…العطلة الصيفية في بداية الستينات هي موسم لاشياء عديدة … جنى اللوز وتقشيره … جني الهندي وبيعه (السطل بـ5 مليمات) … تكسير اللوز واستخراج لبّه (الشكارة بمائة مليم) ولكن ايضا “العولة” وهذا يعني في مدينتنا احضار مؤونة كل ما يلزم لفصل الشتاء والخريف خاصة من كسكسي ومحمص وتشيش وبرغل ودويدة، وفي رواية اخرى الحلالم …
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
ياااااااااااااااااه ويني الدويدة؟… ويني اللكلوكة (خليط من زبيب مرحي ولوز مقلي وجلجلان) ..ويني عصيدة الطماطم ..وينو بازين بالمرقة ..وينو افيّم ملثوث بالخضرة .. وينو افيم حلالم ..وينو عبود الزميط والروينة.. وينهي الجردقة بالدهان.. ويني المرقة الزورية دون سمك .. ويني الدوارة الهجالة (بالخضر فقط) …مأكولات عديدة عوضتهاالسندويتشات والملاوي والبيتزا والسلامي والكفتة والاسكالوب والستاك والهم الازرق الكل … وهنا لا اتحدث عن الاذواق بل اتحدث عن المواد الاولية لصنع هذه الماكولات التي تعاصرنا الان والتي لا ندري مأتاها، رغم ان بعض “عثرات” المتفقدين تدلي ياشياء رهيبة عن كل الجرائم المرتكبة في حقنا وخاصة في حق ابنائنا صحيا ..ولان المتفقدين يسهل جدا القضاء على ضمائرهم في بلد اصبح بامتياز بلد الرشاوي، فاننا جميعا “نبلع السكينة بدمها” لاننا لا نعرف لا الجاني ولا حارسه الذي من المفروض ان يكون حارسنا نحن … لك الله يا تونس بعد نكبة 14 جانفي خصوصا …
من جهة اخرى وللامانة بعض الاطعمة الكلاسيكية التي ذكرتها وكادت تنقرض مازلت استمتع بها ..الم يقولوا ان البنية تعمّم (اي تشبه عمتها)؟ ولان امي هي عمة زوجتي فانها حفظت عنها اشياء حتى وراثيا ومازالت تتحفني ببعض تلك الماكولات … شكرا منية …اعود الى العولة ..مثل هذه العمليات لا تتم الا صيفا لضمان الشمس التي تقوم بالتجفيف … والمرأة الحاذقة والحكيمة في العائلات المعوزة خاصة هي التي “تفتل” اي تصنع تلك العولة كل سنة ..وذلك لاسباب عريقة وتاريخية في صفاقس … صفاقس منذ القدم ولحد يوم الناس هذا لها مناخ خاص بها فهي ليست صحراوية وليس لها مناخ الشمال الممطر ولا هي بالساحلية ايضا ..فرغم وجودها على الساحل المعروف بامطاره خريفا فان صفاقس امطارها نزوية (حتى امطارنا بالكيف) … وعندما لا تنزل الامطار خريفا يقول المتساكنون بان تلك السنة “عام الزمّة” … فهمت بعد سنوات ان الزمّة تعني الازمة …
والازمة تاريخيا ايضا كانت مرتبطة بالحروب في تونس عموما وهي التي كان الغازي في جلها ياتي بحرا ويطوّق خناقه على متساكني المدن ومنها صفاقس وبالتحديد حول سورها …حتى الاستسلام … وللتاريخ ايضا صفاقس في عهد الاستعمار الفرنسي كانت آخر مدينة استسلمت للمستعمر وبخيانة جماعة من ضواحيها… لهذين السببين فان متساكني صفاقس يحتاطون لهذه المفاجآت المناخية وللغزاة فتعوّدوا ان يقوموا كل صيف باعداد العولة، الى ان اصبحت من التقاليد ….ووالدتي عيادة رحمها الله بعد ان تنهي عولتنا (المتواضعة ولكن خير من بلاش والحمد لله) يدعوها الاقارب الميسورين حتى تكون المشرفة على عولاتهم نظرا إلى خبرتها … وتنصب الجفان والغرابل … كانوا يقولون عنها علنا “اشكون يشبه عيادة في الفتلان والزلڨان؟؟؟
من جهتي ورغم اني اصبحت تلميذا في الثانوي (قد الدني) الا ان والدتي كانت وكما تقول هي “لا تهنّي ولا تعزّي” الا وعبدالكريم معها ..حتى في عولة الاهل او الجيران .هي تخاف عليّ خوفا مرضيا ولا تثق باختي الكبيرة في غيابها حتى تعتني بي كما يجب . اشكون يعرف توكلوشي وقت يجوع ؟؟ تغطيهشي وقت يتعرّى ؟؟؟ … .ولعلّ من الاشياء التي اتذكّرها وكانها حدثت البارحة انها ذات يوم حملتني معها لقضاء امسية في دار عمتي… وعندما حان وقت العودة الى حوشنا الحّت عمتي وبناتها على ان ابقى ضيفا عندهم تلك الليلة ..وقبلت امّي على مضض ..في الغد وعندما عدت اليها صباحا … وجدتها في قمة الرعب …سالتني: “انت لاباس عليك ما جرالك شيء البارح؟” نظرت اليها واجبت: “يخخي ما تشوفش فيّا لاباس؟” … ضمّتني الى صدرها وكانني طفل صغير غضّ …
يااااااااااااااااااااااااااااااه كم هي ممتعة ….مريحة ..سمحة …الضمة عموما …وتلك الضمّة الامومية خاصّة …سالتها: “اشبيك يا عيادة والله لاباس عليّا اصحّ مالجنّ”… نظرت اليّ مليّا وكانها غير مصدقة لما سمعت ورأت وقالت: “يا وليدي البارح مازلت كيف خذاتني عيني وقمت مفجوعة عليك ..نحس قلبي اتشك شكة وحدة ووليت ندعي لربّي يا ربّي احميلي وليدي ..ولوكان موش جا عليّا عار راني جيتك في هاكة الوقت (نصف الليل تقريبا)” …هدّأت من روعها ثم قلت لها: “تعرف يا عيادة البارح شويّ لا لسعتني عقرب!” … وهو ما حدث فعلا وانا في ضيافة عمتي ..كنا نسهر ونسمر وفجأة جاءت ابنة عمتي ورجتني بصوت هامس الا اتحرك من مكاني .. انصعت لها ثم هوت بـ”شلاكة” فوق راسي بقليل حيث كانت تتجول “هوشة” (وفي رواية اخرى هيليكوبتر )… اي عقرب … ووصفها بالهيليكوبتر هو وصف رائع …
سنة 74 كانت اول سفرة في حياتي الى المغرب … لست عاشق زطلة ولكن كنت في مهمة مهنية ساعود اليها في ورقات قادمة … كنا في سماء الرباط و كان قائد الطائرة يستعد للنزول… كنت اراقب الرباط الجميلة من نافذة الطائرة وفجأة انخلعت من االمقعد الذي اجلس عليه وبرعب شديد .. هيليكوبتر مرت بجانب طائرتنا …مرورها كان سريعا بومضة البرق وكانت تشبه جدا جدا العقرب ..اعود لهيليكوبتر دار عمتي … ولأن قلب الام خبيرها …في ذات اللحظة وبحاستها السادسة والستين فوق البليون ..ارتعدت فرائصها وزلزلت اوصالها ..وعاشت معي الحدث بقرون استشعار قلّ ان يملكها احد غير الام …
في العطلة الصيفية تلك بدأت اهتماماتي الغنائية تتنوع وترتقي ..فبعد ان كنت من عشاق اش علينا (نعمة) وصفية شامية في(لا لا ما نحبكشي) والهادي القلال و (نرجعلك لازم نرجعلك) بتلك الترهويجة الموسيقية لكمنجة رضا القلعي ..بين المقطع والاخر ..اصبحت اذني تلتقط وتهتم بنوع من حب الاستطلاع لمنظومات موسيقية جديدة ..كانت تقتوقات عبدالحليم اولها (بتلوموني ليه .. باحلم بيك ..في يوم في شهر في سنة …) وكنت احاول ترديد بتلوموني ليه مع اختي الصغرى فكرية اطال الله عمرها … كنت اكبرها باربع سنوات وكنت آمرها بان تردد معي تلك الجملة الموسيقية القصيرة التي تاتي مباشرة بعد عبارة بتلوموني ليه ..ولانها كانت في صغرها ‘لا تدبش لا تنبش’ منتهى العقالة لحد السذاجة، كانت تتوفق احيانا في مواكبة نسق الجملة الموسيقية واحيانا يضيع نسق فكرية المسكينة ..اقول مسكينة لانني لا اتوانى لحظة واحدة عن عقابها ضربا بالارجل متى لم تكن متناغمة مع طربي وانشادي … شفتوني قداش خايب منذ طفولتي ..؟؟؟
كما كانت تشدني بعض اغاني فايزة احمد العائلية (بيت العز وحبيبي يا خويا) او صباح اونجاة الصغيرة ايضا …لكن ابدا ان جلبتني ام كلثوم او عبدالوهاب او فريد او اسمهان …حتى حدث ذات يوم ان زارت امرأة عمي لطيفة رحمها الله ابنة اخيها وصديقتها السمراء والحلوة جدا (وفقط) ما اخيب نيتكم ….ودندنتا باغنية الكبير عبدالوهاب (النهر الخالد) يومها تجمدت وانا استمع لهما تنشدان بطرب “سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل” …لم افهم شيئا يومها لم افهم شيئا ….لا عن النخيل … ولا عن الشاطئ ..ولا على الريح …فقط عندما كبرت عرفت ان الشاطئ والنخيل والريح العازفة لوحة لا يعرفها الا من يحس بجمال الله اولا وبجمال ما خلقه وبجمال الجمال … وفهمت ايضا وعن وعي ان الفنان عموما والكبير عبدالوهاب خاصة، يستطيع ان يشد سمع الانسان بعمق ابداعه وبحسه الفني الرهيب وساعود يوما الى هذه الفلتة الموسيقية في ورقات قادمة …
في تلك العطلة المدرسية تعلمت ايضا السرقة والكذب …. نعم كانت امي كلما دعتني لقضاء بعض حوائجنا من حانوت صالحة (هكذا كان يسمّى) وعرفت بعد سنوات ان صاحبه العبوس دائما والصعب المراس مع كل حرفائه والذين يتأففون من هذا التاجر الذي لا يستحق لقب تاجر فالتجارة فن … التجارة منذ القدم “لسيّن يغزل الحرير” او لا تكون … وهذه عشتها في سوريا سنة 96 عندما كنت في بعثة دراسية تابعة للاتحاد العربي للاذاعة والتلفزيون .السوري حماه الله وفرّج كربه من المتآمرين عليه في الداخل والخارج لضمان امن اسرائيل لا غير، ولتفتيت سوريا حتى لا تعود الى عزتها ومجدها الا بعد عشرات السنين من اعادة البناء …وما يقال عكس ذلك هو اما مشي في قطيع السياسيين او غباء، او خبث سياسي انتهازي بامتياز ..عودوا الى مقال كتبته بعد غزو العراق مباشرة ونشرته في جريدة الشروق، وقلت في خاتمته ان سوريا هي الهدف المقبل ..لا ادعي لا النبوّة ولا العبقرية في استقراء المستقبل، ولكن هو منطق الاشياء فقط والذي لا يستحق ذكاء خارقا لقراءة واقع سوريا وكل البلدان المجاورة لاسرائيل…
ويكفي في هذا الباب ان نتساءل سؤالين فقط… اولهما: من المستفيد مما يحدث في سوريا؟ ..ولا اجابة باستثناء اسرائيل وبلاش بطيخ وخاصة بصل وخروع …وبلاش تفسيرات اخرى… ومن يتحدثون عن دكتاتورية بشار عليهم اولا ان يعتنوا بـ”خمجهم” وعفنهم اذ كيف لقطر والسعودية ان تتحدثا عن ديموقراطية سورية، وهما اللتان لا احزاب في بلديهما… وتاريخهما يعج بالاغتيالات وبتسميم الاخ لاخيه والابن لابيه ….ثم السؤال الثاني، لو كان رأس بشار هو المطلوب اما كان بامكان امريكا وحلفائها الإقدام على خلعه في ساعة من الزمن ..؟؟ تركيا وقطر والسعودية والنصرة والمعارضة المعتدلة وغير المعتدلة والاكراد وما يسمى بالدولة الداعشية وروسيا وامريكا واوروبا وايران وحزب الله… الجميع دون استثناء وجدوا في سوريا ملعبا لهم ولاهدافهم، كل يغنّي “باحلم بيك” …وهناك قاعدة تاريخية تقول ان الاحلام الخبيثة لا تخلّف الا الكوابيس وارجو من الله ان نعيش يوما نرى فيه كوابيس مدمرة لاعداء سوريا …سوريا الجذور سوريا المجد سوريا التاريخ ..ومن تاريخ سوريا ان دمشق كانت ثاني اقدم عاصمة تجارية عبر التاريخ بعد “اريحا” وهكذا التجار او لا يكونون ..
في تلك الزيارة لدمشق عام 1996 بلاد الجمال والامن والامان (سماح برجالهم بنساهم والله) كنا ندخل لاي حانوت لاية مغازة نقلبها راسا على عقب وقد لا نشتري شيئا منها احيانا … وببشاشة الدنيا يجيب صاحبها “ولك شو يا حبيبي ما عجبك شيء” ؟؟؟ … كنا نظن خاصة وانهم يصيحون عندما يتكلمون تماما كما ترونهم في مسلسل “باب الحارة” كنا نظن انهم غاضبون منّا ومن بعثرتنا لحوانيتهم ..ولكن سرعان ما يضيفون: “ولا يهمك زينة ان شاء الله” … يقتلونك بببشاشتهم مرة اخرى رجالا ونساء ..تصوروا اننا كنا نحن مجموعة المشاركين العرب في تلك الدورة التكوينية، نراهن بعضنا البعض على رؤية امرأة سورية غير جميلة في شوارع دمشق …ويخسر من لا يراهن على الجمال ..
وفي المقابل عندما زرت القاهرة سنة 1988 في كاس افريقيا للكرة الطائرة التي شارك فيها “السي اس اس” (على فكرة على حساب جريدة الاعلان التي كنت اعمل بها) ..لاني لم اخرج اية مرة على حساب النادي رغم العروض المقدمة من قبل مسؤوليه والذين كنت اقول لهم دوما شكرا على الحركة، ولكن ساتركها لمن يترصد مثل هذه الرحلات من ثقب الابرة وما يشبعش هل من مزيد وما اكثرهم …عند زيارتي المهنية للقاهرة كنا نتراهن على وجود امرأة جميلة في الشارع المصري وكانت نتيجة رهاننا بعد ثلاثة اسابيع من البحث الدقيق ان النساء الجميلات في القاهرة موجودات فقط في المسلسلات والافلام المصرية (اربع كعبات وهز ايدك من المرق لا تتحرق)…
اعود الى صاحب حانوت صالحة تاجر حومتنا الاقرب إلى منزلنا (قرابة الكيلومتر) العبوس الصلف، لاكتشف بعد سنوات ان زوجته تدعى صالحة وانه كان لا يساوي شيئا امام جبروتها… وان ما يقوم به مع الحرفاء هو تعويض له كرجل “طلطول في منزله” ..قضاء ما نستحقه اما من ملح او سكر او بنّ للقهوة كنت انا الذي اتكفل بشرائه وامي لا تمانع في ذلك باعتبار خفة وزنه ….واغتنمت تسلم مقاليد وزارة التجارة (علاه الوزراء اللي شدوها بعد نكبة 14 جانفي خير منّي ؟؟؟)، اغتنمت تسلم مقاليد تلك الوزراة كي اكذب واسرق …(علاه يخخي جل الوزراء بعد نكبة 14 جانفي وفي جل القطاعات ماهمش سراق ؟؟ ان لم يكن بالمعنى المادي فبالمعنى السياسي) ….
ولكن حتى السرقة لها فنونها وجنونها .. ياااااااااااااااااااااااااااه ماذا تساوي حياتنا عموما دون فنون او جنون …؟؟؟ ع …
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.