تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 12

نشرت

في

Médina – Coopérer : Grenoble-Sfax


اذا كان لي ان اصف السنة الاولى من تعليمي الثانوي بمعهد الحي فيمكن ان اضعها في توصيفة: سنة العبث الطفولي …دعوني اولا اصف لكم حالتي وانا الذي عاش تحت جلباب امه كل سنواته في الابتدائي، لان الوالد كان كثير الغياب عن العائلة بسبب اشتغاله بالبناء في ارجاء عديدة من البلد …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

كنت ببساطة لا اعرف من الحياة عموما سوى الدراسة في المدرسة بساقية الزيت وبواد القراوة او اللعب في الحوش وضواحيه القريبة … واد القراوة الذي كم احببته وفي كل مرة ازوره او يزورني، أزداد عشقا له عشق المجنون بأجمل ايام عمري في ذلك الواد …هو لا شيء بالنسبة لكل الذين يعرفونه …ولكنه واد عميق عندي باشيائه البسيطة بحلوى “_لركوز” وهذا اسم بائع الحلوى الذي يمر بوميا بالوادي ليهبّلنا بحلواه البسيطة والتي لا يعرف سر صنعتها الا هو …رغم انه في الاخير لا تتجاوز بعض مكونات الحلوى عموما “طرف فارينة وطرف سكر” … ولكن بنكهة غريبة في متعتها… وصادف ان شاهدته والدتي مرة فكان ان استغربت من تعلقنا به وبزمارته التي يعلن بها عن قدومه وقالت: عجب تنجمو تاكلو الحلوى من عند هذا لركوز اللي يقزز ؟؟؟ وهي كانت صدقا محقة في وصفه لانه لم يكن يعتني مطلفا لا بهندامه ولا بنظافة وجهه ويديه شبه السوداوتين وسخا … ولكن اليست للقلب اقداره حتى في الحلوى وفي بائعها والقطعة منها انذاك كانت بمليم واحد …

امي والعديد منا على الاقل في ذلك الزمن لم نفهم بعض اسرار الحياة ومن ضمنها الاقدار … وهنا اسأل هل يستشير البرعم احدا قبل ان يبرز من غصنه للوجود ؟؟؟ او وعلى طريقة نزار الكبير …هل يستشير النهد الغلالة قبل ان يتكور ..؟؟؟ .زايد اقدار …الواد ايضا كان كوشة بوقطاية بضحكة صاحبها الدائمة رحمه الله، وبرفقة كل تلميذات مدرسة البنات واللاتي اختلطن بنا نحن عافلي القوم كتلاميذ منتخبين من “مكتب السوري” (الحبيب بورقيبة حاليا) … وكان الواد أيضا ذلك المعتوه فرج الذي يطوف يوميا بالوادي الف مرة بلباسه الافغاني البريء لا ذلك اليوم اصبح عنوانا للتفجير والتدمير والترهيب …وهو يعيد جملة لم ولن نفهمها لا لانه مات رحمه الله بل لانه هو ايضا لم يفهمها يوما …كان يتكلم بلغة اشبه بالصينية … يتمتم بعض الكلمات ويختمها بـ “في هذه الليلة” … اية ليلة ؟؟ .. هل له ليلته وليلاه ..؟؟؟ انه مجنون القرية وما اجمل مجانين القرى واتعس مجانين المدن بكل اطيافهم السياسية و والغبية …

مجنون القرية هو شخصية هامة في المؤلفات وهو الذي اصبح في السينما شخصية بارزة في عديد الافلام ليمثل دور الحكيم ويؤكد اننا نحن هم المجانين وهم فقط العقلاء … وكمثال على تلك الاعمال الفنية التي تنطلق من المجنون الى العقلاء _يوسف شاهين في باب الحديد كممثل لدور المجنون علاوة على انه مخرج الفيلم °(قناوي العاشق المجنون لهنونة) و الذي ابدع فيه ايما ابداع فنال عشرات الجوائز العالمية على اتقانه لذلك الدور … سيتقدم بكم العمر وربما تتيقنون مثلي ان المجانين هم اسعد السعداء … في عالم اصبح فيه العاقل منا اتعس التعساء … لولا ايمانه بالاقدار … تصوروا فقط هذا الكائن البشري الذي سموه “عبدالكريم” يغادر الابتدائي الى المدينة و اضواء المدينة (على عنوان رائعة الفلتة السينمائية شارلي شابلن) واذا اردتم لمن تستهويه الاغنية الشعبية “ضايع في الطريق” نعم تمام الضياع …

مدينة صفاقس داخل اسوارها وخارجها لم اكن اعرف عنها شيئا بتاتا ومن عيوبي وكم هي كثيرة كما ستكتشفون … اني لا اكتفي في كل مجالات حياتي بالمعرفة العابرة… انا كنت ومازلت وسابقى اهتم بتفاصيل التفاصيل ..لانه ترسبت وترسخت لديّ قناعة مفادها انه حتى تلك التفاصيل البسيطة والبسيطة جدا هي التي تصنع الفارق في المعرفة وفي المتعة بالمعرفة وبالتالي المتعة بالحياة .. كنت ادرس يوميا بمعدل يتراوح بين ست وثماني ساعات مع راحة يومية من منتصف النهار الى الثانية بعد الظهر . .للغداء… وما ان تدق ساعة منتصف النهار من خلال منبهها بالمعهد في صرخة مدوية هي اشبه بانذار عسكري لحدث ما (كانت تفجع صدقا)..كنت وبعض اترابي نهرول من الحي طريق العين مرورا بقنطرته العالية .. وتحتها اناس لم نعرف عنهم وعن افعالهم شيئا الا في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي (كبرنا شوية وصرنا نعرف حاجات يعني) عرفنا انهم شلة المزة (الخمر)وشلة اللواط، وشلة النوفي والقمار …

كنا نهرول في اتجاه باب الجبلي وبالتحديد للمطعم الخيري انذاك (والذي اصبح الان عمارات وبناءات امام صفاقس الجديدة)، لنتناول غداءنا مجانا تماما كركوبي في حافلة النقل باعتبار شهادة الفقر الذي يمدنا بها الشيخ خليفة غربال رحمه الله …و كلمة شيخ تعني العمدة في ذلك الزمان .. كفقراء يتمتعون بالغداء و بركوب الحاافلة مجانا مرتين في اليوم … الحافلة كانت تابعة لتعاضدية النقل انذاك والخاصة بطريقي المهدية وسيدي منصور، حمراء وبيضاء اللون بينما تتكفل شركة النقل بصفاقس (الجهوية للنقل الان) ببقية الطرقات صفراء وخضراء اللون … وككل المطاعم المدرسية انذاك كنا نتفنن في الاعراب عن غضبنا من نوعية المأكل بضرب السكاكين على الطاولة … وباصوات مزعجة جدا ولكن العبث احيانا لا يزعجه حتى الازعاج … و الغريب في احتجاجنا ان المليح فينا “عمرو ما كلا لوبية باللحم” …هكذا كنا نسميها لا مرقة لوبيا او مرقة جلبانة …او مرقة بطاطة … هذه تسميات عرفناها من بعض تونسيي العاصمة الذين اغرونا بها فتعلق بها البعض موضة وافتخارا بانتمائه الى تسميات العاصمة، بينما العديد وانا اولهم لم اطلب يوما من امي او زوجتي مرقة بطاطا …

انا اعشق شكشوكة باللحم او لوبية باللحم وخبز شعير ومرقة وحتى الموبيلات الزرقة …ولست ادري كيف لأولئك الذين تفرنسوا او تتونسوا ان يتخلوا عن جلدتهم، خاصة ان كلمة مرقة تعني لدينا في صفاقس كل اكلة اساسها “الحوت” (السمك) … واجمل الاغاني التي تتغني بها صفاقس ثلاث: سيدي منصور ومريقة صفاقسية واضيفت اخيرا مياموري… اذن تصوروا مرقة اي حوت بالجلبانة (مرقة جلبانة) … هم تماما مثلهم كذلك الغراب الذي اراد ان يتزين بريش اخر ففقد شكله وشكل الاخر … وهنا علينا جميعا ان نعتذر للغراب الذي الصقت به عديد التهم الغبية كهذه وكتلك التي يروونها عنه في “الغراب والثعلب”، والحال ان كل الدراسات العلمية تؤكد انه من اذكى الطيور وحتى الرحمان اختاره كوسيط ليرشد قابيل إلى دفن هابيل … فهل يختار الرحيم طائرا غبيا ليري قابيل كيف يواري هابيل التراب ؟؟؟

غداؤنا في المطعم لا تتجاوز مدته الخمس دقائق نلتهم فيها ما يقدّم الينا سواء اعجبنا او تظاهرنا بالاحتجاج …وكأن الاحتجاج من جينات التونسي منذ ان خلق …بعد ان نكون قد قضينا ربع ساعة اخرى في الطابور في انتظار ان ياتي دورنا … بعدها نغادر ..الى اين …؟؟؟ بعضنا لحافلات النقل العمومي المنتصبة بباب الجبلي لاستراحة قليلة يتلهى فيها بقرطاس “ڨليبات” في انتظار العودة الى الحي، والبعض الاخر يتسكع في المدينة وانا اولهم …اولا كنت لا املك دانقا واحدا في جيبي لا للقلوب ولا لغيرها (وربما ذلك سر تعلق قلبي بالقلوب عندما ترعرعت قليلا، القلوب الادمية اعني) … ثم كنت اريد اكتشاف مدينتي نهج نهج دار دار زنڨة زنڨة … وكان لي ذلك بكثير من الدهشة …الازقة كانت ضيقة جدا ولعل اشهرها زنقة عنڨني …نعم زنقة عنڨني، لان عملية المرور فيها لشخصين جنبا الى جنب تكاد تكون مستحيلة واذا حدث ووقع ذلك فالشخصان هما اشبه بحبيبين متعانقين …وهي موجودة لحد الان والراغبون في معرفتها ساعطيهم العنوان شريطة ان يعبروا بصدق عن رغبتهم في المعرفة: اهو الاكتشاف ام عنڨني؟ … طبعا دعوني امزح معكم فقط…

لكن ما يميز المدينة داخل اسوارها (المدينة العتيقة) الحركية الدائبة بشكل مثير للاعجاب، حركية البشر والعربات المجرورة بالحيوانات او باجساد البشر -البرويطة) … فسوق الخضرة له اربابه وسوق الحوت له عشاقه ورياحين حوته، وبوشويشة السوق الشعبي لبيع الخضر والغلال ورغم انه على بعد امتار من سوق الخضرة، فلا عرك ولا معروك والتنافس مشروع وكل واحد وقسمو … والربع سوق الملابس التقليدية بهبية مبيعاته وهيبة بائعيه واليوم لا حكومة استطاعت ان تفرض هيبتها بعد الغورة و كذبة 14 جانفي … وكان على كل رؤساء حكوماتها من ابن الغنوشي الى ابن الشاهد ان يقوموا بتربص في مثل هذه الاسواق حتى يتعلموا معنى الهيبة والوقار والاجلال والاحترام .. سوق الجزارين بدواويره المعلقة والاشهى الف مرة من كل الملاويات …ورحبة الرماد ونهج الباي وحومة القصر وسوق البلاغجية (الحذائين) ورائحة الكولة تعترق .. و سوق الحدادين بقلب المدينة العتيقة تتصاعد منه نيران يقوّض بها الحديد وتليّنه سواعد لا تكلّ … وسوق الغرابلية وفيها من الغرابل ما تلذ له اعين النساء وتشتهيه اياديهم من غربال الشعير حتى المالطي وهو اجملها …

المدينة مقسمة برشاقة …لكأنها جمهوريات لكل واحدة خصوصيتها …في المدينة العتيقة عندما تريد الفطاير والزلابية والمخارق في رمضان لا احد يعوض السيالة … عندما تريد صحين تونسي عليك بالغمقي في نهج الباي او بكسكروت الرمانة وما ادراك بسوق الجمعة .. وسطحة الجامع الكبير وهي تستضيف كل الكتب الصفراء بما فيها الروض العاطر في نزهة الخاطر او الايضاح في علم النكاح ….ساعود لتفاصيل وتاريخ اصدار هذا الكتاب في ورقة قادمة لكن كنا كلما حاول الواحد منا وعن غير قصد ان يمد يده ليطلع على هذا الكتاب الذي يحمل اسما مثيرا (النكاح) والذي مازال مثيرا لحد يوم الناس هذا، رغم ان النكاح في اللغة العربية وفي القرآن خاصة تعني الزواج … كنا كلما حاول الواحد منا التلصص على محتواه، هرول البائع مزمجرا وصائحا: “ما تحشموس تتعلمو في كلوبية السوق من الصغرة؟” … حتى البائع الذي هو تاجر بالاساس كان يحرص على قيم اخلاقية قبل الربح …

سوق الجمعة الان رغم قربه من الجامع الكبير اصبح مرتعا للباندية والمتسكعين، والرمانة جفت وجف كسكروتها وجلّ الحوانيت تحولت الى تجار الكترونيك …تصوروا مدينة عتيقة بنكهتها العتيقة بانهجها العتيقة باناسها الطيبين تتحول الى تجارة الكترونيك، الى منتزهات للصوص والسكارى والعابثين بها شكلا ومضمونا … تصوروا المدينة العتيقة بنكهة وسخها قديما رغم انه وسخ، تصبح اليوم اشنع وافظع واقذع من الوسخ ما في الوسخ … تصوروا المدينة العتيقة اصبحت ليلا لا امن ولا امان فيها وهي التي كانت تؤوي كبار القوم في صفاقس الذين يسكنونها شتاء ويهرعون الى الغابة صيفا… لان الغابة تعني الاجواء الفسيحة ومشموم الياسمين على اذن يعلوها كبوس “معنڨر” … و الغابة هي ايضا كعيبة سلطان الغلة (الهندي) ونغمة بوصرصار اي الصرصار وهو حسب تعبير امهاتنا “يطيّب في الهندي وفي الزللوز” اي اللوز …

تلك اللوحات واشياء اخرى عديدة في المدينة العتيقة كانت تاخذ من وقتي ساعتبن على الافل يوميا … في ذلك العمر كل شيء كان مباحا لنا الاطفال في المدينة العتيقة من باب جبليها الى باب غربيها الى باب ديوانها …ولكن ما ان نفقد البوصلة وتتجه بنا أقدامنا الى الانهج الضيقة المؤدية الى الباب الشرقي حيث نهج الجم، جتى تبدأ حواس واعين الرجال الكبار تحملق بكل شراسة وتبدأ اسئلتهم المزمجرة: “وين قاصدين ربي ؟؟..اش ضاعلكم غادي ….؟؟..بديتو تتعلموا في التزوفير والقباحة …ايا تطيروا من هوني والا نوريوكم “…كنا لا نفهم شيئا مما يقولون خاصة وهم يواصلون: “انتوما متاع كارطي ؟؟؟ يقصف قدّكم “…

ولم نفهم لا سبب غضبهم ولا معنى تلك الكلمة الا بعد عمليات استقصائية هي اخبث من السي اي آي والموساد مجتمعين ….الباب الشرقي يعني … ستعرفون ذلك واكثر في الورقة رقم 13 ….

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار