تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 17

نشرت

في

فرص الخروج الى حانوت صالحة لقضاء بعض اللوازم الخفيفة للعائلة علمتني الكذب والسرقة … كنت اسرق قليلا من الوقت لاشاهد اصدقائي في الحومة “يكوّرون” وعندما اعود اختلق اية كذبة لابرّر تأخّري …

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

وكنت احسّ بعيّـــــــــادة وهي لا تصدّق ولدها (الزفلات) و كــــــــانت كل مرة تعلّق بـ “اية تو نشوفك المرّة الجاية اشنية الكذبة الجديدة الّي باش تطلعلي بيها !!”… في تلك الحقبة كانت تكتفي بإشعاري بانها “مشلّقة” ولكن كانت تؤمن بأن الحر من غمزة و”البهيم” من همزة ..وسترون كم خاب ظنها فيّ لاني لم استطع مع عفرتتي وشقاوتي ان اصل حتى لدرجة البهائم (همزا) فكيف اصل الى درجة الاحرار (غمزا)؟؟؟… مرت العطلة الصيفية وعدت الى الدراسة (الى الحيّ) بعد عثرة السنة الاولى وجاءت السنوات الثلاثة من المرحلة الاولى من التعليم الثانوي خالية من الخيبات الدراسية …لم اكن لا وقتها ولا طيلة دراستي “محراث خدمة ” ولكن واصلت العمل بنفس النسق وبنفس الاسلوب …حضور كلّي في الدروس ..تركيز كبير ..ومراجعة طفيفة ايام الامتحانات …ونتائج قريبة من الحسن وتألق متواصل في اللغة العربية .. هذه اللغة التي عشقتها منذ طفولتي والتي كم اشقتني في مراحل مفصلية في عمري ..لا تتعجلوا ستاتيكم اخبارها في ورقات قادمة ….

في ختام السنة الاولى المعادة تحصلت على الجائزة الاولى في مادة العربية، حيث كانت الجوائز انذاك تسند لصاحب المرتبة الاولى في المعدل العام وجوائز خاصة بالتميّز في المواد الهامة (عربية، فرنسية، رياضيات وعلوم)… ولن انسى يوم اختتام السنة الدراسية عندما وقعت المناداة على اسمي وسلّمني السيد احمد الزغل اطال الله عمره جائزتي …يومها كان يبحث عنّي لسببين اولهما انّي لم اكن في الصفوف الاولى للتلامذة المتفوقين والذين يجلسون قبالة منصة الاساتذة والمدير …كنت مع فرقة المعهد الموسيقية والمكونة من تلاميذ المعهد عزفا وانشادا …سي علي الحشيشة استاذ الموسيقى انذاك اطال الله عمره … وهذا الاستاذ مازلت الاقيه لحد يوم الناس هذا …وهو لم يتغير شكلا ولا ابتسامة عن اول يوم شاهدته بالمعهد، سبحان الله لم يتغير بتاتا …

سي علي قام في بداية تلك السنة باختبار مجموعة صوتية لتصاحب بقية العازفين في اداء الموشح الوحيد (شوشانة) وكم كانت دهشتي عندما اختارني من ضمن تلك المجموعة …فانا وان كنت اجيد اداء الاغاني بانواعها ..فاني وكما تعلمون مصاب بـ”الرأرأة” اي عدم اجادة نطق حرف الراء … فكيف لمنشد مثلي ان يقع الاختيار عليه رغم اعاقته في النطق ؟؟ يوم اختتام السنة الدراسية بحث عنّي سي احمد الزغل بين الصفوف الاولى فلم يجدني وهو السبب الثاني لبحثه..اسمي يذكره بحادثة ما …وما لبث ان رآني اخرج من بين تخت الفرقة (استناني من قدام …جيتو على جنب) … نظر اليّ وكانه يقول: “انت موش متاع المبارزة بالسيف عمناول ؟؟؟” فاجبته بنظرة لا تقل رمزا عن نظرته قائلا له فيها ..”ينعم يا سي احمد انا هو بعينو” …

سلمني الجائزة دون اي تعليق دون اية نظرة .. برود لحد الصقيع … كدت اندم على الذهاب اليه لولا تلك العين الرائعة التي رمقتني من هناك: عين سي يوسف خماخم استاذي في مادة العربية رحمه الله والتي كانت كلّها تلخّص: “تستاهلها ولدي ربي يوفّقك” … كم هي النظرة موجعة احيانا …و كم هي تحلّق بنا احيانا اخرى في اعالي اعالي السحاب هل عشتم يوما التحليق في اعالي اعالي السحاب ..؟؟ …في تلك السنوات وككل تلميذ هنالك ثلاثة انواع من الاساتذة نعاشرهم ..بعضهم يتميّز بكاريزما هائلة …”الذبانة” تسمعها اثناء دروسهم … بعضهم عاديون للغاية فهم لا يحفرون اثرا في ذاكرتنا ..وبعضهم اما اصدقاء جدا لنا … سي النوري دمّق استاذ الرسم رحمه الله، سي علي الحشيشة استاذ الموسيقى، سي عياد السويسي استاذ المسرح رحمه الله … او هم مرتع لعبثنا الطفولي بانواعه (ويا ويلو اللي يحصل منهم بن ايدينا)…

اتذكر جيدا استاذ الرسم الفنان التونسي الكبير ابراهيم الضحاك، رحمه الله … كان طوال السنوات التي قضاها في المعهد “نصف صاح” … هو ناقص نوما اكيد …ولكن دائما °سيس دوز ° (وهذه عبارة تصف شارب الخمر الذي يبالغ في الشرب والتي لم افهم يوما لا ماتاها ولا معناها 6 : 12) … وكنا ننتظر بكل شوق حصة الدرس عنده لا لاننا كنا بارعين في الرسم فانا مثلا من افقر الناس فعلا وحسا بالرسوم وخاصة التجريدية ليوم الناس هذا … تصوروا اني نلت مرة واحدة عددا فوق العشرة عندما رسمت “شلاكة” …ويبدو اني عندما رسمت نفسي كشلاكة في التصوير نلت ما استحق ..سي ابراهيم هذا يمكن ان ننتظر منه اية هبلة جميلة من هبلاته ..ذات يوم اعجبه رسمان لتلميذين اعطاهما 20 على 20 .. لكل واحد منهما ..

نظر اليه احدهما وقال: “يا استاذ ظلمتني ..ما تشوفش اللي رسمي احسن شوية من رسم زميلي ؟؟؟” … نظر سي ابراهيم متأمّلا الى رسمه ونظر مليّا الى الرسم الاخر فما كان منه الا ان اضاف للمشتكي واحدا فاصبح عدده 21 على عشرين …؟؟ تفطنت الادارة إلى ذلك فرغبت منه مراجعة العدد لكنه رفض قطعا ذلك وقال لهم ساحذف له نقطة في الامتحان المقبل …وفعلا كان ذلك ..سي ابراهيم الضحاك ودائما هو ..جاءه احد التلاميذ وقال له حرفيا: “يا سي ابراهيم، باباي يسلم عليك وقلّك ولدي ناقصتو اربعة باش يجيب المعدل متاعو زيدهملو انت برّي ويبارك فيك وفي باباك” ..وكعادته نظر سي ابراهيم مليّا الى التلميذ وقال له وهو نصف صاح دائما: “سلّم على باباك وقلّو سي ابراهيم ما يبيعش في البصل وقلّو قلّك سي ابراهيم يلعن باباك وبو باباك!” ..ومرّ وكأن لم يحدث شيئا …

من غرائب الاحداث في تلك السنوات ايضا ..اننا كنا نحن التلاميذ نقوم بانشطة متعددة في الشبيبة المدرسية …موسيقى تمثيل غناء _… ووجدت نفسي منجذبا الى التمثيل بعد سنة في المجموعة الصوتية …الاستاذ انذاك كان المرحوم عياد السويسي ..عندما حضرت عنده اول مرة سالني عن علاقتي بالتمثيل فاجبته بانها علاقة استماع لبعض البرامج التمثيلية في اذاعة صفاقس وقبلها في الاذاعة الوطنية… سالني عن بعض الممثلين الذين اعجب بهم ذكرت له عديد الاسماء فما كان منه الا ان اعطاني قصيدة عنوانها الزوج القاتل لتيمور لاراجعها والقيها الاسبوع المقبل ..وكان ذلك ..ومرة اخرى لم تكن لثغتي حاجزا دون اعجاب استاذي في المسرح سي عياد فقط، بل فزت عن القائها بالجائزة الاولى في الالقاء جهويا، ورئيس لجنة الامتحان والتحكيم انذاك المسرحي التونيسي الكبير حسن الزمرلي رحمه الله… واستعددت للمشاركة في الامتحان الوطني للالقاء وركبت الحافلة للذهاب الى قابس حيث تقام المناظرة كممثل عن ولاية صفاقس..وانتظرنا اكثر من ساعة بعد موعد اقلاع طائرتنا (ما يمشيش في بالكم ) بل حافلة من شركة النقل …ثم انزلونا لان احد اودية جهة قابس قطع الطريق علينا بفعل فيضانه ..احيانا تاتيك الفرصة لتكون من منافسي عزت العلايلي او نور الشريف ..ولكن، ” يعطي للذبان عمى قداشني متواضع”! …

السنة الثالثة من المرحلة الاولى من تعليمي الثانوي كانت سنة حدث ….الحدث كان حدثا جللا ….في اوسطه وعند مقدم الربيع افقت على حقيقة …عبدالكريم صار كبيرا …”فهمتوها والا حتى نقولو هوني بير ؟؟؟” نعم بلغت سن الرشد الجسدي …ولست ادري هل كل من عاش مثل هذا الحدث احسّ بما احسست …التحوّل في شخصيتي كان غريبا وسريعا وبهذلني جدا …اصبحت وانا في الرابعة عشرة من عمري احس بأني بين عشية وضحاها أصبحت رجلا (وسيد الرجال) … نظرتي تغيرت ..مشيتي تغيرت .. سعة بالي لم تعد كعادتها … صياحي لم يعد لطيفا ..حتى الحجارة في الطريق لا تسلم منّي فاركلها هنا وهنالك… مما حوّل احذيتي الى خرئط بالحبر الصيني حيث الاسود من خلفها والرمادي اين موقع الركل في “بونتتها”…

هكذا كان يخيّل لي كيف يجب ان يكون الرجل ..صلفا شديدا واثق الخطوات لا يضحك كثيرا… حتى اختي الصغرى فكرية حفظها الله لم اعد اقتسم معها لعبي (قدّي قدّها ؟؟؟) … كنت حتى مع زملائي في المدرسة احاول تجنّب الاطفال منهم (مازالوا فروخ اش يفهموا فيها) واعاشر من يكبرونني سنا (عمران ..البرادعي ..الزواري ..ادريس) … والبعض منهم يزيد عني بثلاث سنوات او اكثر (يعني العضروط وخوه سنا وجسدا) … هم كانوا يتفادون احاديث “القباحة” امامي ..كأنهم لم يتفطنوا بعد الى اني “نڨّزتها” ودخلت ركابهم .. ولكني كنت اتلصّص وبطريقتي على احاديثهم …

سمعتهم يتحدثون عن “الكارطي” (دار البغاء العلني) وفهمت وقتها ما يعني الباب الشرقي ..سمعتهم يتحدثون عن استاذة الانكليزية “لاكوست” الفرنسية، تلك الوحيدة كأنثى في المعهد والتي تشرئب اعناقنا جميعا لها عند ظهورها، لان رائحة الانثى في ذلك الزمن كرائحة مطر لا ينهمر الا بعد دهور… يتحدثون عن لاكوست وكيف ان احد التلاميذ كان يحظى عندها بمكانة متميزة الى درجة انها تمكنه من دروس خصوصية بمنزلها، فيضمن هو التفوّق في الانكليزية وتتفوّق هي في استضافة وتذوّق موائد عربية اصيلة ..وكان زملائي العضارط يعضّون على اصابعهم قهرا ويردّدون: “عجب اش عجبها فيه هاكا الڨعبوط؟؟؟… ولم يفهموا ولن يفهموا ان رؤية البعض للجمال او للجسد تختلف عن رؤية الاخر …

علاقتي في ربيع تلك السنة توتّرت جدا مع كل محيطي… في حومتي، اصبحتُ علويّأ عموديّا في رؤيتهم (ما يلعّبونيش) … وحتى مع الحوش الذي اقطن به ..اصبحت اتساءل: هل هذا موقعي ؟؟ هل ولدت كي اكون في هذه الحالة الرثة والمزرية ..انا الذي لم اذق يوما طعم سرير انام عليه .. لم اذق طعم “كعبة ميلفي” من بائعها في المعهد وكنت اكتفي بالنظر الى بعض زملائي في الدراسة “يضربوا بالاربعة” في راحة العاشرة صباحا … واشنية هالعيشة وهالمقت ؟؟؟ كلما عدت الى المنزل بعد يوم من الدراسة وبعض “الطوشيع” في الكرة، انهالت عليّ عيادة بوابل اسئلتها: “اشبيك التو … اشبيه سروالك؟؟؟”… (جِدوا لي جملة خارج الدارجة تكون ابلغ واعمق واكثر شفافية عن الطفل والخ …. وسرواله) ..ثم تضيف: “اسمع يولّيشي صنانك تحت ضبوطك راني ديما امك وما تكبرش في عيني!!” ويحدث يومها زلزال مدمر في علاقتي مع عيادة …

ياااااااااااااااااااااااااااه كان مدمّرا انذاك نعم ..ولكن حتى الزلازل لها جمالها ..تأكدوا …لها جمالها ….

ـ يتبع؟ طبعا يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار