تابعنا على

دفءُ نار

هل سننتمي نحن العرب إلى شبكة اتصالات الجيل الخامس ؟

نشرت

في

اتّخذ الحديث عن الجيل الخامس للاتّصالات في العالم المتقدم نسقا تصاعديّا خلال الفترة الأخيرة و ذلك باعتبار أن سنة 2021 ستشهد إطلاق المنظومة الرقمية الجديدة “الجيل الخامس للاتصالات” و تشغيلها على نطاق واسع، وبالتالي انطلاق مختلف الاستخدامات المنتظرة من هذا المولود الرقمي الجديد والذي سيُحدث بإجماع الخبراء ثورة في المعاملات التي تُتيحها الطرقات السيّارة للمعلومات و التي ستتحوّل إلى سماء مفتوحة للمعطيات والمبادلات على النطاق الكوني.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

المنصّات الرقميّة العالميّة و كبرى الشركات المتخصصة في الاتصالات (ميكروسوفت، آبل، غوغل، أمازون و فايسبوك…) تتجنّد و تهيّئ أرضيّاتها و خوادمها ومهندسيها و تقنيّيها و تضع نفسها في حالة استنفار تكنولوجي و رقمي قُصوى بينما تظل شعوب العالم غير المتقدم و نحن العرب بالخصوص في انتظار انعكاسات هذه الثورة الكونيّة و تداعياتها المتنوّعة و تقبّل نتائجها بصورة سلبية و استهلاكية بدون أية مناعة تُخفّف من هوْل سلبياتها أو الاستفادة القصوى ممّا تتيحه من إيجابيّات و فرص تنمويّة و تشغيليّة كبرى.

لكن قبل ذلك، ما هو تعريف الجيل الخامس للاتصالات « 5G» ؟

هو الموجة الخامسة من تكنولوجيات المعلومات و الاتّصالات اللاسلكيّة و التي -حسب مشغّل الهاتف “أورونج” – تمّ تصميمها  من أجل الاستجابة للتطور الهائل للمعطيات و “موصوليّة” المجتمعات الحديثة بمعنى ارتباطها بشبكات الاتصال. و تُتيح هذه التكنولوجيا الجديدة إمكانيات ضخمة لتبادل المعطيات و تخزينها وكذلك التصرف في منسوب المكالمات المتعاظم.

هذا و يستعمل الجيل الخامس للاتصالات اتّساعا أو نطاقا غير مستعمل من الموجة الميلميترية (MMW) و الواقع بين 30 و 300 جيغاهرتز مع استغلال بعض التردّدات الدّنيا و المتوسّطة.

المؤكّد أن الجيل الخامس سيكون أكثر اقتدارا و نجاعة من الجيل الثالث و الرابع على أكثر من مستوى باعتباره يفتح مجالات المُمكن على مصراعيها و ذلك في مختلف مجالات التطبيق و التعامل الرّقمي. 

أولا : الجيل الخامس ذو سرعة مُذهلة :

سرعة أكبر في الإبحار بتدفق اتصالي عال جدا يُضاعف عشرات المرات ما كان مُتاحا مع الأجيال السابقة. سرعة يمكن أن تصل الى 100 جيغابايت من المعطيات في الثانية، أي مائة مرة أسرع من الجيل الرابع حاليا (4G). بما يعادل على سبيل المثال تأثيث مكتبة سينمائية خاصة على درجة من الثراء و التنوع في حيّز زمني لا يتجاوز بعض الثواني على الأنترنات مقابل الساعات و الأيام العديدة التي تتطلبها اليوم عملية تنزيل الأفلام.

ثانيا : مراقبة الأشياء عن بُعد :

يُصبح ذلك مُمكنا بفضل التقليص بشكل ملحوظ من الوقت الذي يستغرقه حاليا “تفاعل الشبكات و ردّ فعلها”، علما بأنّ مدّة التفاعل في الايّام الراهنة تتراوح بين 35 ميلي ثانية و دقيقة. في المقابل سيمكّن الجيل الخامس من تقليص هذه المدة الى ميلي ثانية واحدة. و هو شرط أساسي للتمكّن على سبيل المثال من التحكّم عن بُعد في السيّارات و الطائرات دون طيّار المرتبطة بشبكة الأنترنات … و كذلك التحكم بالبيوت و أثاثها و أجهزتها عن بُعد مثل غلق الأبواب و تشغيل آلة غسيل الثياب أو القيام بعملية ريّ الحقول و تحويل مصبّات المياه.

ثالثا : التعليم والطب عن بعد (أو التطبيب الالكتروني) : 

يُعتبر الطب من المجالات الدقيقة التي تنتظر ثورة الجيل الخامس. فمنذ عديد السنوات يتمّ إجراء بعض العمليات الجراحية بشكل إلكتروني عن بُعد و يقع التحكّم بتفاصيلها على بعد آلاف الكيلومترات خاصة في البلدان غير المتقدمة طبيا. و بالتالي سيكون للجيل الخامس تأثير مباشر على تحسين جودة الصورة المنقولة و إتاحة تنسيق اكبر بين المستشفيات والأطباء عبر العالم و متابعة أفضل للملفات الطبية للمرضى.

أما بالنسبة إلى التعليم، فسيتحوّل العالم  ــ كما يتوقع خبراء المستقبليات ـ  إلى قاعة درس ضخمة يحضرها طلبة بالآلاف و الملايين من كل بلدان العالم و يتلقّون فيها ما يعزز قدراتهم و سيرهم الذاتية من أجل تشغيلية أفضل و بشكل غير نظامي، دون مغادرة مقاعدهم أمام الشاشة في غرف نومهم.

فعلى سبيل المثال “الدروس المُتاحة على الخط والمفتوحة أمام الجميع” Massive Open Online Courses (MOOC) و التي تؤمّنها أعرق الجامعات بصفة مجانيّة تماما (إلا بالنسبة إلى المُتابعين الذين يريدون نيْل شهادة أصلية مؤشّر عليها من إدارة الجامعة المعنية) أصبحت منذ بضع سنوات مكمّلا أساسيا في تكوين الطلبة و المؤمنين بمقاربة التكوين مدى الحياة.  

تصوّروا أن الدرس المفتوح CS50 (المتخصص في مجال البرمجة الإعلامية) في جامعة هارفارد الأمريكية يُتابعه على اليوتيوب حوالي مليون و نصف المليون من التلاميذ (شبانا و متقاعدين وأساتذة وطلبة من كل الأعمار و من كل بلدان العالم). 

رابعا : قوة الربط و شساعة مجاله

من بين أكبر مميّزات شبكة الجيل الخامس أيضا أنّه سيكون بمقدورها ربط عدد أكبر من الهواتف دفعة واحدة لأن الشبكة تستطيع نظريا ربط أكثر من مليون هاتف في الكيلومتر المربع الواحد، مقارنة بقدرة الجيل الرابع القادر على ربط 60 ألف هاتف فحسب.

خامسا : تدنّي كُلفة الربط

من المتعارف عليه أيضا أن الاتصالات السلكيّة (سواء بواسطة الأسلاك النحاسية أو الألياف البصرية) تتطلب حفْرا للطرقات العامة و إنفاقا كبيرا من الوقت و المال، في حين أن تجهيزات الاتصال دون أسلاك عن طريق “الوي في” أسرع و أقل كُلفة … بالإضافة إلى كون سرعة الولوج إلى الويب و تنزيل المعطيات و تبادلها ستُمكّن المستعملين من تقليص كُلفة الربط إلى أدنى المستويات.

سادسا : القطاع المنجمي :

سيُمكّن كذلك الجيل الخامس للاتصالات من تعزيز الإنتاجيّة و ظروف العمل الآمن و التّقليص من الانبعاثات الغازية الخطيرة … في السّويد على سبيل المثال مكّن الجيل الخامس الذي تم تركيزه في الأنفاق تحت الأرض داخل أجهزة و طائرات صغيرة دون طيار، من تفقّد الدهاليز  بشكل أفضل و دون أية خطورة على عمال المناجم و بالخصوص بعد القيام بعمليات التفجير بالديناميت و ما يتلوها من انهيارات … و ذلك دون حاجة إلى الربط بالشبكة الخارجية و بالتالي تقليص عدد الحوادث و ربح الوقت و الارتقاء بمستويات الإنتاجيّة.

أمام هذه الثورة التكنولوجية العارمة التي ستُغيّر وجه العالم خلال السّنوات المُقبلة من حيث شموليّتها و آفاق تشغيليّتها في المجال الرّقمي و حجم التأثير على سلوكات الناس و تعزيز القدرات الرقابيّة للدول على شعوبها و التحول الكبير في مناويل تنمية اقتصاديات العالم، إلخ… من المهمّ طرح الأسئلة التالية فيما يخصنا نحن العرب :

هل نحن مستعدّون للانخراط الإيجابي في هذه الثورة و الاستفادة من مُخرجاتها ؟

هل سيتعلّم أبناؤنا بشكل أفضل و الحال أن الأغلبية الساحقة من الطلبة في الجامعات العربية في جل التخصصات يُقضّون سنوات الإجازة دون أن يقرؤوا كتابا واحدا في تخصصهم باستثناء الملخصات و المطبوعات التي يوفرها الأستاذ ؟

هل ستتطوّر جامعاتنا و مخابر بحثنا و غالبيّة طلبة الماجستير والدكتوراه تفشل في الوصول إلى المراجع المهمة التي لها علاقة مباشرة بمشاريعِهم البحثية، و لا تستطيع أن تُبدع و تُطور في بحثِها بسبب عائق اللغات الأجنبية ؟

هل سيتغيّر ملمح خريجي الجامعات العربية و معظمهم يملكون المعلومات و الشهائد فقط، و لا يمتلكون روح العلم و المعرفة و المثابرة البحثية ؟ لذلك ترى المدرّس العربي يكاد ينحدر إلى الأميّة بعد بعض السنوات فقط من تجربته المهنية.

هل ستصبح مجتمعاتنا متعلّمة أكثر و معدل القراءة في الوطن العربي (وِفقا لتقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو 2017)، لا يتجاوز رُبع صفحة لكل شخص في السنة بينما متوسط معدل القراءة في “إسرائيل” حوالي 40 كتابا في السنة ؟

هل سيقدر الطالب و الشاب العربي بصورة عامة على توظيف الساعات الطوال التي يقضيها على شاشة هاتفه الذكي في سبيل إغناء معارفه و توسيع دائرة اطلاعه على العلوم و منجزاتها بدلا من التشات الساذج و التسكع غير المجدي في دهاليز الأنفاق الجوفية لكوكب الويب ؟

و في الختام، لا يمكن أن أمنع نفسي من إبداء الملاحظتين التاليتين :

  1. لا أساند شخصيا فكرة أن سطْوة الويب بكل ما يُتيحه من استخدامات متنوعة من المعرفة إلى اللعب إلى التعارف إلى التسويق… هي التي تقف وراء عزوف شبابنا عن القراءة و عن التعلّم النظامي و دليلي هو طوابير المواطنين الأوروبيين أمام المكتبات لاقتناء الكتب و مشاهد المسافرين المُمسكين بكتابهم في وسائل النقل المختلفة … و بالتالي فإن المشكل يكمن في كيف نُربّي أطفالنا على القيم البنّاءة أمام زحف التكنولوجيات الجديدة و كيفية الاستفادة من تطورها.
  2. الجيل الخامس للاتصالات يطرح عديد الإشكاليات بالتأكيد لكنه يُشكل في نفس الوقت فرصة حقيقية أمام مؤسستنا التعليمية لتطور مناهجها و مقارباتها البيداغوجية و تمكين خريجي التعليم العالي من جوازات سفر علمية و معرفية تمكنهم من اقتحام سوق شغل مُعولمة و كذلك أمام مؤسساتنا الاقتصادية والتجارية لترتقي بتنافسيتها على الساحة العالمية … إن 65 بالمائة من التونسيين يمتلكون هاتفا ذكيا  و تونس مُرتّبة من الخمسة بلدان إفريقية الأولى من حيث سرعة الولوج إلى الأنترنات قبل إيران و الصين و مصر و الأرجنتين…  و هي  مكاسب مهمّة لا بدّ من تثمينها و الاستفادة منها).

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار