بالأمس طلعت علينا صفحة رئاسة الجمهورية بفيديو استقبال السيد الرئيس لأحد المواطنين، فأخذنا نتساءل عن معايير الاستقبال و كيفية اختيار المواطنين الذين يقابلهم الرئيس و يخصص لهم جزءا من وقته ووقت البلاد.
<strong>عبير عميش<strong>
و راودتنا في الأثناء أحلام بمقابلته نحن أيضا في إطار العدالة و المساواة بين المواطنين فما الذي ينقصنا لتحقيق هذا الحلم مادام لسيادته من سعة الوقت وسعة الصدر ما يجعله قادرا على استقبال المواطنين الذين يريدون ذلك …لنكتشف أن المواطن الذي قابله رئيسنا ليس مواطنا عاديا بل هو مواطن فوق الرتبة ، هو مواطن “على راسه ريشة “كما نقول بالدارجة التونسية ، هو أحد قياديي الحملة التفسيرية للرئيس أي أنه من نفس درجة المواطنة زكية الأطرش منسقة حملته في قفصة التي استقبلها منذ أيام في القصر أيضا،
كما أن رئيسنا سبق أن زار هذا المواطن في بيته منذ أشهر ليقدم له واجب العزاء بعد وفاة زوجته. و قد كان هذا المواطن المميز، الذي سُمِح لنا بسماع صوته في الفيديو في سابقة اتصالية غريبة من نوعها مع ضيوف القصر، يحثّ الرئيس على مزيد الصرامة و الضرب على أيدي الفاسدين ويحرضه على استرجاع الأموال المنهوبة، و كأن قيس سعيد باستقباله له و سماحه له بالتفاعل معه يقول لنا هذا هو الشعب شعبي و هذا هو الذي أستمع إليه و أخاطبه،.. فالسيد الرئيس اعتمد منذ مدة أسلوب دغدغة مشاعر الشعب عبر عبارات من قبيل التجويع و الاحتكار و المضاربة والتفقير و الترويع و الجشع و التلاعب بقوت الشعب و موارده، و عبر المقارنة بين الأثرياء و الفقراء فصار كل ثري سارقا فاسدا و كل فقير منهوبا مسلوبا …
و هذا النوع من الخطاب يدغدغ مشاعر الناس و يستقطب العامة الذين يرون في السيد الرئيس ذي القبضة الحديدية و الكلمات النارية و الصواريخ الجاهزة، الرجل الذي سيخلصهم من الفساد الذي عشش في مفاصل الدولة و يعيد إليهم الأموال المنهوبة و الحقوق المسلوبة و لا أدري لماذا يقفز إلى ذهني كل مرّة خطاب جماعة ائتلاف الكرامة الذين استقطبوا الناخبين في 2019 بموّال استرجاع الثروات المنهوبة و توزيع حصص الشعب من البترول و الغاز و الملح، وكأن أبناء هذا الشعب يستمرئون العطالة و البطالة و الجلوس في المقاهي في انتظار الحصول على نصيبهم من ثروات البلاد و مقدراتها المخفية. و هو تصور لا يولي أية قيمة للعمل و االجتهاد بل يشجع على التواكل و الكسل ويجعل الفئات الفقيرة خاصة تعتقد أ ن أوضاعها ستتحسن بمجرد استرجاع هذه الثروات … و من منا لا يريد أن يرى بلاده تتخلص من هذا الأخطبوط الذي ينهب مقدرات الدولة و يستثمر في الأزمات فتزداد فئة قليلة غنى و ثراء في حين يزداد باقي الشعب جوعا و فقرا؟
لا أعتقد أنه يوجد وطني صادق يرفض تطهير الدولة من الفساد و لكن التحكم في الأسعار و التخفيض فيها في أي مجال من المجالات و مقاومة الفساد و القضاء على منظومة الفاسدين لا يمكن أن تكون بالمداهمات و التهديدات و لا حتى بإحضار ممثلين عن الهيئات المهنية إلى القصر و مطالبتهم بالتخفيض في الأسعار عبر التخفيض في هامش أرباحهم مرة بالوعد و مرات بالوعيد …
صرنا نشعر أن هذه التنقلات هي تنقلات استعراضية و أن هذه الخطابات النارية هي للتغطية على التردّد أو الفشل في تصور طريق واضح للخروج من مأزقين رئيسيبن و جد الرئيس نفسه فيهما :
مأزق إدارة مرحلة ما بعد 25 جويلية و قد تفطّن إلى صعوبة الإصلاح السريع المناسب لانتظارات أنصاره قبل مناوئيه، وحقيقة ضعف موارد الدولة بعد أن أمسك بالسلط الثلاث بين يديه،
و مأزق إعداد تصور واضح أو خطة عمل مرحلية بتسقيف زمني واضح تستجيب لرغبات المواطنين الذين خرجوا “مزمرين” مهللين ليلة 25 جويلية ومازال بعضهم يسير وراءه في زياراته إلى بعض المناطق مرددين ” بالروح بالدم نفديك يا رئيس”… و كأنهم لم يهتفوا بها قبله لبورقيبة أو لبن علي.. و كأنهم لن يرددوها لمن سيأتي بعده… و كأنه نسي أن فئة كبيرة من الشعب التونسي بارعة في ” التبندير” و أنها تكاد تحتكر كل أنواع ” الفارينة” لنفسها.
سيدي الرئيس، نحن و إن كنا ندرك أن إرادتك صادقة في القضاء على كل من ساهم في “تبريك” الدولة و التمعّش منها و إفلاسها و نساندك في رغبتك هذه، إلا أننا ندرك أيضا أن دواليب الدولة لا تدور بحسن النوايا و أنها تحتاج آليات ومبادرات مازلنا في انتظارها إلى اليوم.
إن المقاربة الجزائية وحدها لا يمكن أن تخلصنا من الفساد، فهل ستداهم بمفردك كل المخازن و كل المصانع و كل المؤسسات التي تشك في تورطها و هل ستصادر كل الأراضي و الممتلكات و تدرس كل الملفات بنفسك؟ إن هذا العمل هو من صميم اختصاص فرق التجارة و أعوان الرقابة إلا إذا قررت أن تضيف سلطة الإشراف على فرق المراقبة الاقتصادية إلى باقي السلطات التي احتكرتها لنفسك منذ 25 جويلية !
إن دورك يجب أن يكون أهم و أشمل من ذلك فما تقوم به قد يترفع الوالي عن القيام به فما يكفله لك الدستور _ رغم تعليقك له _ و يكفله لك منصبك اليوم كمسير وحيد للبلاد في غياب رئيس حكومة أو وزير أول، يتجاوز المداهمات إلى بناء بدائل حقيقية و وضع تصورات و مخططات تنموية ترسي قيم العدالة و المساواة. فإنقاذ البالد و تطهيرها من الفساد يتم عبر توفير مناخ عام لإنجاز و إنجاح البرامج التنموية التي يضعها مجموعة من الخبراء و فريق عمل متكامل يضم رجال اقتصاد و علماء نفس و اجتماع و إداريين و أمنيين و غيرهم …و ليس عمل رجل واحد ، و نحن نعيش مرحلة مليئة بالصعوبات و المخاطر و الانتظارات تتطلب مشاركة أعلى الكفاءات التونسية و تضافر جهود كل من يقاسمك نفس الخوف على البلاد .
فمهما كانت خصالك و إمكانياتك لن تستطيع تسيير البلاد بمفردك و لا فهم التفاصيل الاقتصادية الدقيقة خاصة وقد رأيناك في الفيديوهات التي تعرضها على صفحة الرئاسة على الفايسبوك (أداة تواصلك الوحيدة معنا نحن الشعب أمام رفضك لإجراء أية حوارات صحفية أو حتى تعيين مستشار إعلامي يكون همزة الوصل بينك و بين المحيط الخارجي للقصر المعتّم المنغلق على نفسه) رأيناك تضطرب أمام الأرقام الكبرى ولا تميز بين المليار و الألف مليار !
في محاربة الفساد نريد العدل لا الانتقام، نريد كشف الكواليس للشعب لا التهديد بكشفها، نريد مشروعا متكاملا ينبني على الوعي بالحقوق و الواجبات و بمفهوم الدولة و أركانها… نريد مناخا مساعدا على الاستثمار مشجعا على استقطاب رأس المال. فهذه الخطب النارية لا يمكن أن تشجع رجال الأعمال على القيام بمشاريعهم و لا يمكن أن تخلق حلولا للشباب العاطل الذي ينتظر التشغيل على أحر من الجمر و للمتقاعدين الذين يعانون من نظام جائر و من الموظفين الذين تتأخر أجورهم و يُسرَق مجهودهم باقتطاع نسبة 1٪ منه و للفلاحين و للصناعيين و الحرفيين و التجار وأصحاب المؤسسات الصغرى و.. و…
سيدي الرئيس ، من حكمة الله أن خلق الله لنا لسانا واحدا و أذنين لنحسن الإصغاء قبل الكلام.. فأرجو أن تصغي لمن ينقدونك و هم يرغبون في نجاحك قبل أن تصغي لجوقة المهللين الذين يوغرون صدرك على غيرهم من أبناء الشعب أرجو أن تستمع لنصائح الصادقين و أن تكوّن منهم و معهم فريق عمل قادرا على صياغة مشروع مستقبلي للبلاد وبناء استراتيجية مرحلية واضحة المعالم. فالإجراءات الاستثنائية لا يمكن أن تدوم و المداهمات و الاتهامات العلنية والمحاكمات على الملأ لا يمكن أن تكون برنامج حكم و إن أفادتك اليوم فلا يمكن أن تفيدك طويلا. و خطاب الحقد لا يبني و الشعبوية لا يمكن أن تتواصل، و القبضة الحديدية لو كانت تنفع لنفعت ستالين و هتلر و غيرهما من الطغاة ولكن الزمان غير الزمان و الوقت غير الوقت و الشعب لن يطول صبره و الالتزامات الدولية لا يمكنها الانتظار أكثر.
سيدي الرئيس
لقد ولى زمن الرجل الواحد و الرئيس المنقذ و الفارس الهمام الذي يأتي ليخلص رعيته من الأشرار …و لم يعد الشعب في حاجة إلى قائد على صورة الأب في العائلة التقليدية يخاف منه و يترك له أمر تقرير مصيره و تسطير برامج حياته فيتدخل حتى في زواجه و طلاقه و عدد أطفاله إن لزم الأمر .
إن الحاكم لا يعدو أن يكون موظفا يتقاضى أجره من جيوبنا و ضرائبنا. انتخبناه أو انتخبه جزء منا لتسيير الدولة و السهر على مصالحنا من واجبه أن يحترم حقنا في المعلومة و يتخلص من غموضه و يتعامل معنا بشفافية و يوضح لنا تصوراته و رؤاه و برامجه المستقبلية، و من حقنا عليه أن لا يتركنا عرضة للإشاعات و أن نتشاور معه و ننقده و نوجه له النصح و اللوم و نشترك معه في التخطيط و البناء … …
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!
أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..
لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟
إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …
حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..
المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …
إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف
في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..
نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …
منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.
و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..
لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..
كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … وهاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!