تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 14

نشرت

في

Coloriage - Emoji d'escrime de personne | Coloriages à imprimer gratuits

….السنة الاولى من التعليم الثانوي كانت سنة العبث الطفولي بكل المقاييس …نجاحي في مناظرة السيزيام بقدر ما اسعد العائلة بقدر ما ملأني زهوا وفخرا بمعانيه السلبية ..ومخلفاته السلبية ايضا ..

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

كنت وانا امشي بين اترابي وانا اعبث معهم اشبه بطائر النسر الذي يرى في بقية الطيور من جنسه لا يعدون ان يكونوا (عصافير حيطي) … كنت احس بأني ملك والبقية رعية، خاصة ان محيطي العائلي لم يكن مؤهلا البتة لتأطير هذا الطفل النرجسي في داخلي ..كانت الامتحانات انذاك بنظام الثلاثيات وكانت اعدادي فيها جميعا سيئة للغاية ..وكان من الطبيعي ان ارسب .. ورسبت في سنتي الاولى من التعليم الثانوي … الغريب اني لم اتأثر بتاتا بهذا المصير ..كانت سنة دراسية جوفاء من التحصيل المعرفي … وحتى العائلة لم تتقبل النتيجة بشكل درامي … ربما لأني مقابل فشلي نجحت في شهادة ختم الدروس الابتدائية وتسمى انذاك “سرتفيكا” والتي لم يتسنّ لي اجراء امتحانها في سنة السيزيام نظرا إلى صغر سنّي ..

والسرتفيكا في ذلك الزمن كانت ذات بعد معنوي وعلمي كبير …هي بمثابة الباكالوريا في عهود متقدمة ..تصوروا فقط ان حاملها ونظرا إلى قلة اطارات التدريس في تلك الحقبة، باستطاعته ان يقوم بتربص تكويني بيداغوجي ليصبح معلما في الابتدائي ..نعم …ربما هو تجسيد للمثل الشعبي (من قلة الصوف تتجز الكلاب) … ولكن واقسم لكم بكل المقدسات انه ومن خلال تجربتي في التدريس الجامعي سنوات طوالا، اؤكد لكم ان يعض حاملي السرتفيكا يكتبون باللغتين العربية والفرنسية بشكل افضل من عديد الطلبة في الخامسة جامعي … نعم والله .. وهنا لابد من الاعتراف والاقرار بان هؤلاء الطلبة هم في الحقيقة ضحايا لانظمة تربوية وتعليمية فاسدة، وضحايا لتجارب تعليمية مخبرية كانوا اشبه بالفئران فيها …

وحتى انهي مع تلك السنة الاولى لابد من القول ان غزارة الاكتشافات فيها اعاقتني تماما على الاعتناء بدروسي ..اذ ليس من السهل على التلميذ انذاك عموما وعليّ انا، خاصة وانا المهتم دوما بالتفاصيل التي اعتبرها هامة في حياة الفرد بل واعتبرتها طيلة حياتي انها هي التي تصنع الفارق بين الواحد والاخر …ليس من السهل ان تمر تلك التفاصيل عندي مرور الكرام، فالانتقال من نظام تربوي ابتدائي ينحصر فيه عدد المربين في اثنين (واحد للعربية وثان للفرنسية)، الى نظام يجد فيه التلميذ نفسه امام فيلق من المربين، كل استاذ في اختصاصه … وانا كنت من ضمن اولئك الذين لم يعتبروا يوما الاستاذ مربيا عابرا آخذ منه العلم والمعرفة واعطيه يوم الاجابة ـ اي يوم الامتحان ـ ما حفظته ..معدتي لم تكن يوما كالاسفنجة تضعها في الماء ثم تعصرها فترد لك ما حملته في احشائها من ماء .. معدتي بقدر ما هي سريعة في هضمها للاكل بقدر ما هي لا تتسرع غالبا في تعاملها مع ما ترى وما تسمع …

كنت وانا في تلك السن اهتم جدا بتفاصيل كل استاذ في تعامله معنا … على حساب التحصيل المعرفي نعم، ولكن هكذا كنت ..وما زلت .. كنت مثلا مزبهلا بكل تفاصيل تفاصيل شخصيات الاساتذة … كنت استمتع مثلا بصياح استاذ الرياضة (السيد حبيب مرزوق، اطال الله عمره) وكم سعدت للقياه قبل عيد الاضحى وهو يوقف السيارة التي كان على متنها ويناديني بصوته الجهوري: “ايجا يا عبدالكريم هذا رقمي ونحبك تكلمني عندي ما نقلك على السي اس اس” ..كيف لا وهو من قدماء لاعبي النادي كمتوسط دفاع في الخمسينات … استاذي هذا كان يعيد دوما عباراته المشهورة وهو يشاهد احد التلامذة يتقاعس في التمارين الرياضية: “ايجا هنا انت يا بوريكو يا مقرونة!” … ولئن فهمت بعد سنوات معنى “بوريكو” اي حمار، فلم افهم لحد الان ما دخل كلمة مقرونة وهو يعبر عن غضبه ..؟؟

نفس هذا الاستاذ كنا في شهر ماي وبعد ان تتحول حصة الرياضة في المعهد الى حصص تعلم السباحة في المسبح البلدي (الذي اصبح الان اطلالا حزينة)، كان يرمي بنا الواحد تلو الاخر في المسبح دون رحمة وكنا نتخبط في ماء هذا المسبح بكل رعب رغم اننا مطوقون بالواقيات من الخفاف ..وهو يعيد دوما: عوم يا بوريكو ..وما اذكره حسب ما رواه لي بعض اترابي ان واحدا من التلاميذ (محمود الفخفاخ رحمه الله) نزل كعادته في المسبح العميق تحت “السقالة” التي تستعمل عادة للارتماءات الهوائية (بلونجونات)… ومن سوء حظه ان وجد قميصه مشدودا باحد اعمدة السقالة الحديدية ولم يستطع الافلات منها … ولحسن حظه ان تفطنت عين سي الحبيب الى غيابه لمدة ثوان فاندفع كالسهم نحو اليمّ وخلّصه من موت محقق …

ذمن تفاصيل السنة الاولى اننا كنا ندرس مادتي النجارة والحدادة …ولانني لم اكن ولحد يوم الناس هذا بارعا في كل الاعمال اليدوية باستثناء “المونتاج” والذي بدأت معه مسيرتي المهنية في مؤسسة الاذاعة والتفزة التونسية وللامر هذا عودة في ورقات قادمة .. اذن لانني كنت ابهم البهائم في الاعمال اليدوية كنت اتلهّى باشياء ثانوية في تلك الحصص ..واذكر اني ذات مرة دعوت زميلا لي في الدراسة للقيام بـ”طرح” مبارزة بالسيف بيننا ..ولم تكن سيوفنا الا تلك المبارد التي نستعملها في حصة النجارة …كنا “شائخين” باللعبة خاصة ونحن نرى شذرات وومضات النيران (“الدڨداڨ”) تنطلق من المبردين ..وكأننا فارسان مغواران يتحاربان من اجل فتوحات وهمية …ولم نكن ندري انذاك اننا قضينا بفعل ضرباتنا المتبادلة على المبردين الذين اصبحا في عداد المبارد الموؤودة ..

ولأن استاذنا الرائع في وداعته (سي عمر) مجبر يوما ما على السؤال: “باي ذنب وئدت المبارد” أي حفيت، فانه اضطر كارها ان يرفع امرنا الى الادارة اي الى ستالين المعهد ومديره السيد احمد الزغل اطال الله في عمره ومتعه بالصحة ..وما هي الا لحظات حتى اتانا سي الزين الفراتي رحمه الله وهو اشبه بـ”لوريل” مقطّبا عابسا يدعوني انا وزميلي للمثول امام المدير …وبكامل الزهو واللامبالاة ذهبت …وما ان وصلنا حتى خرج الينا سي احمد من مكتبه الذي لم ادخله يوما ككل التلاميذ فهو مكان مقدس باتم معنى الكلمة وليس علينا فقط بل حتى على جل الاساتذة …. نظر الينا سي احمد بعين لم نفهم سرها وغليونه لا يفارقه ثم (يا رحمان!) “داودي” لم اذق مثله في حياتي وهو الثاني والاخير بعد داودي “مسيو دوميناتي”، في مدرسة واد القراوة التى كم احبها …

لم انتظر اية كلمة منه وعدت الى القسم الخاص بالنجارة وحملت محفظتي وغادرت المعهد الى بيتنا …اندهشت والدتي من عودتي المبكرة وزاد هلعها وهي تسمعني ابكي و اتوعد واقول لن اعود الى المدرسة …بعد ان حكيت لها عن الصفعة الشهيرة ..هي لم تسأل عن الاسباب وانبرت تدعو على سي احمد ذلك الذي سمح لنفسه بضرب طفلها “اللي اش فيه ما يتضرب” … وما ان جاء والدي حتى “حمّشتّو” على سي احمد، بكل ما تعرفونه عن اية زوجة لها تأثيرها السحري الرهيب على زوجها …_ وعيادة الله يرحمها كيف تنوي تطيّحو زايد تطيّحو رغم صلفه الشديد وعنطزته المهولة اليس كيدهن عظيما ؟؟؟…

و”ماكانش من العاكسين” .. ازبد الوالد وتوعّد بالثبور الويل له سي احمد هذا …اشبيه يحسايب الدنيا على ڨرنو .؟؟ غدوة نورّيه الرجال اشتعمل … طبعا مع وابل من السب والشتم على كل لون يا كريمة وسي محمد رحمه الله بارع في هذا القليّم ….حملني في الغد الى المعهد وطالب فورا بمقابلة هذا المدير الذي اهان ولده …والغريب اتني لحد الان لم افهم كيف خضع سي احمد الزغل وما ادراك لموقف والدي المتمثل في (عاقبو كيف ما تحب اما ما تضربوش …ما نسمحلكش باش تمس ولدي) … وانتهت حكاية المبارد التالفة عند ذلك الحد …وحتى عندما فاجأت سي احمد الزغل يوما بزيارته مع مجموعة من اصدقاء الزمن الجميل الى منزله اعترافا له بالجميل، لم اجرؤ صدقا على العودة لذلك الموقف خوفا من احراجه …خاصة ان علاقتي به توطدت جدا بعد عودتي من فرنسا وبالتحديد عبر برامجي الاذاعية وخاصة كتاباتي الصحفية …

فوجئت به يوما يطلبني عبر هاتف الاذاعة ويقول لي: “احمد الزغل معاك”، واين الدنيا التي تسعني انذاك ..قال لي اريد ان التقيك ..قلت له الان الان وليس غدا ..ذهبت اليه وهو انذاك يشغل خطة رئيس بلدية صفاقس ..استقبلني بالاحضان وبعد بروتوكولات التحايا والسؤال عن الصحة والعائلة قال لي سي احمد وما ادراك …عندي طلب صغير منك لو تسمح ..لم ادعه يكمل حديثه وقلت له ..يا سي احمد راك سي احمد ..فكيف لك ان تطلب من ابنك طلبا ما ؟؟؟ انت تأمر وانا انفذ دون قيد ..وبكل سعادة وامتنان ونظرة افتخار منه قال: “انا اتابع جيدا برامجك وقلمك الصحفي .. وانت تكتب في عديد العناوين الصحفية فهل تسمح باعطائي نسخة من كل ما تكتب؟ ..انت قلم متميز و احد ابنائي الذين افتخر بهم ..هل تسمح ؟؟؟ تصوروا سي احمد يقول هذا …اجبت على الفور: ومن انا حتى تقول لي هل تسمح ..لك وعد سي احمد ان تصلك كل المقالات التي اكتبها …وحتى عند سفرك إلى تونس ساضعها لك في صندوقك البريدي ..وفعلا فعلت وبسعادة لا توصف ..

يااااااااااااااااه .كم هي السنوات كفيلة بان تعيد اعتبارنا للاشياء والمسميات والاشخاص ..نعم فهمنا جميعا ان ستالين الحي وهتلره وفرعونه كان يجب ان يكون هكذا او لا يكون لانه علمنا الاحترام واعطاء قيمة لهيبة المربين …وهاكم تشاهدون الان كيف اصبحت هيبة المربّين (في جلهم) منكسة الأعلام تعبيرا عن الحداد لا لموتها فقط (لانو لو كان ماتت ارتحنا) بل لاهانتها والاهانة اشد الما من الموت … رغم اني كلي ايمان بأن المربّي ولحد الان مازال قادرا على فرض الانضباط والهيبة لو آمن بدوره التربوي اولا قبل التعليمي، و بتغيير اسلوبه البيداغوجي الى فن راق في التواصل والذي يجعل التلميذ او الطالب يخضع لنواميسه وبكل استمتاع واقتناع ..صدقوني ومن خلال تجربتي في الجامعة كنت ومازلت قاسيا جدا في تعاملي مع طلبتي (قسوة البناء طبعا لا قسوة التقزيم) … ولكن رغم طبعي الذي يبدو ظاهريا بوليسي الملامح،في الفترة الاولى من التعارف على الاقل، كنت معهم دوما الاخ والاب والصديق والحبيب بكل عمق الاعماق وللحديث تفاصيل ضافية في ورقات قادمة …

من التفاصيل التي لا تنسى في سنتي الاولى ايضا اني لاول مرة في حياتي الدراسية يشتري لي ابي محفظة من مكتبة …نعم قبلها كانت محفظتي تخيطها عيادة من قماش الاكياس كسائر التلاميذ المعوزين انذاك …ثم كانت هدية الوالد بعد ان نلت السيزيام محفظة سوداء متوسطة الحجم، وكان كل همّ امي ثقلها وهي محمّلة بعديد الكتب والكراسات ..وكثيرا ما كانت تجبر اختي الكبرى على ان تحملها معي لمحطة الحافلة ..ولكني كنت اشترط عليها ان لا تصل معي الى المحطة ابدا بل تكتفي بحدود “الزنقة” قبل الوصول الى الطريق العام …وانا اردد في خلدي: ” الله الله على سيدي الطلطول عبدالكريم تهزلو اختو كارتبلتو …اشنوة يقولو عليّا مانيش راجل ..؟؟؟” …

من الاشياء التي لم انسها كذلك انني لاول مرة عند حلول الشتاء يشتري لي والدي رحمه الله (والاكيد بفعل معسول كلام عيادة) معطفا ….هو يسمى “ترواكار” اي يغطي ثلاثة ارباع الجسد ولشدة تعلقي به كنت لا افارقه كامل اليوم 24 على 24 ..حتى النوم انام به …وهذا حتما كان كافيا للقضاء عليه تماما في سنته الاولى لانه اصبح يشبه كل شيء الا ان يكون معطفا …جرّد وبره واصبح اشبه بالابرص …

هذه التفاصيل وغيرها في حياتي اليومية الدراسية جعلتني كثير الملاحظة دقيقها بدءا بالحافلة التي امتطيها مرورا بالمدينة العتيقة التي اكتشفت كل انهجها وازقتها وثناياها، وصولا الى المعهد بكل زخمه واحداثه واشيائه مما لم يترك لي مجالا للاعتناء بدروسي … كانت معدلاتي في الثلاث ثلاثيات لا تتجاوز السبعة على عشربين ..وكنت جديرا جدا بالرسوب لاني لا استحق النجاح وانا الذي لم اعره اي اهتمام ..التجربة رغم الخيبة لم احس يوما بالندم عليها ..كنت دوما ومازلت اؤمن بمسؤوليتي في كل ما يحصل وما اقوم به في حياتي ..لذلك استحق كل ما ينتج عن ذلك ..سلبا او ايجابا .. شكرا او سبا ..حبا او كرها … استحق ما جنته يداي …

ـ يتبع ـ…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار