تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 12

نشرت

في

Médina – Coopérer : Grenoble-Sfax


اذا كان لي ان اصف السنة الاولى من تعليمي الثانوي بمعهد الحي فيمكن ان اضعها في توصيفة: سنة العبث الطفولي …دعوني اولا اصف لكم حالتي وانا الذي عاش تحت جلباب امه كل سنواته في الابتدائي، لان الوالد كان كثير الغياب عن العائلة بسبب اشتغاله بالبناء في ارجاء عديدة من البلد …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

كنت ببساطة لا اعرف من الحياة عموما سوى الدراسة في المدرسة بساقية الزيت وبواد القراوة او اللعب في الحوش وضواحيه القريبة … واد القراوة الذي كم احببته وفي كل مرة ازوره او يزورني، أزداد عشقا له عشق المجنون بأجمل ايام عمري في ذلك الواد …هو لا شيء بالنسبة لكل الذين يعرفونه …ولكنه واد عميق عندي باشيائه البسيطة بحلوى “_لركوز” وهذا اسم بائع الحلوى الذي يمر بوميا بالوادي ليهبّلنا بحلواه البسيطة والتي لا يعرف سر صنعتها الا هو …رغم انه في الاخير لا تتجاوز بعض مكونات الحلوى عموما “طرف فارينة وطرف سكر” … ولكن بنكهة غريبة في متعتها… وصادف ان شاهدته والدتي مرة فكان ان استغربت من تعلقنا به وبزمارته التي يعلن بها عن قدومه وقالت: عجب تنجمو تاكلو الحلوى من عند هذا لركوز اللي يقزز ؟؟؟ وهي كانت صدقا محقة في وصفه لانه لم يكن يعتني مطلفا لا بهندامه ولا بنظافة وجهه ويديه شبه السوداوتين وسخا … ولكن اليست للقلب اقداره حتى في الحلوى وفي بائعها والقطعة منها انذاك كانت بمليم واحد …

امي والعديد منا على الاقل في ذلك الزمن لم نفهم بعض اسرار الحياة ومن ضمنها الاقدار … وهنا اسأل هل يستشير البرعم احدا قبل ان يبرز من غصنه للوجود ؟؟؟ او وعلى طريقة نزار الكبير …هل يستشير النهد الغلالة قبل ان يتكور ..؟؟؟ .زايد اقدار …الواد ايضا كان كوشة بوقطاية بضحكة صاحبها الدائمة رحمه الله، وبرفقة كل تلميذات مدرسة البنات واللاتي اختلطن بنا نحن عافلي القوم كتلاميذ منتخبين من “مكتب السوري” (الحبيب بورقيبة حاليا) … وكان الواد أيضا ذلك المعتوه فرج الذي يطوف يوميا بالوادي الف مرة بلباسه الافغاني البريء لا ذلك اليوم اصبح عنوانا للتفجير والتدمير والترهيب …وهو يعيد جملة لم ولن نفهمها لا لانه مات رحمه الله بل لانه هو ايضا لم يفهمها يوما …كان يتكلم بلغة اشبه بالصينية … يتمتم بعض الكلمات ويختمها بـ “في هذه الليلة” … اية ليلة ؟؟ .. هل له ليلته وليلاه ..؟؟؟ انه مجنون القرية وما اجمل مجانين القرى واتعس مجانين المدن بكل اطيافهم السياسية و والغبية …

مجنون القرية هو شخصية هامة في المؤلفات وهو الذي اصبح في السينما شخصية بارزة في عديد الافلام ليمثل دور الحكيم ويؤكد اننا نحن هم المجانين وهم فقط العقلاء … وكمثال على تلك الاعمال الفنية التي تنطلق من المجنون الى العقلاء _يوسف شاهين في باب الحديد كممثل لدور المجنون علاوة على انه مخرج الفيلم °(قناوي العاشق المجنون لهنونة) و الذي ابدع فيه ايما ابداع فنال عشرات الجوائز العالمية على اتقانه لذلك الدور … سيتقدم بكم العمر وربما تتيقنون مثلي ان المجانين هم اسعد السعداء … في عالم اصبح فيه العاقل منا اتعس التعساء … لولا ايمانه بالاقدار … تصوروا فقط هذا الكائن البشري الذي سموه “عبدالكريم” يغادر الابتدائي الى المدينة و اضواء المدينة (على عنوان رائعة الفلتة السينمائية شارلي شابلن) واذا اردتم لمن تستهويه الاغنية الشعبية “ضايع في الطريق” نعم تمام الضياع …

مدينة صفاقس داخل اسوارها وخارجها لم اكن اعرف عنها شيئا بتاتا ومن عيوبي وكم هي كثيرة كما ستكتشفون … اني لا اكتفي في كل مجالات حياتي بالمعرفة العابرة… انا كنت ومازلت وسابقى اهتم بتفاصيل التفاصيل ..لانه ترسبت وترسخت لديّ قناعة مفادها انه حتى تلك التفاصيل البسيطة والبسيطة جدا هي التي تصنع الفارق في المعرفة وفي المتعة بالمعرفة وبالتالي المتعة بالحياة .. كنت ادرس يوميا بمعدل يتراوح بين ست وثماني ساعات مع راحة يومية من منتصف النهار الى الثانية بعد الظهر . .للغداء… وما ان تدق ساعة منتصف النهار من خلال منبهها بالمعهد في صرخة مدوية هي اشبه بانذار عسكري لحدث ما (كانت تفجع صدقا)..كنت وبعض اترابي نهرول من الحي طريق العين مرورا بقنطرته العالية .. وتحتها اناس لم نعرف عنهم وعن افعالهم شيئا الا في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي (كبرنا شوية وصرنا نعرف حاجات يعني) عرفنا انهم شلة المزة (الخمر)وشلة اللواط، وشلة النوفي والقمار …

كنا نهرول في اتجاه باب الجبلي وبالتحديد للمطعم الخيري انذاك (والذي اصبح الان عمارات وبناءات امام صفاقس الجديدة)، لنتناول غداءنا مجانا تماما كركوبي في حافلة النقل باعتبار شهادة الفقر الذي يمدنا بها الشيخ خليفة غربال رحمه الله …و كلمة شيخ تعني العمدة في ذلك الزمان .. كفقراء يتمتعون بالغداء و بركوب الحاافلة مجانا مرتين في اليوم … الحافلة كانت تابعة لتعاضدية النقل انذاك والخاصة بطريقي المهدية وسيدي منصور، حمراء وبيضاء اللون بينما تتكفل شركة النقل بصفاقس (الجهوية للنقل الان) ببقية الطرقات صفراء وخضراء اللون … وككل المطاعم المدرسية انذاك كنا نتفنن في الاعراب عن غضبنا من نوعية المأكل بضرب السكاكين على الطاولة … وباصوات مزعجة جدا ولكن العبث احيانا لا يزعجه حتى الازعاج … و الغريب في احتجاجنا ان المليح فينا “عمرو ما كلا لوبية باللحم” …هكذا كنا نسميها لا مرقة لوبيا او مرقة جلبانة …او مرقة بطاطة … هذه تسميات عرفناها من بعض تونسيي العاصمة الذين اغرونا بها فتعلق بها البعض موضة وافتخارا بانتمائه الى تسميات العاصمة، بينما العديد وانا اولهم لم اطلب يوما من امي او زوجتي مرقة بطاطا …

انا اعشق شكشوكة باللحم او لوبية باللحم وخبز شعير ومرقة وحتى الموبيلات الزرقة …ولست ادري كيف لأولئك الذين تفرنسوا او تتونسوا ان يتخلوا عن جلدتهم، خاصة ان كلمة مرقة تعني لدينا في صفاقس كل اكلة اساسها “الحوت” (السمك) … واجمل الاغاني التي تتغني بها صفاقس ثلاث: سيدي منصور ومريقة صفاقسية واضيفت اخيرا مياموري… اذن تصوروا مرقة اي حوت بالجلبانة (مرقة جلبانة) … هم تماما مثلهم كذلك الغراب الذي اراد ان يتزين بريش اخر ففقد شكله وشكل الاخر … وهنا علينا جميعا ان نعتذر للغراب الذي الصقت به عديد التهم الغبية كهذه وكتلك التي يروونها عنه في “الغراب والثعلب”، والحال ان كل الدراسات العلمية تؤكد انه من اذكى الطيور وحتى الرحمان اختاره كوسيط ليرشد قابيل إلى دفن هابيل … فهل يختار الرحيم طائرا غبيا ليري قابيل كيف يواري هابيل التراب ؟؟؟

غداؤنا في المطعم لا تتجاوز مدته الخمس دقائق نلتهم فيها ما يقدّم الينا سواء اعجبنا او تظاهرنا بالاحتجاج …وكأن الاحتجاج من جينات التونسي منذ ان خلق …بعد ان نكون قد قضينا ربع ساعة اخرى في الطابور في انتظار ان ياتي دورنا … بعدها نغادر ..الى اين …؟؟؟ بعضنا لحافلات النقل العمومي المنتصبة بباب الجبلي لاستراحة قليلة يتلهى فيها بقرطاس “ڨليبات” في انتظار العودة الى الحي، والبعض الاخر يتسكع في المدينة وانا اولهم …اولا كنت لا املك دانقا واحدا في جيبي لا للقلوب ولا لغيرها (وربما ذلك سر تعلق قلبي بالقلوب عندما ترعرعت قليلا، القلوب الادمية اعني) … ثم كنت اريد اكتشاف مدينتي نهج نهج دار دار زنڨة زنڨة … وكان لي ذلك بكثير من الدهشة …الازقة كانت ضيقة جدا ولعل اشهرها زنقة عنڨني …نعم زنقة عنڨني، لان عملية المرور فيها لشخصين جنبا الى جنب تكاد تكون مستحيلة واذا حدث ووقع ذلك فالشخصان هما اشبه بحبيبين متعانقين …وهي موجودة لحد الان والراغبون في معرفتها ساعطيهم العنوان شريطة ان يعبروا بصدق عن رغبتهم في المعرفة: اهو الاكتشاف ام عنڨني؟ … طبعا دعوني امزح معكم فقط…

لكن ما يميز المدينة داخل اسوارها (المدينة العتيقة) الحركية الدائبة بشكل مثير للاعجاب، حركية البشر والعربات المجرورة بالحيوانات او باجساد البشر -البرويطة) … فسوق الخضرة له اربابه وسوق الحوت له عشاقه ورياحين حوته، وبوشويشة السوق الشعبي لبيع الخضر والغلال ورغم انه على بعد امتار من سوق الخضرة، فلا عرك ولا معروك والتنافس مشروع وكل واحد وقسمو … والربع سوق الملابس التقليدية بهبية مبيعاته وهيبة بائعيه واليوم لا حكومة استطاعت ان تفرض هيبتها بعد الغورة و كذبة 14 جانفي … وكان على كل رؤساء حكوماتها من ابن الغنوشي الى ابن الشاهد ان يقوموا بتربص في مثل هذه الاسواق حتى يتعلموا معنى الهيبة والوقار والاجلال والاحترام .. سوق الجزارين بدواويره المعلقة والاشهى الف مرة من كل الملاويات …ورحبة الرماد ونهج الباي وحومة القصر وسوق البلاغجية (الحذائين) ورائحة الكولة تعترق .. و سوق الحدادين بقلب المدينة العتيقة تتصاعد منه نيران يقوّض بها الحديد وتليّنه سواعد لا تكلّ … وسوق الغرابلية وفيها من الغرابل ما تلذ له اعين النساء وتشتهيه اياديهم من غربال الشعير حتى المالطي وهو اجملها …

المدينة مقسمة برشاقة …لكأنها جمهوريات لكل واحدة خصوصيتها …في المدينة العتيقة عندما تريد الفطاير والزلابية والمخارق في رمضان لا احد يعوض السيالة … عندما تريد صحين تونسي عليك بالغمقي في نهج الباي او بكسكروت الرمانة وما ادراك بسوق الجمعة .. وسطحة الجامع الكبير وهي تستضيف كل الكتب الصفراء بما فيها الروض العاطر في نزهة الخاطر او الايضاح في علم النكاح ….ساعود لتفاصيل وتاريخ اصدار هذا الكتاب في ورقة قادمة لكن كنا كلما حاول الواحد منا وعن غير قصد ان يمد يده ليطلع على هذا الكتاب الذي يحمل اسما مثيرا (النكاح) والذي مازال مثيرا لحد يوم الناس هذا، رغم ان النكاح في اللغة العربية وفي القرآن خاصة تعني الزواج … كنا كلما حاول الواحد منا التلصص على محتواه، هرول البائع مزمجرا وصائحا: “ما تحشموس تتعلمو في كلوبية السوق من الصغرة؟” … حتى البائع الذي هو تاجر بالاساس كان يحرص على قيم اخلاقية قبل الربح …

سوق الجمعة الان رغم قربه من الجامع الكبير اصبح مرتعا للباندية والمتسكعين، والرمانة جفت وجف كسكروتها وجلّ الحوانيت تحولت الى تجار الكترونيك …تصوروا مدينة عتيقة بنكهتها العتيقة بانهجها العتيقة باناسها الطيبين تتحول الى تجارة الكترونيك، الى منتزهات للصوص والسكارى والعابثين بها شكلا ومضمونا … تصوروا المدينة العتيقة بنكهة وسخها قديما رغم انه وسخ، تصبح اليوم اشنع وافظع واقذع من الوسخ ما في الوسخ … تصوروا المدينة العتيقة اصبحت ليلا لا امن ولا امان فيها وهي التي كانت تؤوي كبار القوم في صفاقس الذين يسكنونها شتاء ويهرعون الى الغابة صيفا… لان الغابة تعني الاجواء الفسيحة ومشموم الياسمين على اذن يعلوها كبوس “معنڨر” … و الغابة هي ايضا كعيبة سلطان الغلة (الهندي) ونغمة بوصرصار اي الصرصار وهو حسب تعبير امهاتنا “يطيّب في الهندي وفي الزللوز” اي اللوز …

تلك اللوحات واشياء اخرى عديدة في المدينة العتيقة كانت تاخذ من وقتي ساعتبن على الافل يوميا … في ذلك العمر كل شيء كان مباحا لنا الاطفال في المدينة العتيقة من باب جبليها الى باب غربيها الى باب ديوانها …ولكن ما ان نفقد البوصلة وتتجه بنا أقدامنا الى الانهج الضيقة المؤدية الى الباب الشرقي حيث نهج الجم، جتى تبدأ حواس واعين الرجال الكبار تحملق بكل شراسة وتبدأ اسئلتهم المزمجرة: “وين قاصدين ربي ؟؟..اش ضاعلكم غادي ….؟؟..بديتو تتعلموا في التزوفير والقباحة …ايا تطيروا من هوني والا نوريوكم “…كنا لا نفهم شيئا مما يقولون خاصة وهم يواصلون: “انتوما متاع كارطي ؟؟؟ يقصف قدّكم “…

ولم نفهم لا سبب غضبهم ولا معنى تلك الكلمة الا بعد عمليات استقصائية هي اخبث من السي اي آي والموساد مجتمعين ….الباب الشرقي يعني … ستعرفون ذلك واكثر في الورقة رقم 13 ….

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار