تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة رقم 16

نشرت

في

أمي تخزنه في الصيف وأبي يحرسه في الشتاء"... حكايات "العولة" سيدة أطباق  الجزائر - رصيف22

عبد الكريم قطاطة:

العطلة الصيفية في بداية الستينات هي موسم لاشياء عديدة … جنى اللوز وتقشيره … جني الهندي وبيعه (السطل بـ5 مليمات) … تكسير اللوز واستخراج لبّه (الشكارة بمائة مليم) ولكن ايضا “العولة” وهذا يعني في مدينتنا احضار مؤونة كل ما يلزم لفصل الشتاء والخريف خاصة من كسكسي ومحمص وتشيش وبرغل ودويدة، وفي رواية اخرى الحلالم …

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

ياااااااااااااااااه ويني الدويدة؟… ويني اللكلوكة (خليط من زبيب مرحي ولوز مقلي وجلجلان) ..ويني عصيدة الطماطم ..وينو بازين بالمرقة ..وينو افيّم ملثوث بالخضرة .. وينو افيم حلالم ..وينو عبود الزميط والروينة.. وينهي الجردقة بالدهان.. ويني المرقة الزورية دون سمك .. ويني الدوارة الهجالة (بالخضر فقط) …مأكولات عديدة عوضتها السندويتشات والملاوي والبيتزا والسلامي والكفتة والاسكالوب والستاك والهم الازرق الكل … وهنا لا اتحدث عن الاذواق بل اتحدث عن المواد الاولية لصنع هذه الماكولات التي تعاصرنا الان والتي لا ندري مأتاها، رغم ان بعض “عثرات” المتفقدين تدلي ياشياء رهيبة عن كل الجرائم المرتكبة في حقنا وخاصة في حق ابنائنا صحيا ..ولان المتفقدين يسهل جدا القضاء على ضمائرهم في بلد اصبح بامتياز بلد الرشاوي، فاننا جميعا “نبلع السكينة بدمها” لاننا لا نعرف لا الجاني ولا حارسه الذي من المفروض ان يكون حارسنا نحن … لك الله يا تونس بعد نكبة 14 جانفي خصوصا …

من جهة اخرى وللامانة بعض الاطعمة الكلاسيكية التي ذكرتها وكادت تنقرض مازلت استمتع بها ..الم يقولوا ان البنية تعمّم (اي تشبه عمتها)؟ ولان امي هي عمة زوجتي فانها حفظت عنها اشياء حتى وراثيا ومازالت تتحفني ببعض تلك الماكولات … شكرا منية …اعود الى العولة ..مثل هذه العمليات لا تتم الا صيفا لضمان الشمس التي تقوم بالتجفيف … والمرأة الحاذقة والحكيمة في العائلات المعوزة خاصة هي التي “تفتل” اي تصنع تلك العولة كل سنة ..وذلك لاسباب عريقة وتاريخية في صفاقس … صفاقس منذ القدم ولحد يوم الناس هذا لها مناخ خاص بها فهي ليست صحراوية وليس لها مناخ الشمال الممطر ولا هي بالساحلية ايضا ..فرغم وجودها على الساحل المعروف بامطاره خريفا فان صفاقس امطارها نزوية (حتى امطارنا بالكيف) … وعندما لا تنزل الامطار خريفا يقول المتساكنون بان تلك السنة “عام الزمّة” … فهمت بعد سنوات ان الزمّة تعني الازمة …

والازمة تاريخيا ايضا كانت مرتبطة بالحروب في تونس عموما وهي التي كان الغازي في جلها ياتي بحرا ويطوّق خناقه على متساكني المدن ومنها صفاقس وبالتحديد حول سورها …حتى الاستسلام … وللتاريخ ايضا صفاقس في عهد الاستعمار الفرنسي كانت آخر مدينة استسلمت للمستعمر وبخيانة جماعة من ضواحيها… لهذين السببين فان متساكني صفاقس يحتاطون لهذه المفاجآت المناخية وللغزاة فتعوّدوا ان يقوموا كل صيف باعداد العولة، الى ان اصبحت من التقاليد ….ووالدتي عيادة رحمها الله بعد ان تنهي عولتنا (المتواضعة ولكن خير من بلاش والحمد لله) يدعوها الاقارب الميسورين حتى تكون المشرفة على عولاتهم نظرا إلى خبرتها … وتنصب الجفان والغرابل … كانوا يقولون عنها علنا “اشكون يشبه عيادة في الفتلان والزلڨان؟؟؟

من جهتي ورغم اني اصبحت تلميذا في الثانوي (قد الدني) الا ان والدتي كانت وكما تقول هي “لا تهنّي ولا تعزّي” الا وعبدالكريم معها ..حتى في عولة الاهل او الجيران .هي تخاف عليّ خوفا مرضيا ولا تثق باختي الكبيرة في غيابها حتى تعتني بي كما يجب . اشكون يعرف توكلوشي وقت يجوع ؟؟ تغطيهشي وقت يتعرّى ؟؟؟ … .ولعلّ من الاشياء التي اتذكّرها وكانها حدثت البارحة انها ذات يوم حملتني معها لقضاء امسية في دار عمتي… وعندما حان وقت العودة الى حوشنا الحّت عمتي وبناتها على ان ابقى ضيفا عندهم تلك الليلة ..وقبلت امّي على مضض ..في الغد وعندما عدت اليها صباحا … وجدتها في قمة الرعب …سالتني: “انت لاباس عليك ما جرالك شيء البارح؟” نظرت اليها واجبت: “يخخي ما تشوفش فيّا لاباس؟” … ضمّتني الى صدرها وكانني طفل صغير غضّ …

يااااااااااااااااااااااااااااااه كم هي ممتعة ….مريحة ..سمحة …الضمة عموما …وتلك الضمّة الامومية خاصّة …سالتها: “اشبيك يا عيادة والله لاباس عليّا اصحّ مالجنّ”… نظرت اليّ مليّا وكانها غير مصدقة لما سمعت ورأت وقالت: “يا وليدي البارح مازلت كيف خذاتني عيني وقمت مفجوعة عليك ..نحس قلبي اتشك شكة وحدة ووليت ندعي لربّي يا ربّي احميلي وليدي ..ولوكان موش جا عليّا عار راني جيتك في هاكة الوقت (نصف الليل تقريبا)” …هدّأت من روعها ثم قلت لها: “تعرف يا عيادة البارح شويّ لا لسعتني عقرب!” … وهو ما حدث فعلا وانا في ضيافة عمتي ..كنا نسهر ونسمر وفجأة جاءت ابنة عمتي ورجتني بصوت هامس الا اتحرك من مكاني .. انصعت لها ثم هوت بـ”شلاكة” فوق راسي بقليل حيث كانت تتجول “هوشة” (وفي رواية اخرى هيليكوبتر )… اي عقرب … ووصفها بالهيليكوبتر هو وصف رائع …

سنة 74 كانت اول سفرة في حياتي الى المغرب … لست عاشق زطلة ولكن كنت في مهمة مهنية ساعود اليها في ورقات قادمة … كنا في سماء الرباط و كان قائد الطائرة يستعد للنزول… كنت اراقب الرباط الجميلة من نافذة الطائرة وفجأة انخلعت من االمقعد الذي اجلس عليه وبرعب شديد .. هيليكوبتر مرت بجانب طائرتنا …مرورها كان سريعا بومضة البرق وكانت تشبه جدا جدا العقرب ..اعود لهيليكوبتر دار عمتي … ولأن قلب الام خبيرها …في ذات اللحظة وبحاستها السادسة والستين فوق البليون ..ارتعدت فرائصها وزلزلت اوصالها ..وعاشت معي الحدث بقرون استشعار قلّ ان يملكها احد غير الام …

في العطلة الصيفية تلك بدأت اهتماماتي الغنائية تتنوع وترتقي ..فبعد ان كنت من عشاق اش علينا (نعمة) وصفية شامية في(لا لا ما نحبكشي) والهادي القلال و (نرجعلك لازم نرجعلك) بتلك الترهويجة الموسيقية لكمنجة رضا القلعي ..بين المقطع والاخر ..اصبحت اذني تلتقط وتهتم بنوع من حب الاستطلاع لمنظومات موسيقية جديدة ..كانت تقتوقات عبدالحليم اولها (بتلوموني ليه .. باحلم بيك ..في يوم في شهر في سنة …) وكنت احاول ترديد بتلوموني ليه مع اختي الصغرى فكرية اطال الله عمرها … كنت اكبرها باربع سنوات وكنت آمرها بان تردد معي تلك الجملة الموسيقية القصيرة التي تاتي مباشرة بعد عبارة بتلوموني ليه ..ولانها كانت في صغرها ‘لا تدبش لا تنبش’ منتهى العقالة لحد السذاجة، كانت تتوفق احيانا في مواكبة نسق الجملة الموسيقية واحيانا يضيع نسق فكرية المسكينة ..اقول مسكينة لانني لا اتوانى لحظة واحدة عن عقابها ضربا بالارجل متى لم تكن متناغمة مع طربي وانشادي … شفتوني قداش خايب منذ طفولتي ..؟؟؟

كما كانت تشدني بعض اغاني فايزة احمد العائلية (بيت العز وحبيبي يا خويا) او صباح اونجاة الصغيرة ايضا …لكن ابدا ان جلبتني ام كلثوم او عبدالوهاب او فريد او اسمهان …حتى حدث ذات يوم ان زارت امرأة عمي لطيفة رحمها الله ابنة اخيها وصديقتها السمراء والحلوة جدا (وفقط) ما اخيب نيتكم ….ودندنتا باغنية الكبير عبدالوهاب (النهر الخالد) يومها تجمدت وانا استمع لهما تنشدان بطرب “سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل” …لم افهم شيئا يومها لم افهم شيئا ….لا عن النخيل … ولا عن الشاطئ ..ولا على الريح …فقط عندما كبرت عرفت ان الشاطئ والنخيل والريح العازفة لوحة لا يعرفها الا من يحس بجمال الله اولا وبجمال ما خلقه وبجمال الجمال … وفهمت ايضا وعن وعي ان الفنان عموما والكبير عبدالوهاب خاصة، يستطيع ان يشد سمع الانسان بعمق ابداعه وبحسه الفني الرهيب وساعود يوما الى هذه الفلتة الموسيقية في ورقات قادمة …

في تلك العطلة المدرسية تعلمت ايضا السرقة والكذب …. نعم كانت امي كلما دعتني لقضاء بعض حوائجنا من حانوت صالحة (هكذا كان يسمّى) وعرفت بعد سنوات ان صاحبه العبوس دائما والصعب المراس مع كل حرفائه والذين يتأففون من هذا التاجر الذي لا يستحق لقب تاجر فالتجارة فن … التجارة منذ القدم “لسيّن يغزل الحرير” او لا تكون … وهذه عشتها في سوريا سنة 96 عندما كنت في بعثة دراسية تابعة للاتحاد العربي للاذاعة والتلفزيون .السوري حماه الله وفرّج كربه من المتآمرين عليه في الداخل والخارج لضمان امن اسرائيل لا غير، ولتفتيت سوريا حتى لا تعود الى عزتها ومجدها الا بعد عشرات السنين من اعادة البناء …وما يقال عكس ذلك هو اما مشي في قطيع السياسيين او غباء، او خبث سياسي انتهازي بامتياز ..عودوا الى مقال كتبته بعد غزو العراق مباشرة ونشرته في جريدة الشروق، وقلت في خاتمته ان سوريا هي الهدف المقبل ..لا ادعي لا النبوّة ولا العبقرية في استقراء المستقبل، ولكن هو منطق الاشياء فقط والذي لا يستحق ذكاء خارقا لقراءة واقع سوريا وكل البلدان المجاورة لاسرائيل…

ويكفي في هذا الباب ان نتساءل سؤالين فقط… اولهما: من المستفيد مما يحدث في سوريا؟ ..ولا اجابة باستثناء اسرائيل وبلاش بطيخ وخاصة بصل وخروع …وبلاش تفسيرات اخرى… ومن يتحدثون عن دكتاتورية بشار عليهم اولا ان يعتنوا بـ”خمجهم” وعفنهم اذ كيف لقطر والسعودية ان تتحدثا عن ديموقراطية سورية، وهما اللتان لا احزاب في بلديهما… وتاريخهما يعج بالاغتيالات وبتسميم الاخ لاخيه والابن لابيه ….ثم السؤال الثاني، لو كان رأس بشار هو المطلوب اما كان بامكان امريكا وحلفائها الإقدام على خلعه في ساعة من الزمن ..؟؟ تركيا وقطر والسعودية والنصرة والمعارضة المعتدلة وغير المعتدلة والاكراد وما يسمى بالدولة الداعشية وروسيا وامريكا واوروبا وايران وحزب الله… الجميع دون استثناء وجدوا في سوريا ملعبا لهم ولاهدافهم، كل يغنّي “باحلم بيك” …وهناك قاعدة تاريخية تقول ان الاحلام الخبيثة لا تخلّف الا الكوابيس وارجو من الله ان نعيش يوما نرى فيه كوابيس مدمرة لاعداء سوريا …سوريا الجذور سوريا المجد سوريا التاريخ ..ومن تاريخ سوريا ان دمشق كانت ثاني اقدم عاصمة تجارية عبر التاريخ بعد “اريحا” وهكذا التجار او لا يكونون ..

في تلك الزيارة لدمشق عام 1996 بلاد الجمال والامن والامان (سماح برجالهم بنساهم والله) كنا ندخل لاي حانوت لاية مغازة نقلبها راسا على عقب وقد لا نشتري شيئا منها احيانا … وببشاشة الدنيا يجيب صاحبها “ولك شو يا حبيبي ما عجبك شيء” ؟؟؟ … كنا نظن خاصة وانهم يصيحون عندما يتكلمون تماما كما ترونهم في مسلسل “باب الحارة” كنا نظن انهم غاضبون منّا ومن بعثرتنا لحوانيتهم ..ولكن سرعان ما يضيفون: “ولا يهمك زينة ان شاء الله” … يقتلونك بببشاشتهم مرة اخرى رجالا ونساء ..تصوروا اننا كنا نحن مجموعة المشاركين العرب في تلك الدورة التكوينية، نراهن بعضنا البعض على رؤية امرأة سورية غير جميلة في شوارع دمشق …ويخسر من لا يراهن على الجمال ..

وفي المقابل عندما زرت القاهرة سنة 1988 في كاس افريقيا للكرة الطائرة التي شارك فيها “السي اس اس” (على فكرة على حساب جريدة الاعلان التي كنت اعمل بها) ..لاني لم اخرج اية مرة على حساب النادي رغم العروض المقدمة من قبل مسؤوليه والذين كنت اقول لهم دوما شكرا على الحركة، ولكن ساتركها لمن يترصد مثل هذه الرحلات من ثقب الابرة وما يشبعش هل من مزيد وما اكثرهم …عند زيارتي المهنية للقاهرة كنا نتراهن على وجود امرأة جميلة في الشارع المصري وكانت نتيجة رهاننا بعد ثلاثة اسابيع من البحث الدقيق ان النساء الجميلات في القاهرة موجودات فقط في المسلسلات والافلام المصرية (اربع كعبات وهز ايدك من المرق لا تتحرق)…

اعود الى صاحب حانوت صالحة تاجر حومتنا الاقرب إلى منزلنا (قرابة الكيلومتر) العبوس الصلف، لاكتشف بعد سنوات ان زوجته تدعى صالحة وانه كان لا يساوي شيئا امام جبروتها… وان ما يقوم به مع الحرفاء هو تعويض له كرجل “طلطول في منزله” ..قضاء ما نستحقه اما من ملح او سكر او بنّ للقهوة كنت انا الذي اتكفل بشرائه وامي لا تمانع في ذلك باعتبار خفة وزنه ….واغتنمت تسلم مقاليد وزارة التجارة (علاه الوزراء اللي شدوها بعد نكبة 14 جانفي خير منّي ؟؟؟)، اغتنمت تسلم مقاليد تلك الوزراة كي اكذب واسرق …(علاه يخخي جل الوزراء بعد نكبة 14 جانفي وفي جل القطاعات ماهمش سراق ؟؟ ان لم يكن بالمعنى المادي فبالمعنى السياسي) ….

ولكن حتى السرقة لها فنونها وجنونها .. ياااااااااااااااااااااااااااه ماذا تساوي حياتنا عموما دون فنون او جنون …؟؟؟ ع …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 113

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الكريم قطاطة:

من طباعي منذ كنت شابا انّ الله وهبني نعمة الصبر على كل شيء… وكان العديد من اصدقائي يغبطونني على (دمي البارد)… وعندما هرعت الى الله تعمّقت في داخلي القدرة على تحمّل كلّ المشاكل ومخلّفاتها… قد اكون واحدا من سلالة ايّوب، ولكن… واذا فاض كأس الصبر كما غنّى شكري بوزيان… واذا علا صوت ام كلثوم بـ (ما تصبرنيش ما خلاص انا فاض بيّ وملّيت)… وتختمها بـ(للصبر حدود يا حبيبي)… اردّ كأيّ بشر الفعل، لكنني كنت آخذ قراراتي ودائما باعصاب هادئة في ردّ الفعل…

عبد الكريم قطاطة

عندما اسرّت لي زميلتاي باذاعة الشباب بالحوار الذي دار بينهما وبين مديري سي عبدالقادر الله يرحمو… وفهمت انّ حدسي كان في محلّه بالشكّ في نواياه بعد الجلسة الصلحية مع زميلي الصادق بوعبان… تكسّر كأس الصبر… والكأس اذا تكسّر يستحيل لمّ شتاته…. ايقنت ان لا فائدة تُرجى من ايّ صلح بل وقررت ان تكون الحرب معه… اكاهو… وعليّ ان استعدّ لاوزارها… وليضحك كثيرا من يضحك اخيرا… انتهت السهرة الخاصة بتكريمي مع زميلتيّ وكانتا سعيدتين بها شكلا ومضمونا وعدت الى بيتي لاخطّط لحرب فعلية مع مديري…

وفي الصباح الباكر ذهبت لمكتبه… سلّمت عليه وسألته هل استمع الى حصّة التكريم البارحة… اجابني بالايجاب بل وشكرني على كلّ ما قلته في تلك السهرة… سالته باستعباط هل صدر منّي كلام او تعليق في غير محلّه لايّ كان؟.. اجابني: (ابدا ابدا، يخخي انت جديد عليّ نعرفك معلّم) … كنت جالسا فنهضت واقفا امامه واضعا كفّي يديّ على طاولة مكتبه وكأنّي تحوّلت من لاعب وسط ميدان الى مهاجم صريح وقلت له: (انا طول عمري كنت راجل معاك رغم كل الاختلافات والخلافات… ولم اقل في ظهرك كلمة سوء لكن وللاسف الذي حدث امس بينك وبين زميلتيّ في اذاعة الشباب ونُصحك اياهما بتغييري كضيف لهما اكّد بالدليل القاطع انّو بقدر ما انا كنت راجل معاك انت ما كنتش…..)

نعم هي كلمة وقحة ولكنّي قلتها لانّو فاض كاس الصبر… اندهش مديري منّي وانا اتلفّظ لاوّل مرّة بكلمة لا تليق به وقال لي: انت غلطت في حقّي راك.. قلت له: اعرف ذلك وانا جئت اليوم لاثبت لك اني ساعلن الحرب عليك ..ودون هوادة .. وصحّة ليك كان ربحتها وخرجتني قبل التقاعد مثلما قلت ذلك مرات عديدة، اما صحّة ليّ انا زادة كان خرجتك قبل التقاعد… وباش تعرف رجوليتي معاك ثمشي واحد يعلن الحرب على الاخر ويجي ويعلمو بيها ..؟؟ اذن اعتبرني من اليوم عدوّا لك ولكن ثق انّ الحرب بقدر ما ستكون شرسة بقدر ما ستكون من جانبي شريفة بمعنى ـ وربّي شاهد عليّ ـ لن الفّق لك ايّة تهمة لكن سافضح كلّ اعمالك)…

ولم انتظر اجابة منه… غادرت مكتبه وعزمت على التنفيذ… اتّصلت بالعديد من الزملاء الذين تضرروا من تصرفات مديري وسالتهم هل هم مستعدون للادلاء بشهادتهم كتابيا؟؟.. ولبّى العديد منهم طلبي… دون نسياني كتابة تقرير ل بكلّ ما حدث منذ قدومه على رأس اذاعة صفاقس… وللشفافية، كان هنالك ايضا تقرير على غاية من الاهمية وفي ثلاث ورقات كتبته احدى سكريتيراته وبتفاصيل مرعبة بعد ان ذاقت منه الويل… واعتقد انّ ذلك التقرير لعب دورا هاما في قرار اصحاب القرار…

اذن اصبح عندي ملفّ جاهز يحتوي على 30 ورقة ولم افكّر بتاتا في ارساله لا الى رئيس المؤسسة ولا الى ايّ كان… كان هدفي ان ارسله رأسا الى رئيس الدولة دون المرور عبر الرجل النافذ في الاعلام انذاك السيّد عبدالوهاب عبدالله الذي اعلم انه يكنّ لمديري ودّا خاصّا… وهذا يعني اذا يطيح بيه يبعثو لمؤانسة اهل الكهف (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)… وكم هو عدد الكلاب في حاشية الحكّام… لكن كيف يمكن لي ارسال الملفّ على الفاكس الشخصي للرئيس بن علي؟ ووجدت الحلّ (عليّ وعلى هاكة الناقوبة)… الناقوبة هي كنية لزميل يعمل في الصحافة المكتوبة وماشاء الله عليه في اجندا العلاقات… نعم مع الولاة مع الوزراء مع عدد لا يُحصى… تذكّرت وانا ابحث عمن يوصلني الى الفاكس الشخصي لرئيس الدولة…

تذكرت ذلك الناقوبة وتذكرت خاصة يوم زفافه… كنت يومها ممن حضروا حفل زفافه، خاصة انّ علاقتي به كانت من نوع علاقة الاستاذ بتلميذه… اذ هو ومنذ كان طالبا كان من مستمعيّ وعندما بدأ يخربش اولى محاولاته في الكتابة الصحفية مددت له يدي وشجعته … ولكن في اجندا العلاقات تفوّق الناقوبة التلميذ على استاذه… وللامانة حمدت الله على انّ اجندة العلاقات في حياتي سواء العامة او المهنية خلت من مثل اولئك الكبارات، هكذا يسمّونهم… ولكن وحسب ما عشته، قليل منهم من يستحق لقب الكبير…

يوم زفاف ذلك الناقوبة اشار اليّ من بعيد وهو بجانب عروسه كي اتوجّه اليه… توجهت لمنصة العروسين واقتربت منه فهمس في اذني (ماشي نوريك ورقة اقراها ورجعهالي) .. ومدّ اليّ تلغراف تهنئة لزفافه وبامضاء من؟… بامضاء زين العابدين بن علي… رئيس الجمهورية… الم اقل لكم انه باش ناقوبة ..؟؟ اذن عليّ به ليصل الملفّ الى الفاكس الشخصي للرئيس بن علي… بسطت له الفكرة وبكلّ برودة دم ووثوق اجابني: هات الملفّ وغدوة يوصل للرئيس وفي فاكسه الشخصي…

كان ذلك وسط شهر جوان ..ولم يمض يومان حتى هاتفني المرحوم كمال عمران المدير العام للقنوات الاذاعية ليقول لي: (يا سي عبدالكريم الملفّ الذي ارسلته للرئيس بن علي احاله لي شخصيا وكلفني بالقيام بابحاث مدققة مع جميع الاطراف وانت واحد منهم… ما يعزش بيك هذا امر رئاسي وعليّ تنفيذه)… اجبت على الفور: (وعلاش يعزّ بيّ؟.. ونزيد نقلك اكثر ما نسامحكش قدام ربّي اذا تقول فيّ كلمة سمحة ما نستاهلهاش)… وانتهت المكالمة وقام السيد كمال عمران رحمه الله بدوره كما ينبغي مع الجميع وللامانة ليست لي ايّة فكرة عن تقرير السيّد كمال عمران الذي ارسله للرئيس بن علي…

وما ان حلّ الاسبوع الاوّل من شهر جويلية حتى صدر القرار…ق رار رئيس الدولة باقالة السيّد عبدالقادر عقير من مهامه على راس اذاعة صفاقس وتعيين السيد رمضان العليمي خلفا له… يوم صدور القرار ذهبت الى مكتب سي عبدالقادر واقسم بالله دون شعور واحد بالمائة من خبث الشماتة… استقبلتني سكرتيرته زميلتي فاطمة العلوي ورجوتها ان تعلن للسيد عبدالقادر عن قدومي لمقابلته… خرج اليّ مديري الى مكتب السكرتيرة… سلّم عليّ ولم اتركه للضياع وقلت له : (انا ما اتيتك شامتا ولكن اتيتك لاقول لك انّ قرار اقالتك انا عملت عليه وانا الذي ارسلت الى الرئيس ملفا كاملا حول تصرفاتك ويشهد الله اني لم افترِ عليك بتاتا… الآن جئت لاودّعك ولأتمنى لك الصحة ولاقول لك انا مسامحك دنيا وآخرة…

عانقني سي عبدالقادر والدموع في عينيه وقال لي: (انت هو الراجل وانا هو اللي ما كنتش راجل معاك وربي يهلك اصحاب الشرّ)… غادرت المكان وتلك كانت الحلقة الاخيرة مع السيد عبدالقادر عقير رحمه الله وغفر له… سامح الله ايضا الشلّة التي عبثت بالمدير وبمصلحة اذاعة صفاقس وبالعديد من الزملاء… وهذه الفئة ذكرها الله في القرآن بقوله عنها (الملأ) ووُجدت في كل الانظمة عبر التاريخ وستوجد حتى يوم البعث… انها شلّة الهمّازين واللمازين والحاقدين والاشرار وخاصة ذوي القدرات المحدودة فيعوّضون عن ضعفهم وسذاجة تفكيرهم بنصب الفخاخ للاخرين وبكلّ انواع الفخاخ…

انهم احفاد قابيل…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 112

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في علاقتي بالاشخاص عموما كنت ومازلت اعطي اهمّية قصوى لنظرة العيون… لا ادّعي فراسة كبيرة في ذلك لكن ربما هو بعض مما جاء في اغنية الكبير محمد عبدالوهاب (حكيم عيون افهم في العين وافهم كمان في رموش العين)… طبعا مع بعض الاحتراز على كلمة حكيم…

عبد الكريم قطاطة

فقط نظرة العيون في مراحل عديدة من حياتي وفي علاقاتي كانت النافذة الاولى للتعرّف احساسا على ما تحمله تلك العيون من صدق او نفاق او من مواقف باهتة لا روح فيها… يوم التقيت مع زميلي وصديقي الصادق بوعبان ونظرت الى عينيه احسست بامرين… الاول انّ الصادق كان صادقا في إقدامه على محاولة الصلح بيني وبين مديري… والامر الثاني وهذا ما حدث بعد ذلك في اللقاء، انه اراد ان يكون محتوى لقائنا بعيدا عن التصعيد منّا نحن الاثنين… وقبل ان نجتمع رجاني (بالكشخي) قائلا: خويا عبدالكريم رجاء ما تصعّدش، وساقول نفس الشيء لسي عبدالقادر … اجبته: داكوردو اما بشرط انّو سي عبدالقادر يتحدّث عنّي باحترام ولا يفتري عليّ… طمأنني سي الصادق وذهب لمقابلة مديري في مكتبه قبل اللقاء الثلاثي…

بعد ربع ساعة تقريبا هاتفتني كاتبته في تلك الفترة (الزميلة فاطمة العلوي) بالقول: سي عبدالقادر يحبّ عليك في بيروه… فاطمة هي السكرتيرة الرابعة للمدير بعد ان قام بطرد ثلاث قبلها… وميزة فاطمة انها كانت تعمل مع رئيسها بكلّ انضباط واخلاص… وانا احترم هذه النوعية من السكرتيرات، وللامانة كذلك كانت سكرتيرتي وزميلتي سامية عروس بمصلحة البرمجة وزميلتي وسكرتيرتي نعيمة المخلوفي رحمها الله بمصلحة الانتاج التلفزي، كانتا في منتهى الوفاء والاخلاص لي رغم كلّ الاغراءات التي سلّطت عليهما ليكونا (صبابّة) لاعوان المدير …

دخلت مكتب المدير، صافحته بادب واحترام وبدا زميلي الصادق بخطابه متوجها لنا الاثنين… خطابه كان منذ البداية واضح المعالم ومبنيّا على عنصرين مفصليّين اولهما الاشادة بمحاسن كل واحد فينا وحاجة اذاعة صفاقس لكلينا… والعنصر الثاني تحاشي الجدال في كلّ ما وقع بيننا اذ لا طائل من ورائه… وكانت اخر كلماته وهو يتوجه لنا هل انتما مستعدان لطيّ ملفّ الماضي وفتح صفحة جديدة من اجل مصلحة الاذاعة لا غير؟.. وطلب مباشرة موقف مديري من رجائه كوسيط بيننا… سي عبدالقادر ودون تردّد كانت اجابته كالتالي: والقرآن الشريف ومنذ هذه اللحظة انا طويت صفحة الماضي وفتحت صفحة جديدة مع سي عبدالكريم… استبشر خويا الصادق بهذا الامر وقال لي: اشنوة رايك خويا عبدالكريم؟ صمتُّ للحظات وقلت: ارجو ذلك ان شاء الله…

لماذا كان ردّي مختصرا للغاية وفيه نوعا ما من الشكّ في ما قاله مديري ؟ اجيبكم… هل تتذكّرون ما قلته لكم في بداية الورقة حول نظرة العيون ؟؟ نعم كنت طوال الجلسة الثلاثية انظر واتفحّص جدا عينيْ مديري… نعم انّ بعض الظنّ اثم … ولكنّ نظراته لم تكن مُريحة وهو اقلّ ما يُقال عنها… تصافحنا جميعا وتمنّى لنا زميلي الصادق بوعبان تكليل محاولته الصلحية بالنجاح… وغادرت معه مكتب المدير وما ان ابتعدنا عن مكتبه حتى قال لي الصادق: علاش نحسّ بيك شاكك في نوايا سي عبدالقادر ؟ قلت له حدسي لم يرتح له وارجو ان يكون حدسي كاذبا…

ودّعت الصادق وذهبت الى مكتبي بوحدة الانتاج التلفزي… لم البث اكثر من ربع ساعة حتى اعلمتني سكرتيرتي نعيمة رحمها الله انّ منشطتين من اذاعة الشباب جاءتا لمقابلتي… استقبلتهما بكلّ حفاوة ويا للمفاجأة… اتضح أنهما مستمعتان ومراسلتان لعبدالكريم في برامجه منذ اكثر من 15 سنة… واليوم اصبحتا زميلتين في اذاعة الشباب… عبرت لهما عن سعادتي وفخري بهما وطفقتا تطنبان في فضلي عليهما حتى في اختيارهما لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بعد الباكالوريا تاثّرا بي وبرسالتي الاعلامية… وبلّغتاني تحيات بعض اساتذتهما لي وتقديرهم لمسيرتي المهنية (عبدالقادر رحيم، منصف العياري ، رشيد القرقوري، الصادق الحمامي…) وبعد يجي واحد مڨربع مللي قال فيهم المتنبي وهو يهجو ذلك الكافور المخصي (وقدره وهو بالفلسين مردود) ويقلك اشكونو هو عبدالكريم واش يحسايب روحو ؟؟ اي نعم هذا ما تبوّع به البعض عنّي… واقسم بالله اقول مثل هذا الكلام واخجل منكم جميعا لانّي لا احبّ والله ايضا لا يحبّ كلّ مختال فخور…

انا لم ادّع يوما انّي فارس زمانه الذي لا يُشقّ له غبار… لكن على الاقلّ اجتهدت وعملت ليلا نهارا وتعبت وكان ذلك في فترات طويلة على حساب زوجتي وعائلتي وارجو منهما ان يغفرا لي… وما قمت به في اذاعة صفاقس كان واجبي ولا انتظر عليه لا جزاء ولا شكورا… اما توجع وقت تجيك من انسان مديتلو اليد واحطت بيه ووقفت معاه وعلى مستويات عديدة وهو اصلا لم يصل الى مرتبة خُمُس منشط او هي لم تصل ثُمُن منشّطة، ويتجرّا يقول تي اشكونو هو عبدالكريم واعيد القول انا اوثّق للتاريخ لكن انا مسامحهم دنيا واخرة …

اعود للزميلتين من اذاعة الشباب طلبتُ منهما كيف استطيع خدمتكما في ما جئتما من اجله… ابتسمتا وقالتا جئنا من اجلك يا استاذنا… ولغة اعيُنهما كشفت لي عن حديث او احاديث لهما رايتها بقلبي قادمة في الطريق… ولم تخذلني مرة اخرى لغة العيون اذ عبّرتا عن سعادتهما بانّ ادارة اذاعة الشباب وافقت على سهرة خاصة من استوديوهات اذاعة صفاقس يقع فيها تكريم الاعلامي عبدالكريم قطاطة وموعد السهرة هو الليلة من العاشرة ليلا الى منتصف الليل… شكرت لهما حركتهما النبيلة معبّرا عن سعادتي وشرفي بنزولي ضيفا على مستمعتيّ… زميلتاي شكرتاني على كلّ شيء واستأذنتا الذهاب لمديري لشكره على منحهما استوديو وفنّيا لاتمام المهمة وودّعتاني على امل اللقاء في الموعد في الاستوديو… اي العاشرة ليلا لذلك اليوم …

الساعة انذاك كانت تشير الى منتصف النهار… كدت اغادر المكتب للعودة الى منزلي (واللي فيه طبّة عمرها ما تتخبّى، وين المشكل مادامني معروف عند مديري بعدم الانضباط في القدوم الى الاذاعة و في مغادرتها ؟؟ خاصة ونحن اليوم ومنذ سويعة ونصف بدأنا صفحة جديدة في علاقتنا… وبالقرآن الشريف زادة… لكن كان هنالك حبل سرّي خفيّ شدّني الى مقعدي في مكتبي… احسست بنوع من الانقباض لم ادر مأتاه… استعذت من الشيطان دون ان اغادر مكتبي… وماهي الا عشر دقائق حتى عادتا اليّ زميلتا اذاعة الشباب وعيونهما توحيان بامر ما قد حدث… كانتا واجمتين وصمتهما كان ثقيلا ايضا ولكنّه كان يحمل اشياء وسترون كم هي ثقيلة ايضا…

تقدّمت احداهما وهي ماسكة شجاعتها بيديها كما يقول المثل الفرنسي وسالتني… يخخي ما زلت متعارك مع سي عبدالقادر عقير مديرك ؟؟ قلت بهدوء وبكثير من الرصانة: لا في بالي توضحت الامور منذ هذا الصباح وطوينا صفحة الماضي ..وسالتهما: يخخي صارت حاجة بينكم وبينو توة وقت شفتوه ؟؟ نتبادلتا النظر وكأنّ كلّ واحدة تقول للاخرى (ايّا قللو اشنوة اللي وقع.. تي اتكلّم يا سخطة انا والله لتو لفهمت شيء)…تكلمت احداهما وقالت (شوف يا سي عبدالكريم انت عزيز علينا ومكانتك ما ياخذهاش لا سي عبدالقادر ولا غيرو… احنا طول عمرنا يستحيل ننساو فضلك علينا ولهذا نحكيلك شنوة اللي وقع بالضبط مع سي عبدالقادر… هو استقبلنا بكل حفاوة وترحاب وعندما اعلمناه بما نحن عازمتان عليه لتكريمك تغيّرت ملامح وجهه وسالنا يخخي لازم ضيفكم يكون سي عبدالكريم ؟ انا مستعد نوفرلكم اي منشط او منشطة عوضا عنه وانا راهو نحكي في مصلحتكم ومصلحة برنامجكم… انتوما تعرفو سي عبدالكريم من عيوبو انو سليط اللسان واشكون يعرف يقولشي حاجة او بوحاجة.. ويخليكم في ورطة… انا نعاود نقوللكم راني حريص انو برنامجكم يتعدّى من غير مشاكل…. فردّت عليه احداهما: احنا راهو جايين خصوصي لبرنامج الهدف منو تكريم استاذنا الاعلامي الكبير سي عبدالكريم اللي علّمنا فيما علّمنا تحمّل مسؤولية افعالنا وقراراتنا…

انذاك وحسب ما اضافته الزميلتان احسّ السيّد عبدالقادر عقير بخطورة ما قاله وكاّنه يقول اش عملت اش عملت… وفي رواية اخرى جمرة وطاحت في الماء، ولسان حاله يتساءل زعمة جيت نطبّها عميتها؟؟… ورجانا (تواصل الزميلة الشابة) ان لا نذكر لك ما حدث… تذكرتوها هاكي الخاتمة متاعو في لقائنا الصباحي وفي نفس يوم قدوم زميلتيّ من اذاعة الشباب مع الزميل الصادق بوعبان (والقرآن الشريف صفحة جديدة بداية من اليوم مع سي عبدالكريم)؟؟؟… ربي يسامحك ويغفرلك خويا عبدالقادر …

ومع مطلع جانفي 2025 اي غدا* ستكون الحلقة الاخيرة في الورقة 113 من حكاياتي مع مديري سي عبدالقادر . رحمه الله وغفر له كلّ شيء… و كتهنئة بحلول سنة 2025 ادعو للجميع بهذه الدعوة (الامن والامان لتونس العزيزة لفلسطين المحتلة وهي في قلب محنتها مع اعدائها من الداخل والخارج … لكلّ الشعوب الشقيقة والصديقة ولكلّ انسان لم يمُت في داخله الانسان ..الله لا يحرمكم من السلام الروحي في هذه السنة الجديدة… صدقوني انها من اعظم نعم الله)…

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المقال منشور لأول مرة في 31 ديسمبر 2024

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 111

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في مارس 2003 وكما ذكرت في الورقات السابقة انغمست انغماسا كلّيا في التعرّف على ديني… وبعد اشهر فهمت قول خالقي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُون)…

عبد الكريم قطاطة

نعم فهمت انّ خالقي اراد ان يعوّضني في تلك الفترة عن ما عشته من تجاذبات ومشاكل لا حصر لها مع مديري انذاك سامحه الله وغفر له… ورغم انّي غادرت مصلحة البرمجة كرئيس لها وغادرت قبلها المصدح رغم عشقي الكبير له ووقعت تسميتي على رأس مصلحة الانتاج التلفزي، لكنّ كلّ ذلك حزّ في نفسي وبكلّ ألم… الاذاعة والمصدح كانا بالنسبة لي عشقا لا يوصف… لكنّ الله اجابني وانا اطّلع على قرآنه العظيم بالقول (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) اذ انّ نقلتي مكنتني اوّلا من الاقتراب من خالقي ومكنتني كما ذكرت من سلام روحيّ داخلي عوّض عليّ كلّ ما اعتبرته خسارات…

وبقيت منذ مارس 2003 حتى يوم 23 اكتوبر من نفس السنة في قطيعة تكاد تكون كلّيا مع مديري… هو على حالو وانا على حالي لا واحد يجي على ساحة لوخر… يوم 23 اكتوبر 2003 مدّتني سكرتيرتي بظرف يحمل شيئا من مديري… فتحته فوجدت فيه السيد عبدالقادر عقير يستجوبني عن الاسباب التي جعلت من وحدة الانتاج التلفزي لا تنتج… في البداية اعتبرت انّ تساؤله مشروع جدا واجبت مفسّرا ذلك يثلاثة اسباب… السبب الاول انّ الوحدة لا تملك ضمن العاملين بها فريق اخراج اي على الاقلّ مخرجا وكاتبة مخرج… والانتاج طبعا يتطلب حتمية وجود هذين الاختصاصين… السبب الثاني انّ وحدة الانتاح غير مدرجة ماليا في ميزانية اذاعة صفاقس فكيف يمكن لها ان تؤمّن حتى الحدّ الادنى من نفقات الانتاج؟… والسبب الثالث انّي توجهت الى رئاسة المؤسسة بتقرير كامل عن وضعية وحدة الانتاج منذ الاسبوع الاول من مباشرة مهامي على رئاسة مصلحة الانتاج بها، لكن لا حياة لمن تنادي… و لتلك الاسباب اقتصرت اعمال الوحدة على بعض الريبورتاجات الاخبارية او نقل بعض المباريات الرياضية…

وتصورت انّي بردّي هذا اغلقت الملفّ… لكن ما ان حلّت سنة 2004 وبالتحديد في 3 فيفري حتّى مدّني الزميل الشاذلي الغريبي رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية بنسخة من مراسلة ادارية وصلته من السيّد المدير مضمونها الآتي حرفيّا: من مدير اذاعة صفاقس الى رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية …الموضوع حول مواظبة مسؤول… أما نصّ المراسلة فيقول: (وبعد… فانّ بعض المسؤولين يعمدون الى عدم احترام التوقيت الاداري، من ذلك انّ السيّد عبدالكريم قطاطة رئيس مصلحة الانتاج التلفزي يعمد الى الالتحاق بعمله متاخّرا ومغادرته له مبكّرا… ادعوكم الى وضع مواظبته تحت المراقبة وموافاتي اسبوعيا بتقرير مفصّل في الغرض وخصم ما يجب خصمه من رصيده في الاجازات السنوية والسلام)…

اشنوة معناها؟ تقولشي مجرم خطير يجب ان يوضع في غوانتنامو وتحت حراسة مشدّدة زادة… تتذكروا اني في ورقة ما، قلتلكم علاقتو بيّ منذ خلافنا معا يمكن تلخيصها في (قاتلك قاتلك) ؟؟.. هاكي هي … اذن هذا يعني انّ المدة الماضية كانت استراحة محارب فقط… بل والانكى انّ احد الزملاء اسرّ لي بانه توعّدني بالقول (والله اللي ما نخرّجو من الاذاعة قبل التقاعد)… للامانة وقتها لم اردّ الفعل بتاتا الم اقل لكم انّ الايمان العميق يمنحنا السلام الروحي؟… بل عندما اسرّ لي احد الزملاء بقسمه ذاك ضحكت وقلت له بالحرف الواحد: الله وحده هو من يُحيي ويُميت… وقررت وابتعادا عن مزيد من المشاحنات وتعكير الاجواء ان اتقدّم برخصة مرض لمدّة شهر علّني اُريح واستريح… وكان ذلك…

نعم لم اكن مريضا ولكن تعاطف الطبيب الذي هو يوما ما، كان احد مستمعيّ وواكب مسيرتي بهضابها وسهولها، لم يتأخّر لحظة واحدة في مدّي بتلك الرخصة المرضية لمدة شهر كامل… بل وابى بشكل بات ان يأخذ منّي ايّ ملّيم مقابل كشفه… وسلّمت الشهادة الطبية للمصلحة المالية والادارية تجنبا للقاء مديري في تلك الظروف… ولبثت في منزلي لا اغادره الا لشرب قهوة سريعة والعودة اليه… وفي اليوم الثالث من اعتكافي فوجئت بجرس المنزل يدقّ… خرجت لاستطلاع الامر فاذا به رجل محترم يقدّم لي شخصه كطبيب مرسل من ادارة اذاعة صفاقس للقيام بما يسمّى الفحص المضادّ حتى يقوم بعده بكتابة تقريره الطبي لادارة اذاعتي… ضحكت بكلّ هدوء وقلت له تفضّل وقم بعملك… كان صوتي الداخلي يقول (اكتب يا حسين انا متيقن من النتيجة)…

وتوجهت ادارة اذاعة صفاقس بمراسلة لرئاسة المؤسسة مرفوقة بتقرير الفحص المضادّ وكانت النتيجة ان رفضت المؤسسة رخصة مرضي وإن منحتني الحقّ في 13 يوما خُصمت مما تبقى لي من عطلتي السنوية وكذلك خصمت 17 يوما من مرتّبي الشهري… قبلت القرار بصدر رحب وقلت في نفسي وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير ولكم… والحمد لله بفضل صبر عائلتي وتآلف البعض من اهلي واصدقائي لم ابت وعائلتي ليلة واحدة وفي كلّ ازماتي مع مديري الاذاعة، دون عشاء… وصبرت على كلّ المحن… لكنّ مديري رحمه الله وغفر له واصل سلوكه معي ودائما من صنف قاتلك قاتلك… ومما زاد ألمي وحزني انه وعندما انتقلت عيادة الى جوار ربها يوم 30 مارس 2004 هو لم يكتف فقط بعدم زيارته لي لتقديم التعازي بل كلّف البعض بتسجيل اسماء كل من يحضر موكب العزاء… هم كانوا في نظره خونة له وانصارا لعبدالكريم …

ولعيّادة طبعا حضور مؤكّد في ورقتي القادمة… ايماني العميق بالله وبقضائه واقداره وبكل امانة كانت رافدا لصبري في فقدان عيادة رحمها الله… ولكن ألمي بعد فقدانها اوعز لديّ رغبة شديدة في اطلاع رئيس المؤسسة على كلّ ما عانيته… فكان ان قررت ارسال مكتوب لرئيسها انذاك اعلمه فيه بكلّ ما حدث مع مديري منذ توليه ادارة اذاعة صفاقس بحلوها ومرّها… والله يشهد على انّي لم اكذب عليه اطلاقا… واكّدت له انّي رئيس مصلحة الانتاج التلفزي على الورق فقط… وأن كلّ مكاتيب المدير لوحدة الانتاج التلفزي لا تصلني البتّة بل كان يرسلها لرئيس المصلحة التقنية… الاعداد التي يضعها رئيس المصلحة للمنضوين تحت مسؤولياته سواء المتعلقة بمنحة الانتاج او بالاعداد المهنية لم اعد مكلّفا بها… بل الادهى انّ اعدادي المهنية ومنذ كنت اشتغل في المؤسسة الأم في بداية السبعينات ورئيسي المباشر سي ابراهيم الغضاب اطال الله عمره شاهد على ما ساقول… اعدادي لم تنزل يوما عن 100 بالـ 100 .. لكن الآن ومنذ تعكّرت علاقتي بمديري سي عقير، اصبحت اعدادي المهنية من هواة الهبوط ودون باراشوت… الى ان وصلت الى 80 بالـ 100…

المكتوب كان طويلا ومطوّلا ولكن اردت من خلاله ان اقول لرئيس المؤسسة مادمت لا اقوم بايّ عمل في مصلحة الانتاج التلفزي فما الفائدة من وجودي هناك؟ اليس الاجدى تعيين زميل في مكاني حتى تستفيد الوحدة منه؟ واقسم بالله اني كنت صادقا في ذلك… للامانة ليست لي ايّة فكرة عن كيفية تعامل الرئيس المدير العام مع مراسلتي تلك… ولكن فوجئت يوما بالزميل والصديق صادق بوعبان يكلمني هاتفيا ويطلب منّي ان اقبل رجاءه والمتمثل في تدخله بيني وبين مديري كواسطة خير لرأب ما تصدّع… وقال انه مستعدّ للمجيء إلى صفاقس للقيام بهذه المحاولة شريطة ان يتلقّى موافقتي… الزميل الصادق بوعبان عرفته منذ عملنا معا في جريدة الأيام وعرفته كمنشط في اذاعة المنستير وعرفته عندما اشتغل بالمؤسسة الأم مديرا لقناة 21 ثم للتلفزة الوطنية الاولى… ليس بيننا سوى الودّ والاحترام وبيننا ايضا تقاطعات في عديد الافكار والمواقف…

ضحكت ضحكة مختصرة وصمتّ قليلا… فاردف خويا الصادق بالقول: (انا نعرفك ونفهمك اما اشنوة خاسرين كيف نعملو محاولة صلح؟ انت صديقي وسي عبدالقادر صديقي وانا نحبّ نصلّح بيناتكم)… قلت له (خويا الصادق رغم اني مانيش متفائل برشة بالنتيجة متاع القعدة، اما مرحبا بك طلبك غالي)… واتفقنا على اليوم والتوقيت… وجاء ذلك اليوم وشرفني زميلي الصادق بزيارته وكان اللقاء الثلاثي… نعم تمّ ذلك اللقاء ولكن ما تمّ بعده وفي نفس اليوم غيّر مجرى الاحداث تماما ..

يااااااه على اقدار الله ..نعم، قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا (سورة التوبة آية 51) …. لا تقلقوا كثيرا غدا باذن الله تتواصل الحكاية في الورقة 112… قولوا عاد ما نحبكمش ترا…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار