تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 22

نشرت

في

Premium Vector | Sketch of the vintage radio receiver. vektor illustration

هل لي ان اذكّر بان انتقالي من المرحلة الاولى للتعليم الثانوي الى الرابعة آداب كانت سنة تحوّلات كبيرة ..؟؟

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

لابدأ بمحيطي العائلي …عبدالكريم في نظر كل سكان الحوش اصبح مهابا ..حتى الملاحظات والنهي التي كانت تلاحقني خفّ ازيزها ..حتى عيّادة الغالية اصبحت ترى في ولدها بذرة امل لمستقبلها علّه ينوّر حياتها بعد تعب السنين، فتراها تلجأ الى الملاحظات الناعمة شكلا ولكنّها المحذرة دوما من الاخطاء والمنزلقات ..اتذكّر جيّدا انّها شاهدتني مرّة مع “ولد برّبة” وهو في مثل سنّي لكنّه مصاب بمرض الرمد الذي قضى على ثلثي عينيه ثم جانب النظافة فيه يكاد يكون منعدما … كان جميع اتراب الحومة يتحاشونه ..وكان ذلك المهجور من قبل الجميع …

شاهدتني عيادة مرّة معه وانا اعانقه بكل حنّية …وبكل ودّ وربما بكثير من الشفقة …همست بعتاب جميل: “يا وليدي توّة ما لقيت تعنّق كان احمد ولد بربّة ؟؟؟ ما شفتش حالتو كيفانهيّة والذبّان اللي يدور عليه ؟؟؟ اجبتها بكل الم: علاه يا عيادة ما خلقوش ربي ..؟؟؟ ولعلّها فهمت المي فردّت باقتضاب ..لا حبّيت نقلّك وبرّة …انا نحبّ نشوفك في مراتب عليا والمهم تعرف اشكون تصاحب وتبعد على اولاد الحرام اللي لا يناموا ولا يخلليو شكون ينام …واتذكّر جيّدا اني ذات مرّة وانا اردّ على مثل هذه الملاحظات الزجريّة لخّصتُ لها ما تنتظره منّي بالقول: شوف يا عيادة حاجة من الاثنين انا راني كي نكبر يا نذّن يا نقيّم فيها الاذان …

دائما في محيطي العائلي كانت تلك السنة سنة تحوّل كم هو مهم ومؤثر جدا في حياتي …في تلك السنة (كدت اقول في بيتنا رجل لعبدالقدوس) ..في تلك السنة في بيتنا راديو…لست ادري كيفاش طلعت عند الوالد سي محمد، كي يقتني مذياعا ..كان من النوع الذي يشتغل بالبطارية يحملها على ظهره ويقع كبسها بشريط بلاستيكي… تماما كما تحمل المرأة الريفية رضيعها فوق ظهرها وتشدّه بمليتها ..ومن جملة عبثنا انذاك اننا كنّا نتساءل عن كيفيّة ارضاعها لذلك الرضيع اثناء شغلها حتى لا تضيع الوقت ..كنّا نقول عنها ستخرج ثديها من تحت ثيابها وترمي به في حركة الى الوراء تماما كما نرمي”الكشكول” على عنقنا لنحميه من البرد شتاء .. حتى يصل ثديها الى فم رضيعها دون عناء …تصوروا ثديا في طوله كالكشكول ..؟؟.شفتو ما اخيبنا ..؟؟

كان المذياع بالنسبة لي الحدث السعيد وايضا بالنسبة لسكّان الحوش الذين كانوا يتحلّقون حوله كل صباح بداية من العاشرة لتكسير اللوز الجاف وللاستماع الى اكثر برنامج جماهيري انذاك: “اغنية لكل مستمع” في الاذاعة الوطنية . وهو برنامج خاص باهداءات الاغاني … اكهو …وكانوا في حوشنا يتقاسمون الاغاني الاولى لفلانة الثانية لفلتانة وهكذا …وبعضهم يتفاءل بما وفّر له حظه الذي قد ينبئه بعريس وهو يستمع الى جواب حب ..”وختما لك الف سلام من قلب لا بيهدا ولا ينام قلب حبيبك” …بينما الاخر يصفرّ وجهه وهو يستمع الى راح راح راح خاصة والاخرون والاصحّ الاخريات تتغامزن على حظّها التعيس ….والمذياع في رمضان هو كنز من كنوز سليمان ..فتحيّة الغروب لعادل يوسف عندليب الاصوات، وحكايات او سمر عبدالعزيز العروي وشاناب والحاج كلوف واختبر ذكاءك…

يوم الثلاثاء كان جميع سكان الحوش يتحلقون حول ذلك المذياع للاستماع والاستمتاع … خاصّة في فصل الصيف حيث تتنوّر وسطية الحوش بـ “كربيلة” من جهة وفنار من جهة اخرى لاضاءة بعض اركانه… و انذاك الستاغ والصوناد كانتا خارج دائرة الوجود… ولتحلّق العائلات الثلاث في اللمّة متعة حميمة جدا رغم كل التجاذبات بين السلايف… لمّة يبدو انّها اضمحلّت تماما في حياتنا الان، لأن التحلّق اصبح ثنائيا بين كلّ فرد وهاتفه (وتسمع كان تك تك…كل “يشاتي” على هواه … ما ابشعنا في عصر الانترنيت عصر رغم كل ايجابيّاته قضى على اجمل ما في الجمال…اللمة العائلية …اليس كذلك يا عالم ..؟؟؟

المذياع بالنسبة لي كان مجالا لاكتشاف محطّات اذاعية اخرى ….مشرقيّة بالاساس ..في تلك السنة اكتشفت الاذاعات المصرية (صوت العرب من القاهرة واذاعة الشرق الاوسط من القاهرة )… هاتان الاذاعتان قهرتا امّي رحمها الله وكانت كلّما راتني متيّما بالمذياع في لياليّ الاّ وعلّقت ..مع هاكي القاهرة هواشي؟ …يرّاها مقهورة ..هي لم تكن لها رغبة في الاستماع الى المذياع عموما ولكنّها كانت تلاحظ ان الاذاعة عامة والاذاعة القاهرية خاصّة اخذت تأخذ من وقتي الكثير على حساب دراستي ..وهي للامانة كانت محقّة نسبيا في ذلك ..فانا وكما تعرفون لم اكن يوما محراث خدمة في الدراسة ولكن سهراتي مع الاذاعتين المصريتين وخاصّة اذاعة الشرق الاوسط، اصبحت يومية بل الى حدّ الادمان ..انذاك وجدت في في هذه المحطة انماطا جديدة من الاساليب الاذاعية…

دعوني اقل لكم اننا نحن التونسيّين كنّا منبهرين باللهجة المصرية من خلال ما نستمع اليه من اغانيهم او من خلال الكم القليل من الافلام التي شاهدناها … كنّا نحسّ بعمق الغرام ونحن نستمع الى احمد مظهر او رشدي اباظة او عبدالحليم او ايّ مصري كان وهو يقول متغزّلا بحبيبته °وحياة عينيك مشتاق اليك” خاصّة بصوت ذلك البلبل الحزين فريد الاطرش لليليا في فلمه …يسري ذلك الغزل في عروقنا خاصة نحن المراهقين سريان المخدّر في “جواجينا”… ثم في تلك الاذاعة اكتشفت انذاك عالم الاشهار الذي كان مفقودا تماما في اذاعتي تونس وصفاقس . اقول لمن هم من نفس تلك الحقبة هل تتذكرون (كانت كانت سيجارة حبيبي) و(الفروج الدنماركي) و(دخّن سالم وانت سالم)؟؟ ثمّ وهو ما شدّني لتلك الاذاعة اسلوبها التنشيطي ..الخفيف الديناميكي ..

الاذاعة انذاك في تونس اذاعة معلّبة جامدة الى درجة الثقل الزئبقي ..اذا انّها كانت تعتمد في جلّها على البرامج المسجّلة وباللغة العربية …تصوّروا فقط انّه لا وجود لبرامج مباشرة باستثناء النشرات الاخبارية والمواجيز ..او نقل المباريات الرياضية او بعض السهرات الغنائية .فقط ؟؟؟ لذلك كانت حركية وخفة التنشيط في اذاعة الشرق الاوسط اكتشافا بالنسبة لي… لذلك كنت استحوذ وبشكل متعسّف على الاخرين ليكون المذياع ملكي بداية من التاسعة ليلا حتى منتصف الليل ..ومانيش ديمقراطي ويلعن جد والدين بو الديموقراطية اللي وصّلتنا بعد 14 جانفي لهذا الوضع الكارثي ..وطزززززززززززززززززززززز في الديموقراطية اللي ماشية بتونس للكارثة من جرّاء الانتهازيين الكوارث اللي على كل لون يا كريمة …يمّة عليك يا تونس يا غالية قدّاش طيّحولك قدرك وعبثو بيك ها الكوارث…

في تلك الاذاعة ايضا وككل الاذاعات المصرية هنالك موعد مع السحر شهريا ..اخر خميس من كل شهر حفلة العظمة على عظمة ..الست ام كلثوم وفي سهرة شهرية تقدّم اغنيتين واحدة جديدة واخرى قديمة ..يااااااااااااااااااااااااااااه اشي عوّدت عيني على رؤياك ..اشي يا ظالمني ..اشي بعيد عنّك اشي امل حياتي واشي واشي واشي ….اريد ان اطرح سؤالا كم يؤلمني طرحه: بالله اش يحسّو ارواحهم الناس اللي من جيلي وجيل القمم الفنية وهوما يشوفو صغارهم واحفادهم يتغناو بـ “اشترق تق”..؟؟؟ كثيرا ما اسمع من البعض اجابة من نوع (كل وقت ووقتو() و(كل جيل عندو فنّو)… لهؤلاء اقول انتم فعلا على حق لان الاجيال مختلفة جدا والعصور ايضا مختلفة جدّا… فقط تذكّروا انه من جملة العصور هنالك عصور يجمع عليها المؤرخون بانها عصور الانحطاط …واترك لكم تصنيف اي عصر هو جدير بصفة الانحطاط ..شكرا اذاعة الشرق الاوسط التي كم متّعتني وكم كان لها تاثير عميق عليّ…وتاثير سكناها في لاشعوري لاجد رواسبها الجميلة تخرج الى السطح ذات سنة وللحديث تفاصيل في قادم الورقات ..

في تلك السنة من عمري توطّدت علاقتي بساقية الداير هذه المنطقة والتي تبعد عن مركز المدينة 6 كم طريق المهدية… اخذتني منذ السنة الاولى من تعليمي الثانوي من ساقية الزيت 7 كم عن وسط المدينة طريق تونس… ظروف التنقل الى وسط المدينة كانت ايسر عن طريق المهدية، لكن علاقتي لم تتوطّد بشكل عميق الا ابتداء من السنة الرابعة ..عامل العمر لعب دورا هاما ..كانت علاقاتي في السنوات الاولى منحصرة مع عائلة “المدّب التريكي” رحمه الله لان ابنه رضا (صديق كلّ عمري) ربطتني به علاقة حميمة جدا منذ صغرنا ..كنّا ومنذ الطفولة وحتى سنوات متقدمة جدا لا نقترق بتاتا …كنت اكبره عمرا بسنة وكنّا متلازمين بشكل يعرفه الجميع ويحسده البعض واستمر الى مرحلة متقدمة من العمر ثمّ ..آه …. آه من الايام آه لم تعط من يهوى مناه ….ساعود الى التفاصيل ..

اذن كانت علاقتي مع اصدقاء الساقية محدودة في البداية ..الا ان تلك السنة كانت سنة تطوّر نوعي وكمّي مع العديد ..الحرّية التي اصبحت افرضها على عائلتي حرّية الوقت ..حرّية الصّداقة ..حرّية لعب الكرة ..كلّها مكنتني من مخالطة عديد الانماط …سنتها اكتشفت لعبة البولاط في حانوت خويا احمد الفقي متّعه الله بالصحّة و اطال عمره …دكاكين الحلاقة انذاك لا تتجاوز في الساقية الاربعة حيث كل حلاّق له نوعية معيّنة من الحرفاء عمريا ومهنيا ..وحانوت “بو احمص” كما كنا نسمّيه جلّه شباب فيه التلمذي وفيه الصّايع …وكم كان اولئك الصيّع على غاية من الجمال والضّمار والطيبة ..الا ان التوصيفات في ذلك الزمن لمعنى _الصّايع _ هو الذي لم ينجح في دراسته ويدخّن او يشرب الخمر ..رغم ان اولياءهم ومن ماثل اولياءهم سنا هم اقرب الى ابي نواس في تعاطي الخمر من الصيّع … علاوة على فتل “شنباتهم” رمز الرجولة والذكورة معا كلّما حضروا حفل زفاف فيه “مرا” علّهم “يباتوا بيها” حسب تعبيرهم ..

انذاك لم اكن ادخّن بالمعنى الحقيقي للتدخين ..قمت بتجربة سجائر القراطيس صنعا لكن لم ترق لي النكهة … بل اكثر من ذلك كنت اتأفف من رائحة دخان السجائر واندهش من قوم اسمّيهم “اخّ بفّ” تعبيرا عن الزفير والشهيق وهم يدخّنون … في الساقية كان ملتقانا اليومي باستثناء الاثنين (عطلة الحلاقين والتجارين بساقيتنا) بحانوت حلاقنا وكان مجاورا لمدرسة الامانة للفتيات من جهة ولحانوت الفواكهة الجافة (حمّاص) لواحد من افضل من عرفته الساقية اخلاقا وسلوكا … سي المبروك الله يرحمو… هو جنوبي كسائر الحمّاصة من اصيلي مدنين ويقدر ما كان اخوه صلفا جدّا معنا بقدر ما كان سي مبروك لطيفا وديعا باسما ..تصوّروا ان كلّ الصيّع انتذاك يقتنون منه سجائرهم “بالكريدي” دون ان يدوّن اسم اي واحد منهم …وكلّه ايمان بأنهم سيرجعون يوما ما عليهم من دين .. وايمانه في محلّه دون شك واشكون يغيّر سي مبروك ؟؟؟

هذه بسيطة .لكن دعوني اقل لكم ما حدث لي معه يوم ان اصبحت من قبيلة الصيّع وادخّن مثلهم ..اوّلا سي مبروك هذا كان يحبّني بشكل مختلف عن الجميع كان يسمّيني “كريّم” بضم الكاف ..هكّة رشقتلو اشكون يسالو … ثمّ كان كلّما يهم بمغادرة حانوته للتسوّق من وسط المدينة يكلّفني انا او لا احد بتعويضه كحمّاص في حانوته . نعم اشتغلت صانع حمّاص عند سي المبروك … .وكنت اقبل بكل حفاوة وطيب خاطر لأجل ذلك الرجل الطيب الجميل ولكنها كانت مني حفاوة انتهازية …. نعم انتهازية ….ذلك لان حانوته وكما اسلفت كان يبعد بضعة امتار عن مدرسة الفتيات الابتدائية والتي فيها انذاك “هسكّة” اي تلميذات مكتملات التكوين جسديا ..وتلك فرصة لي حتى اغازل احداهن ..والمغازلة انذاك وحتى في تلك السن لا تتجاوز ابتسامة ماكرة اعرف مسبقا انّها تؤدّي رسالتها .. ثمّ ماذا بعد ذلك ….؟؟؟؟صدّقوني لا شيء …. لا شيء …

باستثناء واحدة منهن تجرّات ولست ادري كيف بعد ان تفاعلت مع ملاحقتي لها بابتساماتي الماكرة تجرأت على ان ترسل لي عن طريق اخيها الطفل (5 سنوات) رسالة فيها بالضبط حرفيا بحباك …ولست ادري ما دخل الالف الزائدة بعد الباء ؟؟ وفيها ….صورتها .نعم صورتها لم اقل عنها المرحومة ..ليس لاني اعرف شيئا عنها الان بل لانه لو °شلّق ° بها احد اخوتها الذكور وخاصّة والدها الصارم جدّا والذي لم اره يوما مبتسما لكانت في عداد المرحومات وربّما لحقني شويّة الطشّ …..ويوم فاقت بيها عيادة قالت لي بالحرف الواحد، اشنية هالمرعوبة (قطعة الفحم الرديئة) مانيش راضية عليك لو كان تفكّر تاخذها ..ما اعزك وما اهونك تاخذ حطبة كيف هذي …

عيّادة وغيرها ولحدّ يوم الناس هذا لم يعرفوا ان اقدارنا هي التي تسيّر حياتنا وان الجمال له مقاييس اعمق من مرعوبة وبيضاء وشقراء ..ومربوعة قدّ وطويلة وقصيرة وفمها واسع وخشمها طويل وحجرة فمها عالية وعودة على دودة وان افضل ما قيل في العلاقات في العشق في الجمال في اي عمر ..في اي زمان .في اي مكان .. خوذو عيني شوفو بيها … وحتى اكون صادقا معكم، مانيش ماشي نعطيكم عيني تشوفو بيها … ده كلام ؟؟؟

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 113

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الكريم قطاطة:

من طباعي منذ كنت شابا انّ الله وهبني نعمة الصبر على كل شيء… وكان العديد من اصدقائي يغبطونني على (دمي البارد)… وعندما هرعت الى الله تعمّقت في داخلي القدرة على تحمّل كلّ المشاكل ومخلّفاتها… قد اكون واحدا من سلالة ايّوب، ولكن… واذا فاض كأس الصبر كما غنّى شكري بوزيان… واذا علا صوت ام كلثوم بـ (ما تصبرنيش ما خلاص انا فاض بيّ وملّيت)… وتختمها بـ(للصبر حدود يا حبيبي)… اردّ كأيّ بشر الفعل، لكنني كنت آخذ قراراتي ودائما باعصاب هادئة في ردّ الفعل…

عبد الكريم قطاطة

عندما اسرّت لي زميلتاي باذاعة الشباب بالحوار الذي دار بينهما وبين مديري سي عبدالقادر الله يرحمو… وفهمت انّ حدسي كان في محلّه بالشكّ في نواياه بعد الجلسة الصلحية مع زميلي الصادق بوعبان… تكسّر كأس الصبر… والكأس اذا تكسّر يستحيل لمّ شتاته…. ايقنت ان لا فائدة تُرجى من ايّ صلح بل وقررت ان تكون الحرب معه… اكاهو… وعليّ ان استعدّ لاوزارها… وليضحك كثيرا من يضحك اخيرا… انتهت السهرة الخاصة بتكريمي مع زميلتيّ وكانتا سعيدتين بها شكلا ومضمونا وعدت الى بيتي لاخطّط لحرب فعلية مع مديري…

وفي الصباح الباكر ذهبت لمكتبه… سلّمت عليه وسألته هل استمع الى حصّة التكريم البارحة… اجابني بالايجاب بل وشكرني على كلّ ما قلته في تلك السهرة… سالته باستعباط هل صدر منّي كلام او تعليق في غير محلّه لايّ كان؟.. اجابني: (ابدا ابدا، يخخي انت جديد عليّ نعرفك معلّم) … كنت جالسا فنهضت واقفا امامه واضعا كفّي يديّ على طاولة مكتبه وكأنّي تحوّلت من لاعب وسط ميدان الى مهاجم صريح وقلت له: (انا طول عمري كنت راجل معاك رغم كل الاختلافات والخلافات… ولم اقل في ظهرك كلمة سوء لكن وللاسف الذي حدث امس بينك وبين زميلتيّ في اذاعة الشباب ونُصحك اياهما بتغييري كضيف لهما اكّد بالدليل القاطع انّو بقدر ما انا كنت راجل معاك انت ما كنتش…..)

نعم هي كلمة وقحة ولكنّي قلتها لانّو فاض كاس الصبر… اندهش مديري منّي وانا اتلفّظ لاوّل مرّة بكلمة لا تليق به وقال لي: انت غلطت في حقّي راك.. قلت له: اعرف ذلك وانا جئت اليوم لاثبت لك اني ساعلن الحرب عليك ..ودون هوادة .. وصحّة ليك كان ربحتها وخرجتني قبل التقاعد مثلما قلت ذلك مرات عديدة، اما صحّة ليّ انا زادة كان خرجتك قبل التقاعد… وباش تعرف رجوليتي معاك ثمشي واحد يعلن الحرب على الاخر ويجي ويعلمو بيها ..؟؟ اذن اعتبرني من اليوم عدوّا لك ولكن ثق انّ الحرب بقدر ما ستكون شرسة بقدر ما ستكون من جانبي شريفة بمعنى ـ وربّي شاهد عليّ ـ لن الفّق لك ايّة تهمة لكن سافضح كلّ اعمالك)…

ولم انتظر اجابة منه… غادرت مكتبه وعزمت على التنفيذ… اتّصلت بالعديد من الزملاء الذين تضرروا من تصرفات مديري وسالتهم هل هم مستعدون للادلاء بشهادتهم كتابيا؟؟.. ولبّى العديد منهم طلبي… دون نسياني كتابة تقرير ل بكلّ ما حدث منذ قدومه على رأس اذاعة صفاقس… وللشفافية، كان هنالك ايضا تقرير على غاية من الاهمية وفي ثلاث ورقات كتبته احدى سكريتيراته وبتفاصيل مرعبة بعد ان ذاقت منه الويل… واعتقد انّ ذلك التقرير لعب دورا هاما في قرار اصحاب القرار…

اذن اصبح عندي ملفّ جاهز يحتوي على 30 ورقة ولم افكّر بتاتا في ارساله لا الى رئيس المؤسسة ولا الى ايّ كان… كان هدفي ان ارسله رأسا الى رئيس الدولة دون المرور عبر الرجل النافذ في الاعلام انذاك السيّد عبدالوهاب عبدالله الذي اعلم انه يكنّ لمديري ودّا خاصّا… وهذا يعني اذا يطيح بيه يبعثو لمؤانسة اهل الكهف (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)… وكم هو عدد الكلاب في حاشية الحكّام… لكن كيف يمكن لي ارسال الملفّ على الفاكس الشخصي للرئيس بن علي؟ ووجدت الحلّ (عليّ وعلى هاكة الناقوبة)… الناقوبة هي كنية لزميل يعمل في الصحافة المكتوبة وماشاء الله عليه في اجندا العلاقات… نعم مع الولاة مع الوزراء مع عدد لا يُحصى… تذكّرت وانا ابحث عمن يوصلني الى الفاكس الشخصي لرئيس الدولة…

تذكرت ذلك الناقوبة وتذكرت خاصة يوم زفافه… كنت يومها ممن حضروا حفل زفافه، خاصة انّ علاقتي به كانت من نوع علاقة الاستاذ بتلميذه… اذ هو ومنذ كان طالبا كان من مستمعيّ وعندما بدأ يخربش اولى محاولاته في الكتابة الصحفية مددت له يدي وشجعته … ولكن في اجندا العلاقات تفوّق الناقوبة التلميذ على استاذه… وللامانة حمدت الله على انّ اجندة العلاقات في حياتي سواء العامة او المهنية خلت من مثل اولئك الكبارات، هكذا يسمّونهم… ولكن وحسب ما عشته، قليل منهم من يستحق لقب الكبير…

يوم زفاف ذلك الناقوبة اشار اليّ من بعيد وهو بجانب عروسه كي اتوجّه اليه… توجهت لمنصة العروسين واقتربت منه فهمس في اذني (ماشي نوريك ورقة اقراها ورجعهالي) .. ومدّ اليّ تلغراف تهنئة لزفافه وبامضاء من؟… بامضاء زين العابدين بن علي… رئيس الجمهورية… الم اقل لكم انه باش ناقوبة ..؟؟ اذن عليّ به ليصل الملفّ الى الفاكس الشخصي للرئيس بن علي… بسطت له الفكرة وبكلّ برودة دم ووثوق اجابني: هات الملفّ وغدوة يوصل للرئيس وفي فاكسه الشخصي…

كان ذلك وسط شهر جوان ..ولم يمض يومان حتى هاتفني المرحوم كمال عمران المدير العام للقنوات الاذاعية ليقول لي: (يا سي عبدالكريم الملفّ الذي ارسلته للرئيس بن علي احاله لي شخصيا وكلفني بالقيام بابحاث مدققة مع جميع الاطراف وانت واحد منهم… ما يعزش بيك هذا امر رئاسي وعليّ تنفيذه)… اجبت على الفور: (وعلاش يعزّ بيّ؟.. ونزيد نقلك اكثر ما نسامحكش قدام ربّي اذا تقول فيّ كلمة سمحة ما نستاهلهاش)… وانتهت المكالمة وقام السيد كمال عمران رحمه الله بدوره كما ينبغي مع الجميع وللامانة ليست لي ايّة فكرة عن تقرير السيّد كمال عمران الذي ارسله للرئيس بن علي…

وما ان حلّ الاسبوع الاوّل من شهر جويلية حتى صدر القرار…ق رار رئيس الدولة باقالة السيّد عبدالقادر عقير من مهامه على راس اذاعة صفاقس وتعيين السيد رمضان العليمي خلفا له… يوم صدور القرار ذهبت الى مكتب سي عبدالقادر واقسم بالله دون شعور واحد بالمائة من خبث الشماتة… استقبلتني سكرتيرته زميلتي فاطمة العلوي ورجوتها ان تعلن للسيد عبدالقادر عن قدومي لمقابلته… خرج اليّ مديري الى مكتب السكرتيرة… سلّم عليّ ولم اتركه للضياع وقلت له : (انا ما اتيتك شامتا ولكن اتيتك لاقول لك انّ قرار اقالتك انا عملت عليه وانا الذي ارسلت الى الرئيس ملفا كاملا حول تصرفاتك ويشهد الله اني لم افترِ عليك بتاتا… الآن جئت لاودّعك ولأتمنى لك الصحة ولاقول لك انا مسامحك دنيا وآخرة…

عانقني سي عبدالقادر والدموع في عينيه وقال لي: (انت هو الراجل وانا هو اللي ما كنتش راجل معاك وربي يهلك اصحاب الشرّ)… غادرت المكان وتلك كانت الحلقة الاخيرة مع السيد عبدالقادر عقير رحمه الله وغفر له… سامح الله ايضا الشلّة التي عبثت بالمدير وبمصلحة اذاعة صفاقس وبالعديد من الزملاء… وهذه الفئة ذكرها الله في القرآن بقوله عنها (الملأ) ووُجدت في كل الانظمة عبر التاريخ وستوجد حتى يوم البعث… انها شلّة الهمّازين واللمازين والحاقدين والاشرار وخاصة ذوي القدرات المحدودة فيعوّضون عن ضعفهم وسذاجة تفكيرهم بنصب الفخاخ للاخرين وبكلّ انواع الفخاخ…

انهم احفاد قابيل…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 112

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في علاقتي بالاشخاص عموما كنت ومازلت اعطي اهمّية قصوى لنظرة العيون… لا ادّعي فراسة كبيرة في ذلك لكن ربما هو بعض مما جاء في اغنية الكبير محمد عبدالوهاب (حكيم عيون افهم في العين وافهم كمان في رموش العين)… طبعا مع بعض الاحتراز على كلمة حكيم…

عبد الكريم قطاطة

فقط نظرة العيون في مراحل عديدة من حياتي وفي علاقاتي كانت النافذة الاولى للتعرّف احساسا على ما تحمله تلك العيون من صدق او نفاق او من مواقف باهتة لا روح فيها… يوم التقيت مع زميلي وصديقي الصادق بوعبان ونظرت الى عينيه احسست بامرين… الاول انّ الصادق كان صادقا في إقدامه على محاولة الصلح بيني وبين مديري… والامر الثاني وهذا ما حدث بعد ذلك في اللقاء، انه اراد ان يكون محتوى لقائنا بعيدا عن التصعيد منّا نحن الاثنين… وقبل ان نجتمع رجاني (بالكشخي) قائلا: خويا عبدالكريم رجاء ما تصعّدش، وساقول نفس الشيء لسي عبدالقادر … اجبته: داكوردو اما بشرط انّو سي عبدالقادر يتحدّث عنّي باحترام ولا يفتري عليّ… طمأنني سي الصادق وذهب لمقابلة مديري في مكتبه قبل اللقاء الثلاثي…

بعد ربع ساعة تقريبا هاتفتني كاتبته في تلك الفترة (الزميلة فاطمة العلوي) بالقول: سي عبدالقادر يحبّ عليك في بيروه… فاطمة هي السكرتيرة الرابعة للمدير بعد ان قام بطرد ثلاث قبلها… وميزة فاطمة انها كانت تعمل مع رئيسها بكلّ انضباط واخلاص… وانا احترم هذه النوعية من السكرتيرات، وللامانة كذلك كانت سكرتيرتي وزميلتي سامية عروس بمصلحة البرمجة وزميلتي وسكرتيرتي نعيمة المخلوفي رحمها الله بمصلحة الانتاج التلفزي، كانتا في منتهى الوفاء والاخلاص لي رغم كلّ الاغراءات التي سلّطت عليهما ليكونا (صبابّة) لاعوان المدير …

دخلت مكتب المدير، صافحته بادب واحترام وبدا زميلي الصادق بخطابه متوجها لنا الاثنين… خطابه كان منذ البداية واضح المعالم ومبنيّا على عنصرين مفصليّين اولهما الاشادة بمحاسن كل واحد فينا وحاجة اذاعة صفاقس لكلينا… والعنصر الثاني تحاشي الجدال في كلّ ما وقع بيننا اذ لا طائل من ورائه… وكانت اخر كلماته وهو يتوجه لنا هل انتما مستعدان لطيّ ملفّ الماضي وفتح صفحة جديدة من اجل مصلحة الاذاعة لا غير؟.. وطلب مباشرة موقف مديري من رجائه كوسيط بيننا… سي عبدالقادر ودون تردّد كانت اجابته كالتالي: والقرآن الشريف ومنذ هذه اللحظة انا طويت صفحة الماضي وفتحت صفحة جديدة مع سي عبدالكريم… استبشر خويا الصادق بهذا الامر وقال لي: اشنوة رايك خويا عبدالكريم؟ صمتُّ للحظات وقلت: ارجو ذلك ان شاء الله…

لماذا كان ردّي مختصرا للغاية وفيه نوعا ما من الشكّ في ما قاله مديري ؟ اجيبكم… هل تتذكّرون ما قلته لكم في بداية الورقة حول نظرة العيون ؟؟ نعم كنت طوال الجلسة الثلاثية انظر واتفحّص جدا عينيْ مديري… نعم انّ بعض الظنّ اثم … ولكنّ نظراته لم تكن مُريحة وهو اقلّ ما يُقال عنها… تصافحنا جميعا وتمنّى لنا زميلي الصادق بوعبان تكليل محاولته الصلحية بالنجاح… وغادرت معه مكتب المدير وما ان ابتعدنا عن مكتبه حتى قال لي الصادق: علاش نحسّ بيك شاكك في نوايا سي عبدالقادر ؟ قلت له حدسي لم يرتح له وارجو ان يكون حدسي كاذبا…

ودّعت الصادق وذهبت الى مكتبي بوحدة الانتاج التلفزي… لم البث اكثر من ربع ساعة حتى اعلمتني سكرتيرتي نعيمة رحمها الله انّ منشطتين من اذاعة الشباب جاءتا لمقابلتي… استقبلتهما بكلّ حفاوة ويا للمفاجأة… اتضح أنهما مستمعتان ومراسلتان لعبدالكريم في برامجه منذ اكثر من 15 سنة… واليوم اصبحتا زميلتين في اذاعة الشباب… عبرت لهما عن سعادتي وفخري بهما وطفقتا تطنبان في فضلي عليهما حتى في اختيارهما لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بعد الباكالوريا تاثّرا بي وبرسالتي الاعلامية… وبلّغتاني تحيات بعض اساتذتهما لي وتقديرهم لمسيرتي المهنية (عبدالقادر رحيم، منصف العياري ، رشيد القرقوري، الصادق الحمامي…) وبعد يجي واحد مڨربع مللي قال فيهم المتنبي وهو يهجو ذلك الكافور المخصي (وقدره وهو بالفلسين مردود) ويقلك اشكونو هو عبدالكريم واش يحسايب روحو ؟؟ اي نعم هذا ما تبوّع به البعض عنّي… واقسم بالله اقول مثل هذا الكلام واخجل منكم جميعا لانّي لا احبّ والله ايضا لا يحبّ كلّ مختال فخور…

انا لم ادّع يوما انّي فارس زمانه الذي لا يُشقّ له غبار… لكن على الاقلّ اجتهدت وعملت ليلا نهارا وتعبت وكان ذلك في فترات طويلة على حساب زوجتي وعائلتي وارجو منهما ان يغفرا لي… وما قمت به في اذاعة صفاقس كان واجبي ولا انتظر عليه لا جزاء ولا شكورا… اما توجع وقت تجيك من انسان مديتلو اليد واحطت بيه ووقفت معاه وعلى مستويات عديدة وهو اصلا لم يصل الى مرتبة خُمُس منشط او هي لم تصل ثُمُن منشّطة، ويتجرّا يقول تي اشكونو هو عبدالكريم واعيد القول انا اوثّق للتاريخ لكن انا مسامحهم دنيا واخرة …

اعود للزميلتين من اذاعة الشباب طلبتُ منهما كيف استطيع خدمتكما في ما جئتما من اجله… ابتسمتا وقالتا جئنا من اجلك يا استاذنا… ولغة اعيُنهما كشفت لي عن حديث او احاديث لهما رايتها بقلبي قادمة في الطريق… ولم تخذلني مرة اخرى لغة العيون اذ عبّرتا عن سعادتهما بانّ ادارة اذاعة الشباب وافقت على سهرة خاصة من استوديوهات اذاعة صفاقس يقع فيها تكريم الاعلامي عبدالكريم قطاطة وموعد السهرة هو الليلة من العاشرة ليلا الى منتصف الليل… شكرت لهما حركتهما النبيلة معبّرا عن سعادتي وشرفي بنزولي ضيفا على مستمعتيّ… زميلتاي شكرتاني على كلّ شيء واستأذنتا الذهاب لمديري لشكره على منحهما استوديو وفنّيا لاتمام المهمة وودّعتاني على امل اللقاء في الموعد في الاستوديو… اي العاشرة ليلا لذلك اليوم …

الساعة انذاك كانت تشير الى منتصف النهار… كدت اغادر المكتب للعودة الى منزلي (واللي فيه طبّة عمرها ما تتخبّى، وين المشكل مادامني معروف عند مديري بعدم الانضباط في القدوم الى الاذاعة و في مغادرتها ؟؟ خاصة ونحن اليوم ومنذ سويعة ونصف بدأنا صفحة جديدة في علاقتنا… وبالقرآن الشريف زادة… لكن كان هنالك حبل سرّي خفيّ شدّني الى مقعدي في مكتبي… احسست بنوع من الانقباض لم ادر مأتاه… استعذت من الشيطان دون ان اغادر مكتبي… وماهي الا عشر دقائق حتى عادتا اليّ زميلتا اذاعة الشباب وعيونهما توحيان بامر ما قد حدث… كانتا واجمتين وصمتهما كان ثقيلا ايضا ولكنّه كان يحمل اشياء وسترون كم هي ثقيلة ايضا…

تقدّمت احداهما وهي ماسكة شجاعتها بيديها كما يقول المثل الفرنسي وسالتني… يخخي ما زلت متعارك مع سي عبدالقادر عقير مديرك ؟؟ قلت بهدوء وبكثير من الرصانة: لا في بالي توضحت الامور منذ هذا الصباح وطوينا صفحة الماضي ..وسالتهما: يخخي صارت حاجة بينكم وبينو توة وقت شفتوه ؟؟ نتبادلتا النظر وكأنّ كلّ واحدة تقول للاخرى (ايّا قللو اشنوة اللي وقع.. تي اتكلّم يا سخطة انا والله لتو لفهمت شيء)…تكلمت احداهما وقالت (شوف يا سي عبدالكريم انت عزيز علينا ومكانتك ما ياخذهاش لا سي عبدالقادر ولا غيرو… احنا طول عمرنا يستحيل ننساو فضلك علينا ولهذا نحكيلك شنوة اللي وقع بالضبط مع سي عبدالقادر… هو استقبلنا بكل حفاوة وترحاب وعندما اعلمناه بما نحن عازمتان عليه لتكريمك تغيّرت ملامح وجهه وسالنا يخخي لازم ضيفكم يكون سي عبدالكريم ؟ انا مستعد نوفرلكم اي منشط او منشطة عوضا عنه وانا راهو نحكي في مصلحتكم ومصلحة برنامجكم… انتوما تعرفو سي عبدالكريم من عيوبو انو سليط اللسان واشكون يعرف يقولشي حاجة او بوحاجة.. ويخليكم في ورطة… انا نعاود نقوللكم راني حريص انو برنامجكم يتعدّى من غير مشاكل…. فردّت عليه احداهما: احنا راهو جايين خصوصي لبرنامج الهدف منو تكريم استاذنا الاعلامي الكبير سي عبدالكريم اللي علّمنا فيما علّمنا تحمّل مسؤولية افعالنا وقراراتنا…

انذاك وحسب ما اضافته الزميلتان احسّ السيّد عبدالقادر عقير بخطورة ما قاله وكاّنه يقول اش عملت اش عملت… وفي رواية اخرى جمرة وطاحت في الماء، ولسان حاله يتساءل زعمة جيت نطبّها عميتها؟؟… ورجانا (تواصل الزميلة الشابة) ان لا نذكر لك ما حدث… تذكرتوها هاكي الخاتمة متاعو في لقائنا الصباحي وفي نفس يوم قدوم زميلتيّ من اذاعة الشباب مع الزميل الصادق بوعبان (والقرآن الشريف صفحة جديدة بداية من اليوم مع سي عبدالكريم)؟؟؟… ربي يسامحك ويغفرلك خويا عبدالقادر …

ومع مطلع جانفي 2025 اي غدا* ستكون الحلقة الاخيرة في الورقة 113 من حكاياتي مع مديري سي عبدالقادر . رحمه الله وغفر له كلّ شيء… و كتهنئة بحلول سنة 2025 ادعو للجميع بهذه الدعوة (الامن والامان لتونس العزيزة لفلسطين المحتلة وهي في قلب محنتها مع اعدائها من الداخل والخارج … لكلّ الشعوب الشقيقة والصديقة ولكلّ انسان لم يمُت في داخله الانسان ..الله لا يحرمكم من السلام الروحي في هذه السنة الجديدة… صدقوني انها من اعظم نعم الله)…

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المقال منشور لأول مرة في 31 ديسمبر 2024

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 111

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في مارس 2003 وكما ذكرت في الورقات السابقة انغمست انغماسا كلّيا في التعرّف على ديني… وبعد اشهر فهمت قول خالقي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُون)…

عبد الكريم قطاطة

نعم فهمت انّ خالقي اراد ان يعوّضني في تلك الفترة عن ما عشته من تجاذبات ومشاكل لا حصر لها مع مديري انذاك سامحه الله وغفر له… ورغم انّي غادرت مصلحة البرمجة كرئيس لها وغادرت قبلها المصدح رغم عشقي الكبير له ووقعت تسميتي على رأس مصلحة الانتاج التلفزي، لكنّ كلّ ذلك حزّ في نفسي وبكلّ ألم… الاذاعة والمصدح كانا بالنسبة لي عشقا لا يوصف… لكنّ الله اجابني وانا اطّلع على قرآنه العظيم بالقول (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) اذ انّ نقلتي مكنتني اوّلا من الاقتراب من خالقي ومكنتني كما ذكرت من سلام روحيّ داخلي عوّض عليّ كلّ ما اعتبرته خسارات…

وبقيت منذ مارس 2003 حتى يوم 23 اكتوبر من نفس السنة في قطيعة تكاد تكون كلّيا مع مديري… هو على حالو وانا على حالي لا واحد يجي على ساحة لوخر… يوم 23 اكتوبر 2003 مدّتني سكرتيرتي بظرف يحمل شيئا من مديري… فتحته فوجدت فيه السيد عبدالقادر عقير يستجوبني عن الاسباب التي جعلت من وحدة الانتاج التلفزي لا تنتج… في البداية اعتبرت انّ تساؤله مشروع جدا واجبت مفسّرا ذلك يثلاثة اسباب… السبب الاول انّ الوحدة لا تملك ضمن العاملين بها فريق اخراج اي على الاقلّ مخرجا وكاتبة مخرج… والانتاج طبعا يتطلب حتمية وجود هذين الاختصاصين… السبب الثاني انّ وحدة الانتاح غير مدرجة ماليا في ميزانية اذاعة صفاقس فكيف يمكن لها ان تؤمّن حتى الحدّ الادنى من نفقات الانتاج؟… والسبب الثالث انّي توجهت الى رئاسة المؤسسة بتقرير كامل عن وضعية وحدة الانتاج منذ الاسبوع الاول من مباشرة مهامي على رئاسة مصلحة الانتاج بها، لكن لا حياة لمن تنادي… و لتلك الاسباب اقتصرت اعمال الوحدة على بعض الريبورتاجات الاخبارية او نقل بعض المباريات الرياضية…

وتصورت انّي بردّي هذا اغلقت الملفّ… لكن ما ان حلّت سنة 2004 وبالتحديد في 3 فيفري حتّى مدّني الزميل الشاذلي الغريبي رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية بنسخة من مراسلة ادارية وصلته من السيّد المدير مضمونها الآتي حرفيّا: من مدير اذاعة صفاقس الى رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية …الموضوع حول مواظبة مسؤول… أما نصّ المراسلة فيقول: (وبعد… فانّ بعض المسؤولين يعمدون الى عدم احترام التوقيت الاداري، من ذلك انّ السيّد عبدالكريم قطاطة رئيس مصلحة الانتاج التلفزي يعمد الى الالتحاق بعمله متاخّرا ومغادرته له مبكّرا… ادعوكم الى وضع مواظبته تحت المراقبة وموافاتي اسبوعيا بتقرير مفصّل في الغرض وخصم ما يجب خصمه من رصيده في الاجازات السنوية والسلام)…

اشنوة معناها؟ تقولشي مجرم خطير يجب ان يوضع في غوانتنامو وتحت حراسة مشدّدة زادة… تتذكروا اني في ورقة ما، قلتلكم علاقتو بيّ منذ خلافنا معا يمكن تلخيصها في (قاتلك قاتلك) ؟؟.. هاكي هي … اذن هذا يعني انّ المدة الماضية كانت استراحة محارب فقط… بل والانكى انّ احد الزملاء اسرّ لي بانه توعّدني بالقول (والله اللي ما نخرّجو من الاذاعة قبل التقاعد)… للامانة وقتها لم اردّ الفعل بتاتا الم اقل لكم انّ الايمان العميق يمنحنا السلام الروحي؟… بل عندما اسرّ لي احد الزملاء بقسمه ذاك ضحكت وقلت له بالحرف الواحد: الله وحده هو من يُحيي ويُميت… وقررت وابتعادا عن مزيد من المشاحنات وتعكير الاجواء ان اتقدّم برخصة مرض لمدّة شهر علّني اُريح واستريح… وكان ذلك…

نعم لم اكن مريضا ولكن تعاطف الطبيب الذي هو يوما ما، كان احد مستمعيّ وواكب مسيرتي بهضابها وسهولها، لم يتأخّر لحظة واحدة في مدّي بتلك الرخصة المرضية لمدة شهر كامل… بل وابى بشكل بات ان يأخذ منّي ايّ ملّيم مقابل كشفه… وسلّمت الشهادة الطبية للمصلحة المالية والادارية تجنبا للقاء مديري في تلك الظروف… ولبثت في منزلي لا اغادره الا لشرب قهوة سريعة والعودة اليه… وفي اليوم الثالث من اعتكافي فوجئت بجرس المنزل يدقّ… خرجت لاستطلاع الامر فاذا به رجل محترم يقدّم لي شخصه كطبيب مرسل من ادارة اذاعة صفاقس للقيام بما يسمّى الفحص المضادّ حتى يقوم بعده بكتابة تقريره الطبي لادارة اذاعتي… ضحكت بكلّ هدوء وقلت له تفضّل وقم بعملك… كان صوتي الداخلي يقول (اكتب يا حسين انا متيقن من النتيجة)…

وتوجهت ادارة اذاعة صفاقس بمراسلة لرئاسة المؤسسة مرفوقة بتقرير الفحص المضادّ وكانت النتيجة ان رفضت المؤسسة رخصة مرضي وإن منحتني الحقّ في 13 يوما خُصمت مما تبقى لي من عطلتي السنوية وكذلك خصمت 17 يوما من مرتّبي الشهري… قبلت القرار بصدر رحب وقلت في نفسي وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير ولكم… والحمد لله بفضل صبر عائلتي وتآلف البعض من اهلي واصدقائي لم ابت وعائلتي ليلة واحدة وفي كلّ ازماتي مع مديري الاذاعة، دون عشاء… وصبرت على كلّ المحن… لكنّ مديري رحمه الله وغفر له واصل سلوكه معي ودائما من صنف قاتلك قاتلك… ومما زاد ألمي وحزني انه وعندما انتقلت عيادة الى جوار ربها يوم 30 مارس 2004 هو لم يكتف فقط بعدم زيارته لي لتقديم التعازي بل كلّف البعض بتسجيل اسماء كل من يحضر موكب العزاء… هم كانوا في نظره خونة له وانصارا لعبدالكريم …

ولعيّادة طبعا حضور مؤكّد في ورقتي القادمة… ايماني العميق بالله وبقضائه واقداره وبكل امانة كانت رافدا لصبري في فقدان عيادة رحمها الله… ولكن ألمي بعد فقدانها اوعز لديّ رغبة شديدة في اطلاع رئيس المؤسسة على كلّ ما عانيته… فكان ان قررت ارسال مكتوب لرئيسها انذاك اعلمه فيه بكلّ ما حدث مع مديري منذ توليه ادارة اذاعة صفاقس بحلوها ومرّها… والله يشهد على انّي لم اكذب عليه اطلاقا… واكّدت له انّي رئيس مصلحة الانتاج التلفزي على الورق فقط… وأن كلّ مكاتيب المدير لوحدة الانتاج التلفزي لا تصلني البتّة بل كان يرسلها لرئيس المصلحة التقنية… الاعداد التي يضعها رئيس المصلحة للمنضوين تحت مسؤولياته سواء المتعلقة بمنحة الانتاج او بالاعداد المهنية لم اعد مكلّفا بها… بل الادهى انّ اعدادي المهنية ومنذ كنت اشتغل في المؤسسة الأم في بداية السبعينات ورئيسي المباشر سي ابراهيم الغضاب اطال الله عمره شاهد على ما ساقول… اعدادي لم تنزل يوما عن 100 بالـ 100 .. لكن الآن ومنذ تعكّرت علاقتي بمديري سي عقير، اصبحت اعدادي المهنية من هواة الهبوط ودون باراشوت… الى ان وصلت الى 80 بالـ 100…

المكتوب كان طويلا ومطوّلا ولكن اردت من خلاله ان اقول لرئيس المؤسسة مادمت لا اقوم بايّ عمل في مصلحة الانتاج التلفزي فما الفائدة من وجودي هناك؟ اليس الاجدى تعيين زميل في مكاني حتى تستفيد الوحدة منه؟ واقسم بالله اني كنت صادقا في ذلك… للامانة ليست لي ايّة فكرة عن كيفية تعامل الرئيس المدير العام مع مراسلتي تلك… ولكن فوجئت يوما بالزميل والصديق صادق بوعبان يكلمني هاتفيا ويطلب منّي ان اقبل رجاءه والمتمثل في تدخله بيني وبين مديري كواسطة خير لرأب ما تصدّع… وقال انه مستعدّ للمجيء إلى صفاقس للقيام بهذه المحاولة شريطة ان يتلقّى موافقتي… الزميل الصادق بوعبان عرفته منذ عملنا معا في جريدة الأيام وعرفته كمنشط في اذاعة المنستير وعرفته عندما اشتغل بالمؤسسة الأم مديرا لقناة 21 ثم للتلفزة الوطنية الاولى… ليس بيننا سوى الودّ والاحترام وبيننا ايضا تقاطعات في عديد الافكار والمواقف…

ضحكت ضحكة مختصرة وصمتّ قليلا… فاردف خويا الصادق بالقول: (انا نعرفك ونفهمك اما اشنوة خاسرين كيف نعملو محاولة صلح؟ انت صديقي وسي عبدالقادر صديقي وانا نحبّ نصلّح بيناتكم)… قلت له (خويا الصادق رغم اني مانيش متفائل برشة بالنتيجة متاع القعدة، اما مرحبا بك طلبك غالي)… واتفقنا على اليوم والتوقيت… وجاء ذلك اليوم وشرفني زميلي الصادق بزيارته وكان اللقاء الثلاثي… نعم تمّ ذلك اللقاء ولكن ما تمّ بعده وفي نفس اليوم غيّر مجرى الاحداث تماما ..

يااااااه على اقدار الله ..نعم، قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا (سورة التوبة آية 51) …. لا تقلقوا كثيرا غدا باذن الله تتواصل الحكاية في الورقة 112… قولوا عاد ما نحبكمش ترا…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار