسا لضيعات الزيتون التابعة لهنشير الشعال، ولكنه رفض السكن في الحي الشعبي لأنه يربي عددا كبيرا من الأغنام تصل إلى ألف رأس إضافة إلى الخيل والإبل ، ففضل السكن على تخوم الضيعة حتى يتسنى له رعي أغنامه في المراعي الشاسعة، وفي نفس الوقت كان يعمل حارسا للضيعة..

لم تمر دقائق حتى وصلت سيارة جندرمة ومعهم كريستول ، فنادى عمك خليفة بحضور الجندرمة وسأله إن كان رأى فلاڨا . فأكد لهم أنه لم ير أحدا منذ أمس. ولما اطمأنوا إلى كلامه تركوه وعادوا أدراجهم. وعند الفجر أيقظ عمك خليفة “ح” ومده بأربعمائة دينار يستعين بها مع بقية المناضلين وأمن خروجه من مركب الشعال بنفسه… .

انقر للتعليق

صن نار

Exit mobile version