هل لي ان اذكّر بان انتقالي من المرحلة الاولى للتعليم الثانوي الى الرابعة آداب كانت سنة تحوّلات كبيرة ..؟؟
عبد الكريم قطاطة
لابدأ بمحيطي العائلي …عبدالكريم في نظر كل سكان الحوش اصبح مهابا ..حتى الملاحظات والنهي التي كانت تلاحقني خفّ ازيزها ..حتى عيّادة الغالية اصبحت ترى في ولدها بذرة امل لمستقبلها علّه ينوّر حياتها بعد تعب السنين، فتراها تلجأ الى الملاحظات الناعمة شكلا ولكنّها المحذرة دوما من الاخطاء والمنزلقات ..اتذكّر جيّدا انّها شاهدتني مرّة مع “ولد برّبة” وهو في مثل سنّي لكنّه مصاب بمرض الرمد الذي قضى على ثلثي عينيه ثم جانب النظافة فيه يكاد يكون منعدما … كان جميع اتراب الحومة يتحاشونه ..وكان ذلك المهجور من قبل الجميع …
شاهدتني عيادة مرّة معه وانا اعانقه بكل حنّية …وبكل ودّ وربما بكثير من الشفقة …همست بعتاب جميل: “يا وليدي توّة ما لقيت تعنّق كان احمد ولد بربّة ؟؟؟ ما شفتش حالتو كيفانهيّة والذبّان اللي يدور عليه ؟؟؟ اجبتها بكل الم: علاه يا عيادة ما خلقوش ربي ..؟؟؟ ولعلّها فهمت المي فردّت باقتضاب ..لا حبّيت نقلّك وبرّة …انا نحبّ نشوفك في مراتب عليا والمهم تعرف اشكون تصاحب وتبعد على اولاد الحرام اللي لا يناموا ولا يخلليو شكون ينام …واتذكّر جيّدا اني ذات مرّة وانا اردّ على مثل هذه الملاحظات الزجريّة لخّصتُ لها ما تنتظره منّي بالقول: شوف يا عيادة حاجة من الاثنين انا راني كي نكبر يا نذّن يا نقيّم فيها الاذان …
دائما في محيطي العائلي كانت تلك السنة سنة تحوّل كم هو مهم ومؤثر جدا في حياتي …في تلك السنة (كدت اقول في بيتنا رجل لعبدالقدوس) ..في تلك السنة في بيتنا راديو…لست ادري كيفاش طلعت عند الوالد سي محمد، كي يقتني مذياعا ..كان من النوع الذي يشتغل بالبطارية يحملها على ظهره ويقع كبسها بشريط بلاستيكي… تماما كما تحمل المرأة الريفية رضيعها فوق ظهرها وتشدّه بمليتها ..ومن جملة عبثنا انذاك اننا كنّا نتساءل عن كيفيّة ارضاعها لذلك الرضيع اثناء شغلها حتى لا تضيع الوقت ..كنّا نقول عنها ستخرج ثديها من تحت ثيابها وترمي به في حركة الى الوراء تماما كما نرمي”الكشكول” على عنقنا لنحميه من البرد شتاء .. حتى يصل ثديها الى فم رضيعها دون عناء …تصوروا ثديا في طوله كالكشكول ..؟؟.شفتو ما اخيبنا ..؟؟
كان المذياع بالنسبة لي الحدث السعيد وايضا بالنسبة لسكّان الحوش الذين كانوا يتحلّقون حوله كل صباح بداية من العاشرة لتكسير اللوز الجاف وللاستماع الى اكثر برنامج جماهيري انذاك: “اغنية لكل مستمع” في الاذاعة الوطنية . وهو برنامج خاص باهداءات الاغاني … اكهو …وكانوا في حوشنا يتقاسمون الاغاني الاولى لفلانة الثانية لفلتانة وهكذا …وبعضهم يتفاءل بما وفّر له حظه الذي قد ينبئه بعريس وهو يستمع الى جواب حب ..”وختما لك الف سلام من قلب لا بيهدا ولا ينام قلب حبيبك” …بينما الاخر يصفرّ وجهه وهو يستمع الى راح راح راح خاصة والاخرون والاصحّ الاخريات تتغامزن على حظّها التعيس ….والمذياع في رمضان هو كنز من كنوز سليمان ..فتحيّة الغروب لعادل يوسف عندليب الاصوات، وحكايات او سمر عبدالعزيز العروي وشاناب والحاج كلوف واختبر ذكاءك…
يوم الثلاثاء كان جميع سكان الحوش يتحلقون حول ذلك المذياع للاستماع والاستمتاع … خاصّة في فصل الصيف حيث تتنوّر وسطية الحوش بـ “كربيلة” من جهة وفنار من جهة اخرى لاضاءة بعض اركانه… و انذاك الستاغ والصوناد كانتا خارج دائرة الوجود… ولتحلّق العائلات الثلاث في اللمّة متعة حميمة جدا رغم كل التجاذبات بين السلايف… لمّة يبدو انّها اضمحلّت تماما في حياتنا الان، لأن التحلّق اصبح ثنائيا بين كلّ فرد وهاتفه (وتسمع كان تك تك…كل “يشاتي” على هواه … ما ابشعنا في عصر الانترنيت عصر رغم كل ايجابيّاته قضى على اجمل ما في الجمال…اللمة العائلية …اليس كذلك يا عالم ..؟؟؟
المذياع بالنسبة لي كان مجالا لاكتشاف محطّات اذاعية اخرى ….مشرقيّة بالاساس ..في تلك السنة اكتشفت الاذاعات المصرية (صوت العرب من القاهرة واذاعة الشرق الاوسط من القاهرة )… هاتان الاذاعتان قهرتا امّي رحمها الله وكانت كلّما راتني متيّما بالمذياع في لياليّ الاّ وعلّقت ..مع هاكي القاهرة هواشي؟ …يرّاها مقهورة ..هي لم تكن لها رغبة في الاستماع الى المذياع عموما ولكنّها كانت تلاحظ ان الاذاعة عامة والاذاعة القاهرية خاصّة اخذت تأخذ من وقتي الكثير على حساب دراستي ..وهي للامانة كانت محقّة نسبيا في ذلك ..فانا وكما تعرفون لم اكن يوما محراث خدمة في الدراسة ولكن سهراتي مع الاذاعتين المصريتين وخاصّة اذاعة الشرق الاوسط، اصبحت يومية بل الى حدّ الادمان ..انذاك وجدت في في هذه المحطة انماطا جديدة من الاساليب الاذاعية…
دعوني اقل لكم اننا نحن التونسيّين كنّا منبهرين باللهجة المصرية من خلال ما نستمع اليه من اغانيهم او من خلال الكم القليل من الافلام التي شاهدناها … كنّا نحسّ بعمق الغرام ونحن نستمع الى احمد مظهر او رشدي اباظة او عبدالحليم او ايّ مصري كان وهو يقول متغزّلا بحبيبته °وحياة عينيك مشتاق اليك” خاصّة بصوت ذلك البلبل الحزين فريد الاطرش لليليا في فلمه …يسري ذلك الغزل في عروقنا خاصة نحن المراهقين سريان المخدّر في “جواجينا”… ثم في تلك الاذاعة اكتشفت انذاك عالم الاشهار الذي كان مفقودا تماما في اذاعتي تونس وصفاقس . اقول لمن هم من نفس تلك الحقبة هل تتذكرون (كانت كانت سيجارة حبيبي) و(الفروج الدنماركي) و(دخّن سالم وانت سالم)؟؟ ثمّ وهو ما شدّني لتلك الاذاعة اسلوبها التنشيطي ..الخفيف الديناميكي ..
الاذاعة انذاك في تونس اذاعة معلّبة جامدة الى درجة الثقل الزئبقي ..اذا انّها كانت تعتمد في جلّها على البرامج المسجّلة وباللغة العربية …تصوّروا فقط انّه لا وجود لبرامج مباشرة باستثناء النشرات الاخبارية والمواجيز ..او نقل المباريات الرياضية او بعض السهرات الغنائية .فقط ؟؟؟ لذلك كانت حركية وخفة التنشيط في اذاعة الشرق الاوسط اكتشافا بالنسبة لي… لذلك كنت استحوذ وبشكل متعسّف على الاخرين ليكون المذياع ملكي بداية من التاسعة ليلا حتى منتصف الليل ..ومانيش ديمقراطي ويلعن جد والدين بو الديموقراطية اللي وصّلتنا بعد 14 جانفي لهذا الوضع الكارثي ..وطزززززززززززززززززززززز في الديموقراطية اللي ماشية بتونس للكارثة من جرّاء الانتهازيين الكوارث اللي على كل لون يا كريمة …يمّة عليك يا تونس يا غالية قدّاش طيّحولك قدرك وعبثو بيك ها الكوارث…
في تلك الاذاعة ايضا وككل الاذاعات المصرية هنالك موعد مع السحر شهريا ..اخر خميس من كل شهر حفلة العظمة على عظمة ..الست ام كلثوم وفي سهرة شهرية تقدّم اغنيتين واحدة جديدة واخرى قديمة ..يااااااااااااااااااااااااااااه اشي عوّدت عيني على رؤياك ..اشي يا ظالمني ..اشي بعيد عنّك اشي امل حياتي واشي واشي واشي ….اريد ان اطرح سؤالا كم يؤلمني طرحه: بالله اش يحسّو ارواحهم الناس اللي من جيلي وجيل القمم الفنية وهوما يشوفو صغارهم واحفادهم يتغناو بـ “اشترق تق”..؟؟؟ كثيرا ما اسمع من البعض اجابة من نوع (كل وقت ووقتو() و(كل جيل عندو فنّو)… لهؤلاء اقول انتم فعلا على حق لان الاجيال مختلفة جدا والعصور ايضا مختلفة جدّا… فقط تذكّروا انه من جملة العصور هنالك عصور يجمع عليها المؤرخون بانها عصور الانحطاط …واترك لكم تصنيف اي عصر هو جدير بصفة الانحطاط ..شكرا اذاعة الشرق الاوسط التي كم متّعتني وكم كان لها تاثير عميق عليّ…وتاثير سكناها في لاشعوري لاجد رواسبها الجميلة تخرج الى السطح ذات سنة وللحديث تفاصيل في قادم الورقات ..
في تلك السنة من عمري توطّدت علاقتي بساقية الداير هذه المنطقة والتي تبعد عن مركز المدينة 6 كم طريق المهدية… اخذتني منذ السنة الاولى من تعليمي الثانوي من ساقية الزيت 7 كم عن وسط المدينة طريق تونس… ظروف التنقل الى وسط المدينة كانت ايسر عن طريق المهدية، لكن علاقتي لم تتوطّد بشكل عميق الا ابتداء من السنة الرابعة ..عامل العمر لعب دورا هاما ..كانت علاقاتي في السنوات الاولى منحصرة مع عائلة “المدّب التريكي” رحمه الله لان ابنه رضا (صديق كلّ عمري) ربطتني به علاقة حميمة جدا منذ صغرنا ..كنّا ومنذ الطفولة وحتى سنوات متقدمة جدا لا نقترق بتاتا …كنت اكبره عمرا بسنة وكنّا متلازمين بشكل يعرفه الجميع ويحسده البعض واستمر الى مرحلة متقدمة من العمر ثمّ ..آه …. آه من الايام آه لم تعط من يهوى مناه ….ساعود الى التفاصيل ..
اذن كانت علاقتي مع اصدقاء الساقية محدودة في البداية ..الا ان تلك السنة كانت سنة تطوّر نوعي وكمّي مع العديد ..الحرّية التي اصبحت افرضها على عائلتي حرّية الوقت ..حرّية الصّداقة ..حرّية لعب الكرة ..كلّها مكنتني من مخالطة عديد الانماط …سنتها اكتشفت لعبة البولاط في حانوت خويا احمد الفقي متّعه الله بالصحّة و اطال عمره …دكاكين الحلاقة انذاك لا تتجاوز في الساقية الاربعة حيث كل حلاّق له نوعية معيّنة من الحرفاء عمريا ومهنيا ..وحانوت “بو احمص” كما كنا نسمّيه جلّه شباب فيه التلمذي وفيه الصّايع …وكم كان اولئك الصيّع على غاية من الجمال والضّمار والطيبة ..الا ان التوصيفات في ذلك الزمن لمعنى _الصّايع _ هو الذي لم ينجح في دراسته ويدخّن او يشرب الخمر ..رغم ان اولياءهم ومن ماثل اولياءهم سنا هم اقرب الى ابي نواس في تعاطي الخمر من الصيّع … علاوة على فتل “شنباتهم” رمز الرجولة والذكورة معا كلّما حضروا حفل زفاف فيه “مرا” علّهم “يباتوا بيها” حسب تعبيرهم ..
انذاك لم اكن ادخّن بالمعنى الحقيقي للتدخين ..قمت بتجربة سجائر القراطيس صنعا لكن لم ترق لي النكهة … بل اكثر من ذلك كنت اتأفف من رائحة دخان السجائر واندهش من قوم اسمّيهم “اخّ بفّ” تعبيرا عن الزفير والشهيق وهم يدخّنون … في الساقية كان ملتقانا اليومي باستثناء الاثنين (عطلة الحلاقين والتجارين بساقيتنا) بحانوت حلاقنا وكان مجاورا لمدرسة الامانة للفتيات من جهة ولحانوت الفواكهة الجافة (حمّاص) لواحد من افضل من عرفته الساقية اخلاقا وسلوكا … سي المبروك الله يرحمو… هو جنوبي كسائر الحمّاصة من اصيلي مدنين ويقدر ما كان اخوه صلفا جدّا معنا بقدر ما كان سي مبروك لطيفا وديعا باسما ..تصوّروا ان كلّ الصيّع انتذاك يقتنون منه سجائرهم “بالكريدي” دون ان يدوّن اسم اي واحد منهم …وكلّه ايمان بأنهم سيرجعون يوما ما عليهم من دين .. وايمانه في محلّه دون شك واشكون يغيّر سي مبروك ؟؟؟
هذه بسيطة .لكن دعوني اقل لكم ما حدث لي معه يوم ان اصبحت من قبيلة الصيّع وادخّن مثلهم ..اوّلا سي مبروك هذا كان يحبّني بشكل مختلف عن الجميع كان يسمّيني “كريّم” بضم الكاف ..هكّة رشقتلو اشكون يسالو … ثمّ كان كلّما يهم بمغادرة حانوته للتسوّق من وسط المدينة يكلّفني انا او لا احد بتعويضه كحمّاص في حانوته . نعم اشتغلت صانع حمّاص عند سي المبروك … .وكنت اقبل بكل حفاوة وطيب خاطر لأجل ذلك الرجل الطيب الجميل ولكنها كانت مني حفاوة انتهازية …. نعم انتهازية ….ذلك لان حانوته وكما اسلفت كان يبعد بضعة امتار عن مدرسة الفتيات الابتدائية والتي فيها انذاك “هسكّة” اي تلميذات مكتملات التكوين جسديا ..وتلك فرصة لي حتى اغازل احداهن ..والمغازلة انذاك وحتى في تلك السن لا تتجاوز ابتسامة ماكرة اعرف مسبقا انّها تؤدّي رسالتها .. ثمّ ماذا بعد ذلك ….؟؟؟؟صدّقوني لا شيء …. لا شيء …
باستثناء واحدة منهن تجرّات ولست ادري كيف بعد ان تفاعلت مع ملاحقتي لها بابتساماتي الماكرة تجرأت على ان ترسل لي عن طريق اخيها الطفل (5 سنوات) رسالة فيها بالضبط حرفيا بحباك …ولست ادري ما دخل الالف الزائدة بعد الباء ؟؟ وفيها ….صورتها .نعم صورتها لم اقل عنها المرحومة ..ليس لاني اعرف شيئا عنها الان بل لانه لو °شلّق ° بها احد اخوتها الذكور وخاصّة والدها الصارم جدّا والذي لم اره يوما مبتسما لكانت في عداد المرحومات وربّما لحقني شويّة الطشّ …..ويوم فاقت بيها عيادة قالت لي بالحرف الواحد، اشنية هالمرعوبة (قطعة الفحم الرديئة) مانيش راضية عليك لو كان تفكّر تاخذها ..ما اعزك وما اهونك تاخذ حطبة كيف هذي …
عيّادة وغيرها ولحدّ يوم الناس هذا لم يعرفوا ان اقدارنا هي التي تسيّر حياتنا وان الجمال له مقاييس اعمق من مرعوبة وبيضاء وشقراء ..ومربوعة قدّ وطويلة وقصيرة وفمها واسع وخشمها طويل وحجرة فمها عالية وعودة على دودة وان افضل ما قيل في العلاقات في العشق في الجمال في اي عمر ..في اي زمان .في اي مكان .. خوذو عيني شوفو بيها … وحتى اكون صادقا معكم، مانيش ماشي نعطيكم عيني تشوفو بيها … ده كلام ؟؟؟
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟