تقديري أن التئام تظاهرة المعرض الدولي للكتاب سنويا في تونس بكل هذا الزخم والتناول الإعلامي الواسع هو تقليد مهمّ وجبت المحافظة عليه ومزيد تطويره وجعله حدثا وطنيا بارزا يدخل جميع البيوت والمدارس والفضاءات العامة،
<strong>منصف الخميري<strong>
لكنه في نفس الوقت يعطي الانطباع الخاطئ بأننا من الشعوب المصنّفة جيدا على مستوى الوقت المخصص للقراءة، وأن طوابير الكتب تُغرينا أكثر مما تُغرينا طوابير السكّر والموز الفاسد. برأيي هو تقليد أشبه بــ “الفزعة” أو “الزردة” تهبّ لها الجموع في نشوة واندفاع لكن سرعان ما ينطفئ أثرها ويخبو بريقها بمجرد مغادرة المقام والعودة إلى رتابة الأيام.
اخترت بهذه المناسبة أن أعرض عليكم بعض التجارب المجدّدة والمُعتمدة في العالم خارج سياقات المعارض والمناسبات الدورية، لعلّها تفيد مدرستنا ومختلف العاملين فيها والمتردّدين عليها.
تجربة “الشخصية الرمزية الصديقة داخل القسم”
تتمثل هذه التجربة المعتمدة وراء أسوار بعض المدارس البريطانية في اختيار حيوان أليف مصنوع من الصوف أو ما شابه، يُقدّم في مفتتح السنة الدراسية للتلاميذ بكونه الضيف المبجّل والحريّ بجميع الأطفال أن يتبنّوه صديقا لهم كلّهم ويطلقون عليه اسما توافقيّا طريفا، ثمّ يتولّى كل تلميذ استدعاءه خلال عطلة نهاية الأسبوع فيحمله معه إلى البيت وينجز معه افتراضيا جملة من الأنشطة ويعرّفه على أفراد عائلته ويجعله يكتشف خصوصيات المحيط الذي يعيش فيه ويدعوه إلى حضور فعاليات لعبيّة أو ثقافية مّا لو تسنّى له ذلك. ويوم الاثنين صباحا، تخصص المعلّمة مساحة زمنية لاستعادة الضيف داخل القسم ودعوة التلميذ الذي استضافه مدة يومين، إلى تقديم عرض شفوي مهيكل يدوم ربع ساعة أو أكثر بقليل للحديث إلى أقرانه حول طعم التجربة التي خاضها مع الضيف والأشياء أو الأشخاص أو الأكلات التي تسنى له معرفتها واكتشافها.
من فوائد هذه التجربة أنها تدفع الطفل نحو مواجهة جمهور متحفّز وله انتظارات وتطلّع إلى معرفة ما حدث لصديقهم المشترك وأين تجوّل وماذا أكل وكيف استقبلته العائلة الحاضنة…وهذه المواجهة الأولى هي التي سيتدرّب من خلالها الطفل على دحر خجله واستنهاض أفضل ما لديه لنيل رضى جمهوره ورضاه عن نفسه. من فوائدها أيضا أنها تلقّن الأطفال درسا في “التعاطف” وبذل الجهد في سبيل العناية بالآخر والإحاطة به، في مناخ عام يشجّع على الفردانيّة والتمركز حول الذات وسيادة منطق بعدي أنا الطوفان. وثالثا فإنها تجربة تدفع الطفل إلى اتخاذ مسافة ذهنية كافية إزاء عائلته ومحيطه الطبيعي بمعالمه والحياة البرية والنباتية فيه، حتى يستطيع وصفها والتحدث فيها وعنها باعتباره متفرّجا ناقدا لا جزءً منصهرا فيها.
بالإضافة إلى برامج متفرّدة أخرى أعطت أُكلها في عديد بلدان العالم، نذكر منها :
“برنامج اقرأ واجعلهم يقرؤون” في فرنسا، الذي يؤثثه متطوعون تجاوزوا الخمسين من العمر يتولّون قراءة قصص للأطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و 10 سنوات في المدارس والمكتبات ومراكز الترفيه بهدف تشجيع الأطفال على القراءة وشحذ خيالهم.
“برنامج اقرأ عبر أمريكا” في الولايات المتحدة وهو برنامج يُحيي يوم الكاتب والرسام الأمريكي للأطفال دكتور سوس من خلال تنظيم فعاليات قراءة في المدارس والمكتبات بهدف النهوض بتقليد المطالعة لدى الأطفال.
“برنامج الشعر عن ظهر قلب” في انكلترا الذي يهدف إلى تشجيع الأطفال على القراءة والتعبير الشفوي من خلال جعلهم يحفظون وينشدون قصائد شعرية. ثم يُدعى التلاميذ للمشاركة في مسابقات لإبراز مهاراتهم في حفظ القصائد.
“برنامج بوك ستارت” في أستراليا المتمثل في توزيع كتب بصفة مجانية على الأطفال منذ نشأتهم لتأصيل قيمة القراءة فيهم وصلب عائلاتهم، الغاية منه زرع بذرة القراءة مبكّرا لتمكين الطفل من حبّ القراءة والارتقاء بتقليد المطالعة لديه.
“برنامج بيبليو بيرو” في كولومبيا الذي يقوده معلّم يجوب القرى والأرياف القصيّة على ظهر حمار من أجل إعارة كتب للأطفال والكهول بهدف زرع حبوب القراءة في مناطق منسيّة وصعبة المنال.
لكن أين مدرستنا من كل هذا ؟
تتفق أغلب الدراسات على أنه توجد علاقة طرديّة واضحة بين الأصول الاجتماعية والثقافية للطفل ونماء متعة القراءة من عدمها. ونظرا إلى كون المدرسة تُطلق على نفسها مدرسة الجمهورية، فهذا يطرح عليها واجبا تاريخيا يتمثل في الارتقاء بتقليد المطالعة لدى الجميع وتوليد رغبة القراءة لديهم وبناء علاقة جديدة مع الكِتاب، خاصة في ظل المنافسة الشديدة التي تفرضها شاشات الهواتف المحمولة والإغراءات المتنوّعة التي تمارسها المشهدية المتصاعدة على الويب في وجه شباب متعطّش إلى الصورة والحركة أكثر بكثير من تعطّشه إلى الحرف والكلمة.
إن الحرص على جعل ناشئتنا تنفطم على حب الكتاب وتلذّذ نسغ النص الأدبي والشعري والثقافي عموما ليس ترفًا يؤثث به المثقفون جلساتهم ونصوصهم، بل هو القاسم المشترك الأكبر بين جميع من تحدث حول فوائد القراءة عبر العالم والذي عنوانه : “لا تعلّم دون قراءة“… حيث تكون الإجابة واحدة وموحّدة عن السؤال المتعلق بفوائد الكتاب في حياة الأطفال وذلك في كل بلدان العالم المُجمعة على أن القراءة تقاوم تهرّم الخلايا، وبالتالي تسهم في تأجيل الشيخوخة، والقراءة تحسّن أداء الذاكرة، والقراءة تُدرّب على التعاطف (بدلا من الاستعداء المستشري) والقراءة تساعد على التحليق ذهنيا في أقاصي هي أقرب إلى وجدان الناس والكِتاب يُمكّن القارئ من الاستراحة عندما يلمّ به تعب يومه الشاق… بالإضافة إلى مزايا تنمية القدرة على التركيز بواسطة القراءة وإتاحة يُسر في التعبير الكتابي والشفوي لا تلين طلاقته إلا لمن احترف معانقة المعاني وملاحقة المباني .
ويبقى السؤال ملحّا : كيف نفسّر علاقة التنافر والتباغض بين شبابنا بصورة عامة والكتاب وفعل المطالعة، رغم بداهة الفوائد التي كنا بصدد استعراضها ؟
أكتفي بذكر ثلاثة أسباب حالت حسب اعتقادي دون نشأة تلك اللهفة العارمة لدى شبابنا وأطفالنا على الإبحار بين طيّات الكتب التي تختصر التجارب وتُقطّر فاكهة الحياة التي عاشتها أقلام مُضيئة ومنتبهة، أو تُطلع القارئ على ما يعيشه الكاتب “كمفكر ومراقب وناقد في الحاضر بكل كثافته وتحوّلاته ومشاريعه” كما يقول صادق جلال العظم.
– في “عزّ طلعة شبابنا” تتعهّد المدرسة – خاصة في المرحلة الثانوية وما بعدها – بردْم مُجمل المساحات الجوفاء على نسبيّتها التي تتوفر للشاب، بالفروض والاستعداد للامتحانات والدروس الخصوصية حتى لا يكاد التلميذ ينتهي من فترة تقييم حتى يبدأ فترة أخرى وأخرى…فتتحول المدرسة إلى آلة جهنمية منذورة للتقييم والتسديم وسدّ جميع المنافذ المطلّة على ما به تُورق شجرة الشخصية لدى الطفل والشاب كبناء وذات قيد التشكّل.
– المكتبات المدرسية التي ظلّت إلى وقت غير بعيد منارة معرفة وتعلّم ونافذة على أمهات الكتب والمراجع، أصابتها الكآبة والرتابة وحُرم من تسييرها وتعهّدها آلاف المتخصصين في علوم المكتبات والتوثيق من خريجي مؤسسات التعليم العالي، لأن الوزارة توظفها لاستيعاب “غير القابلين للتوظيف في مهام واضحة ودقيقة”. وبقيت مجرد رفوف تضمّ عناوين سئمناها من قبيل التوت المر وعذراء قريش والفضيلة وماجدولين والعروة الوثقى والدقلة في عراجينها …
– أعتقد أيضا أننا لم نستغل تقاليد مُباركة لدينا كشعب شفوي تتمثل في تعهّد أجدادنا وخاصة جدّاتنا بنقل كمّ هائل من الحكايات والأساطير التي تُحكى بأسلوب شيّق وآسر على امتداد ساعات طويلة جعلت جيلا بأكمله يفتتن بعذب الكلام قبل أن ينام ويحلق عاليا بمخيّلته في سماوات وملاذات للدهشة والغرابة…وقد يعود ذلك ربما لأسباب هيكلية متصلة أساسا بارتفاع نسبة الأميّة في أوساط واسعة من أهالينا وعدم تمكّن الكتاب من أن يجد لنفسه مكانا يليق بمقامه ضمن مستلزمات التأثيث في بيوتنا. للأسف لم نسحب هذا التقليد الشفوي العريق والذي وهبنا حكّائين جيّدين وفْداويّة مقتدرين وأناس عاديّين يُجيدون فنّ الحديث الحكيم … لم نسحبه على تقليد تأسّس على أنقاضه في ربوع أخرى وهو تقليد قراءة المكتوب لأطفالنا ومعهم.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.